“التفاهة” بين الموقف من الحياة وتسليعها

في روايتة (حفلة التفاهة)، يضع “ميلان كونديرا” القارىء أمام عدة أسئلة: لماذا نستغرب التفاهة إذا كانت تحيط بنا أينما التفتنا؟ أين العقلانية والجدية في كل ما يحدث في هذا العالم؟ ألا يحكم منطق التفاهة هذا العالم؟ فما الذي يستدعي كل هذا الانشغال الجدي بالعالم ؟ وبهذا السياق يأتي في الرواية:

(أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره للأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس للأمام، لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة، ألا نأخذه على محمل الجد).

هل علينا أن نتقبّل التفاهة ونكون جزء منها؟ أو على الأقل نتعايش معها، ونتصالح مع هذا الكم من التفاهة الذي يحيط بنا، ونتعاطى مع الحياة، وأحداث العالم بلامبالاة وخفة، كما ينصحنا “كونديرا” في نهاية الراوية:

(التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود، إنها معنا على الدوام وفي كل مكان، إنها حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الدامية، في أسوأ المصائب، التفاهة يجب أن نحبها، وأن نتعلم حبها).

زمن التفاهة وتسليع مفردات الحياة

تبدو التفاهة التي يتحدث عنها “كونديرا” في روايته المذكورة، على أنها روح الدعابة والمرح، والسخرية من العالم والتخلص من عبء التفكير الجدي تجاه قضاياه، ليس إلا، وهذا ما يظهر الحديث عن التفاهة مختلف كلياً عن توصيفها، فهي – كما طرحها “كونديرا” – ممكن أن تكون موقف شخصي من الحياة، يُجنب الإنسان البؤس والعناء والألم، لكن هذا لا يعني تجاهل العالم، ولا تسليم أنفسنا أسرى للقيم التي باتت تُفرض علينا، وحتى كلام “كونديرا” نفسه يبدو بهذه الصورة:

(ومن أعالي روح الدعابة اللانهائية فقط، يمكنك أن تراقب تحتك غباوة الناس الأبدية، وتضحك منها).

في كتاب (نظام التفاهة)، يُقدم الكندي “آلان دونو” قراءة وتحليل لما هو عليه واقع عالمنا اليوم، وكيف سيطرت التفاهة على كل مناحي الحياة، وكيف تبوأ التافهون أعلى مراكز السلطة، وأُقصي أصحاب الكفاءات العالية ليتصدّر التافهون مواقع التواصل الاجتماعي، والإعلام المرئي والمسموع، وتصدّرت أخبارهم وصورهم الصفحات الأولى للصحف العالمية، فاليوم قد تحصد صورة ل” كيم كرديشان” ملايين المعجبين، بينما لن تربح أو حتى تتجرأ أن تدخل المنافسة معها، صورة أي قضية عالمية علمية كانت أو اجتماعية.

تسليع المعرفة

لعل أخطر ما في زمن التفاهة هذا الذي قُدر لنا أن نعيشه، هو “تسليع المعرفة”، وخضوعها لقوانين السوق الاستهلاكية.

إن إقصاء أصحاب الكفاءات أتاح المجال للأقل كفاءة أو حتى من لا يملكونها من أصحاب رؤوس المال، ووصول هؤلاء إلى السلطة، أدّى إلى تحكمهم بكبرى مراكز البحوث العلمية، وكبرى الجامعات، وأهم وسائل الإعلام ومؤسسات المال أيضاً.

تخضع الجامعات ومراكز البحث لسلطة المال والسياسة، وأصحاب النفوذ الاجتماعي والذي عززته مواقع التواصل الاجتماعي بشكل فج وصارخ، وبطريقة ما سماه “كونديرا” ب ( صخب اللامعنى)، هو تماماً هذا الضجيج الذي يقتحم كل لحظات حياتنا عنوة، ولا راد له، فتراجع الأكاديميون والمتخصصون أمام هذا المد الطاغي والاستبدادي، وأصبحت العقول أسيرة التصورات المفروضة عليها، وخضع الجميع لقيّم السوق، لأن هذه السوق هي التي تمولهم، أو هي ساحة منتجاتهم، حتى أصبحت الشركات والبنوك قادرة على إملاء إرادتها على كل مراكز البحث والتعليم الأكاديمي بكل مراحله وتراتبيته.

