العرب و الكرد ..عن غياب الآخر في أدبنا و إبداعنا

الهويات الثقافية المٌعبرة عن شخصية أية أمّة تُشكل جزء أساسي من أدب هذه الأمة، والتي يُشكلها هذا الأدب في الوقت نفسه ويكرّس أحد أهم عناصرها، وأدبنا يخلو تماما – إلا ما ندر- من أية إشارة إلى وجود آخر مختلف، وهذا الغياب التام يقول بطريقة ما أنه لا وجود  لهذا الآخر، الآخر الذي له سماته الثقافية المتمايزة في الهوية الوطنية السورية المعلن عنها دائماً، وهو بلا شك جزء من هذه الهوية، ويؤثر فيها بشكل جذري، وإن تم إخفاء هذا التأثير وتغييبه لأسباب سياسية.

لا يتحرر الوطن، أي وطن، ولا يُبنى مجتمع المواطنة مع استمرار إنكار الآخر وتجاهله، وخاصة الإنكار اللغوي – الأدبي، وهو إنكار له دلالاته الاجتماعية وأبعاد السياسية التي تحفر عميقاً في الواقع القائم.

إن غياب الآخر المختلف عرقياً أو دينياً، عن الخطاب الأدبي و الخطاب الثقافي عموماً، وعن غالبية الكتابات الأدبية و النتاجات الفكرية السورية ( العربية)، التي كتبها كتّاب من العرب السوريين، هو فعل إلغاء للآخر، وإنكار لوجوده ، بل هو فعل عنصري بامتياز.

 تحضُرني هذه الأفكار وأنا أستذكر غالبية ما كتبه الأديب العربي السوري، لأتساءل:

أين الكردي في كتاباتنا الأدبية والفكرية ؟؟

 لماذا غاب الكردي وغابت قضيته الكُبرى إضافة إلى قضاياه الأخرى، والتي نشترك فيها معا على المستوى الإنساني عن أدبنا إلا استثناءات نادرة؟؟

إن كان الوجود الكردي في المجتمع السوري وجود ثابت ومرئي، وهو وجود أصيل،لم يعش مجتمعنا بدونه يوما، ولن يكون بإمكانه العيش بدونه، فكيف استوى لدينا طوال عقود أن يكون وجوده في أدبنا مظلماً، وغير مرئياً لهذا الحد من الإنكار ؟؟

 من منّا يتذكر رواية أو عمل أدبي كبير فيه إشارة إلى الكرد، أو أبطالها شخصيات كردية، أو أحد قضاياها التي تطرحها تمسّهم ؟؟

عدا قصة “ممو زين ” للشاعر أحمد الخاني التي ترجمها سعيد رمضان البوطي، كم عدد من قرأ مننا بالعربية قصص وملاحم كردية ؟

و أين الشخصية الكردية في تفاعلاتها مع الآخر العربي، بكل أبعادها وتجلياتها، وهمومها وآمالها وإخفقاتها و فشلها حتى على مستوى قصة حب رومانسية ؟؟

إن كتابة أدب رفيع يُتناول شخصيات وقضايا من عرق آخر، وثقافة أخرى، غير عربية، هو جزء من مجتمعنا وحياتنا و هويتنا، لهو أمر مهم جداَ بل هو مثير وجذاب، إضافة لكونه حاجة مُلحة، ليُصبح أدبنا حقيقياً وتاريخ أدبنا حقيقياً، و معبراً عن الهوية الثقافية لسوريا بكل من يعيش على أرضها .

