فن القصة السورية منذ التسعينيات حتى اليوم؟

قيل: (إن كل فن لايفيد علما…لايعوّل عليه)، فما مدى تمثّل فن القصة السورية لهذه المقولة؟

تمثل تجربة القصّ السورية منذ الثلاثينات، مع صدور أول مجموعة قصصية توفر فيها خصائص القص بمعناه الفني، وهي “ربيع وخريف” للكاتب علي خلقي، إلى الآن علامة مميزة في تجربة القص العربية، لاستجابتها الدائمة للحراك الفني الجمالي للجنس القصصي، ولإنجازات النقد وتحولات النظرية الأدبية من جهة، ولمحاولات مبدعيها الدؤوبة التأصيل لكتابة قصصية يكاد يكون لها ملامحها الخاصة بها من جهة أخرى، ومن ثم تابع عدد غير قليل من الأصوات، التي شكّلت علامة فارقة في مسار القص السوري في الكتابة والنشر حتى عقد التسعينات، أمثال عبد السلام العجيلي، وزكريا تامر، وحنا مينا، وسعيد حورانية، وبديع حقي، وأصوات أخرى جديدة تمكّن عدد منها من حيازة مكانة بارزة في المشهد القصصي العربي عامة.

في توصيف واقع القصة السورية

تعاني القصة السورية منذ أواخر التسعينات حتى اليوم، من ضعف مريع في تكوينها الفني والإبداعي، ومن سطحية في لغتها، وموضوعاتها، وهذا يعود إلى ضعف المكونات الثقافية، واللغوية، والفنية، والجمالية، لكثير من صناع القصة، الذين تقدموا نحو الساحة الأدبية والثقافية، خالين من أدوات القصّ وتقنياته الابداعية.

ساعد على تفشي تلك الظاهرة من المجموعات القصصية ذات المستويات والكفاءات المتباينة، دور النشر الخاصة الأقرب للمطابع منها لدور نشر، التي ساهمت بنشر تلك المجموعات على نفقة كتابها، خارج إطار وزارة الثقافة أو دور النشر الرسمية المعتمدة، وعلى وجه الخصوص تلك المجموعات التي تمت طباعتها بوساطة ” الريزو”، الذي شاع العمل به في سنوات التسعينيات خاصة، إضافة إلى ما صدر من مجموعات قصصية لعدد من الكتاب الذين يقيمون خارج وطنهم الأم سورية.

يُضاف لتلك الظاهرة، الإنتاج القصصي المنشور في الصحف والمجلات، وما يتمتع به من قابلية للتعديل،والتحوير، والحذف والاضافة، وعدم خضوع تلك الإصدارات للدراسة أو النقد، بعد أن توقفت غالبية تلك الدراسات، والتي لعبت دوراً هاماً في رعاية واحتضان التجربة القصصية السورية عند نهاية الثمانينيات.

مع تلك الأسباب تحولت مسيرة القصة السورية من نهجها الأول، نحو انزلاقات افتقدت فيها دورها الفكري والثقافي، وتم تفعيل دورها التجاري، على حساب الدور التنويري الريادي، باستثناء بعض دور النشر التي لعبت دوراً بالتعريف ببعض الأصوات القصصية الهامة، قبل التسعينيات كدار “الأهالي”.

تشير الإحصاءات إلى أن التجربة القصصية السورية في السنة الأخيرة من التسعينيات، بلغت مايساوي مجموع ماصدر من إنتاج خلال ستة عقود، فقد صدر مابين عامي 1990_199 م

مايزيد عن خمسمئة وتسع وعشرين مجموعة قصصية، لنحو مئتين وخمسين قاص وقاصة، أي بمعدل ثلاث وخمسين مجموعة كل سنة، ومجموعة كل سبعة أيام !!

  بلغت هذه الظاهرة حدها الأقصى في السنة الأخيره من التسعينيات، التي شهدت وحدها صدور نحو ست وسبعين مجموعة، أي مجموعة كل أربعة أيام تقريباً !!، هذا ما أدى إلى غلبة الكم على الكيف المنتج، مع توجه أولئك الكتاب نحو الكتابة القصصية كنوع من التمرين على كتابة الرواية، كون القصة لاتتطلب شروطاً جمالية كالتي تتطلبها الرواية، وظنا منهم أنهم امتلكوا جواز المرور نحو الرواية، لذا ولدت تلك التجارب الروائية كسيحة، لم يكترث بها الواقع الأدبي، ولم يتسنّ لها مغادرة البقعة الجغرافية التي صدرت منها.

ومن أهم الأسباب التي ساعدت على غلبة الكم على الكيف القصصي السوري، اختفاء النقد الصادر عن كفاءة معرفية بإنجازات النقد، وغلبة المراجعات الصحفية التي لاتمت للنقد بصلة، وتواضع الكفاءات لأعضاء لجان القراءة في وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب، مما أدّى إلى توهم كثير من هؤلاء الكتاب، أنهم مبدعون حقاً، كما ساهمت تقنيات الإعلام المعاصرة في تهميش وتدمير ظاهرة القراءة.

