شذرات: العيش في الاحتمالات بين المتعة و الألم …

لطالما كنت أقول، و قد كتبتها مرارا :” إياك أن تعيش في الاحتمالات”، وذلك بسبب ما يحمله هذا النمط من العيش من قلق و وجع دائم، ومع الاحتمالات يبدو إدراك الحاضر – خاصة اللحظات الجميلة منه – صعباً تماماً، ولربما مُستحيلة، لا نستطيع الشعور بهذه اللحظات واستيعابها وتقديرها إلا بعد أن تنتهي تماماً.

ألم التعايش مع الاحتمال

إن أكثر ما يدمر  اللحظة الراهنة التي يعيشها الإنسان هو القلق الدائم، فاللحظة الراهنة غالباً ما تحمل احتمالات لا حصر لها، وبعض هذه الاحتمالات قبيح جداً، فنجد أنفسنا غارقة فيها باستمرار، ولا فكاك منها أبدا، ونفيس كل شيء يحدث في حياتنا من خلالها، في العمل، في الدراسة، في الحب، فمُذ كنا أطفالاً ومراهقين كنا نختبر قدرة مشاعرنا على تجاوز اشتراطات الواقع بالاحتمالات، فمن منا لم يحمل زهرة ما و بعثر بتلاتها وهو يسأل ” تحبني أو لا تحبني / يحبني أو لا يحبني / سأنجح – سأرسب ..الخ ..”.

قدلا يحدث شيء، أو يحدث القليل جداً من تلك الاحتمالات، وننسى بعد ذلك القلق، ثم نبدأ بتوظيفه في حاضر جديد، وكل شي يسهم في ذلك حتى أجسادنا أيضاً تسهم في تغييبنا عن الحاضر، فلها ناموسها وتقلباتها المفاجئة، فربما نشعر بالتعب أو الضعف في اللحظة التي يطالبنا فيها الموقف من حولنا بالثقة والقوة، أو العكس .

العقل عميق و فوضوي أحياناً، وأمام الانفعال الشديد، ليس لديه إلا القليل جداً ليفعله مع تفاصيل الواقع الماثلة أمام أعيننا، وتُهيء كل شيء فينا لمزيد من الانفعال، و تعطي كل المبررات له ، وبهذا  نظهر بمظهر المتغيبين عن اللحظة التي نكون فيها، إن ما نحتاجه هو أن نكون متصالحين مع هذه الطريقة الغريبة التي نتعامل بها مع العالم.

متعة الاحتمالات

الاحتمالات مُجدية لتخفيف الانفعال، بالدرجة ذاتها التي تعمل على تصعيده أحياناً، فالمتعة بامتلاك خيارات عدة للتأويل والتفسير تُخفف الكثير من حدة انفعالنا تجاه الأشياء والأمور والقضايا التي في متناول أيدينا،، و يشطح خيالنا بخلق احتمالات عدة ليمنحنا الصبر على الانتظار المُميت، ومع الخيال نشعر بأننا نمسك بزمام الأمور ونحصل على شيء من التوازن، فمجرد تخيلك لأمر ما في خيالك هو بحد ذاته خيار ….خيار مجاني، ممنوح للجميع كهبة ربانية، ولربما خيار الخيال هو الوحيد الذي يساعدنا على العيش، وعدم التفكير بالعزلة النهائية، أو حتى الانتحار.

أن تكون لا شيء !

بإمكانك أن تتخيل كل شيء، وأي شيء لأنك “لاشيء” ..

 يقول الكاتب البرتغالي  “فرناندوا بيسوا”  في كتابه (اللاطمأنينة ):

(لو كنت شيئاً لما كان أمامي خيار تخيل نفسي شيئاً آخر، مساعد الحسابات بإمكانه أن يتخيل نفسه امبراطوراً رومانياً، بينما ملك انكلترا لا يُمكنه ذلك، ومحرم عليه حتى في الأحلام أن يكون ملكاً آخر مختلف عن الملك الذي هو إياه، … الواقع لا يترك له مجالاً للإحساس ).

ما نسميه استقرار أحياناً، و نحسد الآخرين عليه، قد يكون جحيماً من الملل و الرتابة.

 أفكر أحيانا في الجيران والمعارف الذين أصدفهم، وزملاء العمل و الدراسة، والذين لربما كثر يحسدونهم على الاستقرار الذي هم فيه، و لكن لا أتخيل نفسي لحظة واحدة غارقة في الرتابة، والملل، والروتينية التي يعيشون فيها.