ولاشك أن دراسة هذا الجانب ليس فقط فيما يخص الكرد، بل حتى باقي مكونات الشعب السوري العرقية، سيقودنا إلى معرفة عميقة في الطبيعة الاجتماعية والسياسية للمعرفة السائدة، لأن النتيجة كما هو ظاهر في أدبنا تُشكل هذه المعرفة ممارسة ثقافية، وما يقوم به المثقفون في كل مكان هو التأويل والنقد، وترميز الواقع في حركيته الاجتماعية وبناه الاقتصادية، ومعرفة سمات مُعينة لمجموعة بشرية ما، وبذلك يساهمون بدور رئيسي في تأسيس أمة جديدة،

ومهما كانت وجهات نظر بعض منهم ككرد أو بعض منّا كعرب، واستجاباتهم الشخصية للإجراءات الرسمية السائدة، وللتناقض الكامن في بنية تفكير المجتمع، لابدّ لهم من الانتباه لحضور الآخر، لحضور هؤلاء البشر بينهم ومعهم .

 على السرد أن يتحرر من عقلية العبيد والأسياد، وسلوك الاستعلاء والتهميش والإقصاء، على السرد أن يتحرر من عقد التفوق والنقص أيضاً.

يجب أن يكف السرد عن الصمت ويُحطم مملكته، مهما كانت النتائج، فإنها لاشك أفضل بما لا يُقاس من هذا التجاهل المريب .

مصدر الصورة : ANHA / من خبر ( رابطة نوروز تنظم فعالية عن التراث الكردي في بيروت، تشرين الثاني، 2019 )

بقلم: د.خولة حسن الحديد

5 thoughts on “العرب و الكرد ..عن غياب الآخر في أدبنا و إبداعنا

  1. Hussam Al din al mustafa

    برابووووو .
    تسليط الضوء على جوانب مخفية في مجتمعاتنا مهم جداً مثله كمثل أخوة عرب لنا في الدول العربية لم نكن نعلم الكثير عنهم سوى ما يتناقله بعض الإعلام الموجه .
    كدولة الإمارات وما تكتبيه عنها من نشاطات ثقافية وصروح علمية صراحة ماكنا نعلم عنها شيئ .
    وسلطنة عمان .
    وغيرها وكأنها كوكب آخر.
    ياريت تبقوا تكتبوا عن النشاطات والعادات الاجتماعية للدول العربية اذا فيه مجال. يوجد شغف كغيري للمعرفة باخوتنا وأهلنا.

    1. kmarabia

      kmarabia

      معك حق. يوجد جهل بالآخر بشكل كتير كبير، واليوم بظل التدفق المعلوماتي الهائل سيكون تقصير مننا ألا نعرف، لأن المعرفة باتت متاحة للجميع، ووجبنا أن نكتب بهذا المجال. شكرا لك

    2. kmarabia

      kmarabia

      سنواصل دائما إلقاء الضوء على كل جوانب قضايانا الاجتماعية والثقافية، وخاصة المسكوت عنها، شكرا حسام لمتابعتك الدائمة

  2. Mhmoud Aboud

    ليس الكرد فقط ، فنحن نجهل عاداتنا وثقافاتنا المتنوعة ، وهناك عدّة أسباب ومنها إنغلاق البعض على أنفسهم مما ساعد على التأويلات والأحكام المسبقة أو الإنسياق إلى الحكايا الموجهة .
    قضيتنا واحدة جميعاً وهي أن نتحرر من أنفسنا بدايةً ومن التمييز والعنصرية المؤصلة لدينا ، وهذا نلمسه ضمن المنزل الواحد بين الأولاد وبين الذكر والأنثى ، وبعدها نلمسه كذلك بالأحياء والمدن ، التمييز والعنصرية يطال الجميع وأغلبنا يشارك بإكمال هذه السلسلة القبيحة .

    1. kmarabia

      kmarabia

      مع حق تماما، نحن لدينا أنساق ثقافية واجتماعية ناجمة عن بنية تفكير ذات سياق زمني طويل، ويجب أن تتغير حتما، وللأسف التغيير الاجتماعي بطيء ولا يوازي التغيير التقني والعمراني، لكن مع كل الانهيرات المجتمعية التي طالت المجتمع السوري، لا شك أنه الأجيال القادمة ستتعلم وستتغير. تحياتي وكل الشكر لإغناءك الموضوع.

Leave A Comment

You May Also Like