لايُمثل عقد التسعينات وما بعده الخط البياني لتجربة القصّ السوري فقط، بل ما بلغته هذه التجربة نفسها من ارتفاع مستوى حضور القص النسوي أيضاً، الذي بلغ في التسعينيات اثنتين وخمسين قاصّة، أصدرن مايزيد على مئة مجموعة، صدرت عن دور النشر الخاصة، بينما لم يتجاوز عدد كاتبات القصة حتى نهاية الثمانينيات ست وعشرين قاصّة.

 مما شهده هذا العقد أيضاً، ظاهرة التجارب المشتركة، وذلك باشتراك قاصين أو أكثر في إنجاز نص مشترك، كان يبدأ أحدهم كتابة نص ما، ثم ينصرف عنه لأسباب مختلفة، فيحيل إنجازه إلى قاصّ آخر، وهنالك مجموعات قصصية مشتركة تتضمن نتاج عدد من كتاب القصة الشباب، في جزء محدد من الجغرافية السورية.

واستهل آخرون بناء نصوصهم على نتاج قصصي سابق لكتاب آخرين، ينتمون إلى جنسيات مختلفة، بطريقة التناص، وهنا يكون مصدر الأدب هو الأدب نفسه.

كما ظهرت في سورية منذ التسعينات إلى مابعد الألفية الثانية، مايوصف بحمى ال”ق.ق ج” أو القصة القصيرة جداً، التي استقطبت المواهب الجديدة، التي لم يتشكل لديها رصيد معرفي كافّ بالجنس الجذر، أو غيره من الأجناس الأدبية الأخرى، وبمعنى الإبداع ووظائفه من جهة ثانية.تفشت تلك الظاهرة بنسب متفاوتة، وعوامل مختلفة،ومضادات فنية متباينة مابين فريقين، منهم من اختار بث أجزاء من تجاربه في هذا المجال، واختار آخرون إنجاز مجموعة أو أكثر، كرّست نصوصها كافة لذلك الشكل وحده، وننوه إلى أن عدد كتاب القصة القصيرة جداً من أبناء سورية قبل التسعينيات، لم يكن يتجاوز أصابع اليدين، مالبثت أن تجاوزت إلى أكثر من مئة قاصّ وقاصّة في نهاية التسعينيات، وهذا ان دلّ فإنما يدل على أن هؤلاء تقدموا نحو ساحة الأدب بغاية الظهور، ومحاولة امتطاء الموجة فقط، لا لغاية فكرية وأدبية، ولم تتمكن تلك الظاهرة من تأسيس جمالية تجعل منها جنساً أدبياً، ينبثق من أي شكل من أشكال الموروث الأدبي العربي.

دور القصة في الفضاء العام للمجتمع

لابد أن يراودنا التساؤل من جديد:  أين يكمن دور القصة بمفهومه العام؟ حيث أن القصة ليست فكراً مجرداً، أو وجهة نظر وحدها، وهي أيضا ليست الموقف الفكري للقاصّ معزولاً، بل هي جميع تلك العناصر، عندما يتمكن المبدع من تحويلها إلى مزيج فني، وفكري متجانس، يعكس تكوين الكاتب الثقافي، والاجتماعي، وخبراته الجمالية في الخلق والتذوق، ومدى تجاوبه أو رفضه للمجتمع، ذلك بالانغمار فيه، والتفاعل معه تفاعلاً داخلياً، مشكّلا تجربته الخاصة، الناتجه من عذاب المعاناة، وألم الخبرة، والمعرفة، ولا يمكن لصلة الكاتب أن تكون بهذا المستوى إلا إذا كان مسكوناً برؤيا تتيح له تمثل العالم، فيكون النص لا الكاتب هو الهدف الأساسي، والتشكيل لا الذات هو من أنتج ذاك النص، باعتبار الكاتب هو الرائي…. المبدع….وخالق الموضوع.

إن ما نبه إليه معظم النقاد طوال التاريخ يختزله “محمد يوسف نجم” بقوله: (إن الموضوع ليس كل شيء في القصة، إذ أن الموضوعات ملقاة على قارعة الطريق، يلتقطها الكاتب المبتدئ، والكاتب الذي استحصدت ملكته، وإنما المهم هو طريقة الكاتب في علاج موضوعه وتجليته).

وانطلاقا من أطروحة “ابن عربي القائلة”: (إن كل فن لايفيد علما لايعوّل عليه).

المراجع:

*القصة القصيرة في سورية “قصّ التسعينيات”، د. نضال صالح، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 2005م.

*بقلم: سلام شربجي، كاتبة سورية.

Leave A Comment

You May Also Like