عصر التفاهة والانهيار الإنساني المُريع

يتهافت الأصحاب للاحتفاء برواية صديقٍ أديب، أو ديوان شعر ولوحة ولحن – غِبطةً وافتخار أو نفاقا اجتماعياً ، تزلفاً ورياء وتسلّق ظاهرة، أو خوفاً من مجهول يجتاح الحياة، وبالتالي المكانة، دون أن ينتبهوا لارتكابهم تهرّب خفيٍّ لاواعي، فنحن نُشيحُ بوجوهنا عن منزلق نحو وحول التفاهة والانحطاط، عمّا عهدته البشرية عبر تراكمها: والجميع منحدرون صاغرون .

 هلعون نحنُ أمام ذوبان جبال الوجود الثلجية، الناصعة تحت شمس التفاهة، وهناك لهاث لالتقاط اضوائها الطارئة، وهي ككتلة النار تهرسنا .

المفكر، الأديب، والفنان، يفقدون المكانة والاهتمام ، فيما يناله بلا تكلّف وجهد تراكمي صبيان الطفرة التقنية الهائلة (أغلبنا يتسوّل اللايكات والظهور بما تفوح به روحه الكسيرة !؟ ألا يشعر المثقف الحقيقي بالصدمة والخزيّ، حين يكتشف أن الناس تهتمّ لعاهرةٍ شبقة أكثر مما تهتم بالأدب والمنطق والفنون!؟ ) ، في زمنٍ صار للسماسرة والنخاسين أبلغ الأدوات والتمكين، لإسدال الستار على الإنجازات النوعية ،والتوغل الوقح لتسويق التفاهة، والسعي الحثيث لطمس الجمال والفضيلة !؟

 لا كثيرَ يهتم، أو يقرأ ويتعمّق لتفكيكِ مصائب البشرية النائمة تحت رماد الاستلاب الثقافي والأخلاقي : والرياح تعصف، وتفتق علينا كل جهات العبث، والتعريّة والحَتّ  .

يبدو وراء التلال الزرقاء مهندسو هدّ وترحيل،  يطوفون حول أبنيتها ويتفحّصون أساساتها وأعمدة ارتكازها، ليجدوا أضعف ثغرات البناء ليُلغّموا قواعده العتيقة وينسفوه، فالأبنية الجديدة لا تحتاج لقواعد و جسور، وأعمدة وأسقف، وشرفات …

العوالم الجديدة  المخطط لها، وهمية، هشّة، وافتراضيّة، وتتغير لحظيّاً بلا مبررات أو داعِ ، بلا أخلاق وقيم عهدناها، وحشيّة، لا هدف لها سوى المال، والمال والصدارة، والسطوة والمتعة الزائفة، المتغيرة بشكل شاذّ، مرعبٍ وقبيح .

هل هو نكوصٌ للبدائية الأولى !؟ وعصر التقاط الثمار السائبة، والصيد والقتل لأجل تفاحة، أو فريسة أو التمتّع بالجنس العبثي والشاذّ بلا كفاءة، أو ارتباط روحي !؟

أليس هذا عصر إلغاء الخصوصيات والملكيات، وتحويل البشرية لقطيع ضمن سياج التحكّم، وإطلاق كل غيلان البهيمية، والاستهتار داخل الأسوار !؟

البشرية تتأرجح دائخة، وتطاردها كل غيلان ووحوش مشاريع التتفيه، وقد صار للتفاهة نوادٍ و منظمات دولية ، مؤتمرات ومهرجانات دوريّة :

بنوكٌ فيزيولوجيّة تنتقي حيوانات منويّة لمشاهر التفاهة، لتلقيح أي أنثى مهووسة بقشور التميّز، لا يعنيها نسبٌ أو ارتباط روحي حميم، وغفلت لجهلها أن المبدعين المميزين من لاعبي كرة قدم، أو موسيقيين، أو مبدعين راكموا إبداعهم ومهاراتهم بالسعي والتعلّم والمِران، إذ لا تحمل جينات اي بشرٍ ما يميّزها عن البقية، إنّما هو الإنجاز الشخصيّ المحض، بتوفر الطموح والمثابرة، والرعاية و البيئة المناسبة.

 تأملوا مسابقات أطول سيخ كباب! وأكبر جاط تبّولة! أوحبة كبّة وصندويشة فلافل! وأجمل ديكٍ ودجاجة، أجمل بعيرٍ وناقة! أنفشُ قطّةٍ وهارونٌ مُعدّلٌ جينياً ليكونَ شبقاً في كل أيام السنة، حتى أن شباط الماضي كان يبكي وحيداً في الأزقة المعتمة، لا تؤنسُ نهاراته المتقلبّة مواء القطط اللائذة بجدار، أو وراء شجرة يشهران فحولة الطبيعة الفطرية.

نصفّقُ لأسرعِ كلبٍ سلوقي مثقفّ، يصطاد من مصائب البشرية طرائداً للصيّاد، وينال عظمة جرداء كمكافأة، ويطوّقهُ بإسوارة تكريم بها شريحة تحمل بياناتهُ، نتبارى بأجمل تسريحة شعر ، وأنفخُ شفايف، أو صدرٍ ومؤخّرة!؟

تتلقى البشرية جمعاء منذ قرن منصرمٍ :

 الإهانة تلو الإهانة، صار الإنسان سلعة مُستنسخةً، رخيصة مطواعة، سليب الإرادة، وعلى فقراء هذه الأرض أن يسددوا فاتورة كل هذه التفاهة، والثمن باهظٌ، مرعب، قذر لم تعد الحياة تحتملُ وطأتهُ ونتائجه.

السعي الأهم صار للمظاهر الزائفة، للمتعة الغريبة، للمال، وأغلب الساعي رخيص مبتذل بلا قيم.

المال قذر، والطرائق قذرة، والنتائج مكبُّ نفايات ستبتلع تراكم الإنساني، وجراح الإنسان الجائع المهشّم فاغرة، يحشونها بالوعود الكاذبة، والوهم، ويخيّطوها بلا تخدير.

سيقول يساريٌ حصيف مخمورٌ بنبيذ السلطة الرخيص :

 العلّة بالرأسمالية، وتغولها الذي لن يوقفه سوى شيوعية ستالين وبول بوت وماو وسونغ وخوجة والأسد:  الرحيمة الحنون !؟ 

سيقول متأسلم انتهازيٌ، وضيع، يسرق بيسرااه من لقمة الجياع، ما لا تدري به يُمناه، ويتصيّد مناسفَ المصائب ليقتات فتات، وفضلات ولائم الأعداء :

 لأننا ابتعدنا عن الله وتقواه !؟

أي شيوعيّة ودين يا …. أنت، هو، هي، وهن وهم !؟

لا مشروع حقيقي تفكيكي، أخلاقي، وإنساني يرتكز على تراكمنا وتضحياتنا، يتصدى له الشرفاء المنتسبون للإنسان والثقافة والأوطان، فكل ما لدينا حتى الآن:

امتهانٌ للإنسان والأوطان،  لاحدود له، تشيّئٌ تافه للحياة، واستثمار قذر في الويلات، وتجذيرٌ للانحلال والتفسّخ الأخلاقي، والتفاهة .

*بقلم: محمد صالح عويد/ أديب سوري من مدينة القامشلي، مقيم في أوربا.

*الأعمل الفنية للفنان العراقي: علي عبد الرزاق.

Leave A Comment

You May Also Like