في العلاقة مع الشخص النرجسي…. لماذا يظهر النرجسيون سعداء دائماً؟

حب الذات والاعتداد ب (الأنا) أمر مرغوب فيه، ومحمود بالنسبة لسمات شخصية أي إنسان، فأنت لن تحب أحداً إذا لم تكن تحب نفسك، ولن تستطيع الإنجاز على أي صعيد إذا لم تكن تعرف نفسك، وحدود قدراتك وطاقاتك، وتقدرها وتعتد بها، ولكن هذه السمات تتحول إلى داء حقيقي إذا تمت المبالغة فيها، وتجاوزت الواقع الذي أنت عليه، وهذا بالضبط ما يُميز الشخص النرجسي، مُبالغته في تقدير ذاته، إظهار التفوق والتمييز دون امتلاك الكفاءة اللازمة لذلك، الاعتداد بالنفس الذي يتجاوز احترام الذات وتقديرها، وما يُعرف ب ( عزة النفس) أو الكرامة إلى الانتفاخ، وصنع هالة من الشعور بالتفوق محاطة بالهيبة التي تُفرض على الآخرين، دون أن يكون ذلك مبرراً أو حقيقياً، فالنرجسي لا يتواضع أبداً، ويُصدق تميّزه، ويريد من الآخرين أيضاً أن يصدقوه .

السعادة والشعور بالتفوق

شعور النرجسي بالتمييز والتفوق من أهم أسباب عدم اعترافه بالمسؤولية عن الأخطاء، وبالتالي رفع المسؤولية عن نفسه حيال فشل أي مشروع، أو إنجاز، أو علاقة في كل علاقاته ومحيطه، هو طرف أساسي فيه/ها، ومن هنا يأتي شعوره الدائم بالسعادة، لأنه مستويات التوتر التي يُبديها أي شخص تجاه فشله في إنجاز مهمة ما، أو علاقة ما، معدومة لدى النرجسي، فالآخرين هم من ارتكبوا الأخطاء، وهو غير مسؤول عن أي فشل وغالباً ما يُبدي توقعاته حيال ذلك الفشل، وهذا ما يجعل التعامل مع الشخص النرجسي في بيئة العمل من أكثر علاقات العمل صعوبة، كما أن ما يُسمى ب ( العلاقات السامة)، هي أكثر أنماط العلاقات التي غالباً ما يكون النرجسي طرفاً فيها.

في دراسة أمريكية نُشرت مؤخراً، تبين أن الشخص النرجسي لا يتراجع عن سلوكه الخاطىء الذي أدّى إلى الفشل، فهو يعترف بالأخطاء ويُبدي توقعه للفشل، لكنه ليس هو من أخطأ، وقد بينت الدراسة أن الأشخاص الذين يمتلكون شعور بالرضا يقومون بمراجعات شخصية، ويعترفون أن النتائج التي حصلوا عليها، ستختلف لو أنهم تصرفوا بطريقة مختلفة خلال سير العمل، أو خلال سياق علاقة ما، إلا أن النرجسيين لم يعترفوا بهذا الأمر، وتجيب الدراسة على سؤال: (  لماذا عند حدوث أمر سيئ غير متوقع، لا يميل النرجسيون إلى لوم أنفسهم الذي يدفعهم إلى التفكير بماذا كان يجب عليهم فعله لتجنب هذه النتيجة؟) بل غالباً ما ينفون وجود أي إمكانية لتوقع هكذا نتيجة لدى أي شخص منخرط معهم بالأمر ذاته، أو جلّ ردة فعلهم تكون بإلقاء اللوم على الآخر في حال الإقرار بتوقع هكذا أمر، والدخول في ردة فعل دفاعية تتنكّر لأي مسؤولية، ومن المعروف إن الإنكار أحد أهم آليات الدفاع النفسي الأولية، التي يعتمدها العديد من الأشخاص، لتجنب مواجهة الواقع القائم.

هذا النمط من السلوك الفوقي المدعوم بشعور حقيقي بالتفوق، يشوش على العملية الإدراكية ويُزيف وعي الشخص بواقعه، وهو ما يُسمى ب ( انحياز الإدراك المتأخّر)، والذين يؤثر بشكل مباشر على عملية اتخاذ القرار وتجارب التعلّم، فنحن نتعلم من الأخطاء دائما كبشر طبيعيين، لكن إنكار الأخطاء يجعل من كل التجارب تجارب جديدة، وهذا يؤخر نضج الشخصية وتطورها نحو الأفضل.