لأن خطاب التفاهة يحتاج إلى التبسيط، والسرعة في الإنتاج، والضحالة والسطحية، وظهور كل شيء بمظهر ( التوك شو)، أصبح الخطاب الأكاديمي أقل رصانة، وأقل أصالة، وأقل جودة، لصالح إرضاء قيم السوق، أو حسبما يُقال شعبياً:( الجمهور يريد ذلك)، فانقلبت الأمور كلياً، وعوضاً عن التأثير بالجماهير، وقيادتها نحو الأفضل، أصبح الأكاديمي والمثقف منقاداً لرغبات الجماهير، وينفذ إرادتهم.

ترتبط القيم المعرفية التي سادت مؤسسات التعليم لزمن طويل بالقيم الاجتماعية، والأمر الخطير في تسطيح الخطاب الأكاديمي، وانقياده لقيم السوق والتنافسية الرخيصة القائمة على الربح، وتوفير أكبر قدر ممكن من المال، هو تعميم الانحطاط المجتمعي والأخلاقي والجمالي، لذلك ارتبط نظام التفاهة بشكل وثيق بقيم المجتمع، وطال الانحاط كل القيم المجتمعية في عملية تبادلية تأثراً وتأثيراً مع انهيار القيم الأكاديمية والمعرفية عموماً، وهذا ما تحدّث عنه “آلان دونو” من خلال تركيزه على الثقافة، فالثقافة أحد أهم أدوات وعوامل تكريس وشيوع نظام التفاهة، لأن ثقافة الممولين وقيمهم من شركات وبنوك تكرّس القيم المجتمعية التي تعود عليها بالفائدة والربح، والسلوكات التي تؤدي إلى مزيد من الاستهلاك القائمة عليها كل قيم السوق.

كما أن منتجي الثقافة من فنانين وإعلاميين وكتّاب ومبدعين في مختلف المجالات، لم يعد بإمكانهم العمل إلا وفق هذا النظام، وكل نقد يتم توجيهه لأي منتج وفقه، يتم كبته بسبُلٍ مختلفة، أبرزها شراء صمت النقاد وتكميم الأفواه، أو إشراكهم في عملية الإنتاج ذاتها، وإلا سيجدون أنفسهم عاطلين عن العمل، مما أدى إلى فراغ نقدي كبير، فكثرت المطبوعات والأفلام، ومنصات عرض المحتوى التي وفرتها مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يكون لكثير منها قيمة تُذكر، وهذا ما هو بادي للعيان في الأوساط الثقافية العربية، من كثرة أعداد الشعراء والروائيين وصناع المحتوى على الشبكات الاجتماعية المختلفة، وكل ذلك ليس إلا وجه من وجوه تسليع المعرفة عموماً، وتراجع قيمتها الحقيقية من حيث تأثيرها الإيجابي في المجتمع.

* د.خولة حسن الحديد

*لوحة الغلاف للفنان البريطاني فرانسيس بيكون (28 أكتوبر 1909 – 28 ابريل 1992).

4 thoughts on ““التفاهة” بين الموقف من الحياة وتسليعها

  1. Hussam Al din al mustafa

    رائعه وواقعي جداً .. تسلم إيدك منارة الثقافة العربية السورية الرائدة د. خولة

    1. kmarabia

      kmarabia

      شكرا حسام.

  2. Moheidy

    مقال رائع ..
    اطيب تحياتي لك

    1. kmarabia

      kmarabia

      شكرا دكتور

Leave A Comment

You May Also Like