في التعامل مع الشخص النرجسي  

من المهم وضع ضوابط صارمة في بيئة العمل لإلزام كل شخص بالمسؤولية عما يقوم به، ومنذ أول تجربة مع وجود شخص نرجسي في بيئة العمل، من الضروري إلزامه بشكل رسمي بتلك الضوابط من خلال وضع عقوبات في حال خرقها، وقد يكون من السهل التعاطي مع الأمر عندما يرتبط بوظيفة معينة لا يريد أن يخسرها، ولاشك سيخضع بالنهاية للضوابط التي تثير حنقه، لكن الأمر الأصعب هو وضع مثل هذه الضوابط بالتعامل الإنساني في الفضاء العام، في العلاقات الإنسانية عامة، كالحب والصداقة ومحيط الأسرة، فالنرجسي يلعب بمشاعر الآخرين بشكل كبير، فكيف يُمكن تجنب العلاقة السامة التي يُفرضها علينا وجود شخص نرجسي في محيطنا؟

  • معرفة الشخصي النرجسي مسألة مهمة، لذلك يجب تحديد سمات الشخصية التي تتعامل معها وأخذها على محمل الجد.
  • معرفة مطالب وحاجات النرجسي وتفهمها، دون التسبب بأذية لنفسك، أو الإضرار بمصالحك.
  • لا تطلب المساعدة من الشخص النرجسي، ولا تستعرض له مشكلاتك، فهو غير قادر على التعاطف معك، ولا يقدم لك أي مساندة، بل قد يستخدم معرفته بمشكلاتك ضدك لتحقيق مكاسب شخصية.
  • تفهمّك للشخص النرجسي قد يتحول إلى شعور بالشفقة حياله، فلا تجعل هذا الشعور يسيطر عليك لدرجة أن تتركه يتحكم بأي أمر يخصك، وعليك وضع الضوابط والحدود لعلاقتك معه، وترك مسافة أمان لشخصيتك.
  • من غير الممكن للنرجسي أن يتفهّم بشكل صحيح العطاء غير المشروط، أو الحب غير المشروط، فاحرص أن تأخذ كما تُعطي، وإلا ستتحول إلى شخص ساذج من وجهة نظره، ويعتبر عطاءك له سذاجة، مما يشجعه على استغلالك بشكل سيء، احرص ألا تكن فريسة هذا الاستغلال تحت أي ظرف.
  • تجنب اللوم والاستنكار والعتب مع الشخص النرجسي، لأن تفكير الشعور بالذنب غائب عنه، وعليك إيجاد صيّغ مناسبة للحديث معه تتجنب خلاله لومه أو عتابه، فهو لا يأبه لهذا أبدا.
  • لا تجادل النرجسي ولا تناقشه في أي أمر قد يحوله إلى جدل عقيم، إلا إذا كنت تمتلك الحجة والبرهان، لأن أغلب النرجسيين يكذبون بشكل مستمر، ويتنكرون للحقائق البديهية.
  • عدم الاستجابة للمواقف الحساسة، كالبذاءة والشتائم وغيرها، فوجود شخص نرجسي في حياتك قد يعرضك للإذلال والشعور بالمهانة لأنه يستخدم هذه الأساليب عادة، لذلك إلزم الحدود وألزمه بها.
  • لا تتعامل مع النرجسي من منطلق محاولتك إسعاده، أو العمل على تطوير حياته للأفضل، لأن النرجسي سيجد في ذلك استحقاق طبيعي له، ولن يعد بإمكانك التقصير والتراجع أمام ردات فعله المُزعجة.
  • إذا كان الشخصي النرجسي شخص مقّرب كالأب والأم والزوج والزوجة، أو أحد الأبناء، وسبب لك سلوك أحدهم أذية، عليك اللجوء للمساعدة من قبل الأصدقاء، الأقارب المقربين..الخ، وإذا كان النرجسي حبيب أو صديق، فأنت متورط بعلاقة سامة لا يُمكن إصلاحها، وعليك إيجاد كل السبل لقطع هذه العلاقة والابتعاد عن النرجسي مع أقل قدر ممكن من الخسائر، لأن استمرار العلاقة سيجعلك تدفع أثمان باهظة، وكلّما استمرت مدة زمنية أطول، كان التخلص من الأمر أسوأ.

* بتصرف، من كتاب ( استراتيجيات التواصل الفعّال في العلاقات الشخصية)، د. خولة حسن الحديد.

*لوحة الغلاف للفنان السوري رفاعي أحمد.

Leave A Comment

You May Also Like