 وأندهش من مظاهر السعادة التي يبديها هؤلاء وتظهر على محياهم ، وأغبطهم على كل ذاك الشعور بالرضا، وكل ما في الأمر أن هؤلاء يفكرون بطريقة مختلفة عن طريقة تفكيري وتفكير أمثالي، ويجدون سعادة بالغة في أمور لا تعني لي شيئاً، كامتلاك سيارة جديدة مثلا،  بينما أتمسك بسيارتي القديمة وأجد بيني وبينها علاقة ودّ ودفء،  وكأنها كائن حي، لن أتغير وسأبقى شخص آخر، وهم كذلك، سيبقون يقيسون حياتهم بمقياس الأمر الواقع، وأقيس حياتي بما يهبه لي الخيال من هبات، قلق دائم… من احتمالات.

في الرتابة حكمة أيضاً …

استعد دائما للفقدان ..

في بداية أي علاقة بالعمل، الحب، الصداقة المهمة بالنسبة لنا، نغرق أنفسنا بالاحتمالات، و تتسلط على نفوسنا غريزة التملك، ومخافة الفقد، ونتمسك بأشياء ربما لا تكون لنا من البداية ، وكل ما فيها يقول لنا ذلك، و نبرر استمرارنا فيها و معها بألف مبرر، و من ثم نسقط في البئر الذي لا نريده، ونستيقظ فجأة بعد أن لبسناها و تلبستنا، إذ نجد أنفسنا عُراة منها، هذه اللحظات بالتحديد تنقذنا منه  “الاحتمالات”….

و ينقذنا تفكيرنا ذاك، والذي طالما اعتبره الآخرون العقلانيون ” جنونا” ….

أعتبر الجنون نعمة إلهية في مثل هكذا لحظات !

مرة أخرى “بيسوا” يقول:

(الحكيم هو الذي يُضفي الرتابة على الوجود، حيث يكتسب كل حادث مهما صغر شأنه ميزة ” الأعجوبة”، حيث أنه بعد الأسد الثالث تفقد مغامرة صياد الأسود كل إثارتها)…

حتى مصادفة أشياء جديدة بتكرار يومي تصبح أيضا نوعا من الرتابة، لهذا نشعر أحياناً أنا كل شي عبارة عن ” كذبة”، و كأننا نعيش في سلسلة من الأحلام التي تتناوب ما بين الجمال والهدوء، وما بين الكوابيس المُرعبة.

يقول “كازانتزاكيس” في (تصوف):

(أنا سلة مليئة باللحم والعظم والدم و الدموع، و والعرق والرغبات و الرؤى… أعدو للحظة في الريح .. أتنفس ..يخفق قلبي .. يُضيء عقلي ..وفجأة تنفتح الأرض و أضيع،..قوى لا تُحصى ، مرئية وخفية ، تفرح وتتبعني حين أتقدم بمشقة عكس التيار الأعظم.. قوى لا تُحصى..مرئية وخفية ..تهدأ و تسكن حين أتراجع للوراء.. هابطاً عائداً إلى التراب .. ينهمر قلبي .. لا أطلب بداية العالم ولا نهايته …أتبع إيقاع قلبي الرهيب و أذهب …لهذا ألقِ التحية على الأشياء كلها في كل لحظة .. أرسل نظرك بتؤدة و وله …ثم قل : الوداع!)

*د.خولة حسن الحديد

*الأعمال الفنية للفنان الفرنسي جورج براك – أحد رواد التكعيبية – ( 1882- 1963م).

4 thoughts on “شذرات: العيش في الاحتمالات بين المتعة و الألم …

  1. Rami

    جميلة جداً!

    1. kmarabia

      kmarabia

      شكرا رامي. كلك ذوق. يسرني أنها نالت إعجابك.

  2. Mhmoud

    اللاشيء هو أمر نجهله إما كلياً أو جزئياً فيكون خارج التصنيفات المتداولة_ لاشيء. الإنسان يخاف التعامل مع المجهول بطبعه، فيذهب أحياناً لتعريف هذا المجهول وتحويله لشيء، في هذه المحاولة يعتقد أنه سيفتح صندوق الإحتمالات، ولأن الخلل حدث بدايةً بتعريف المجهول باعتباطية وجهل، فإنه غالباً سيختلط عليه الأمر ويطرح أمامه الأمنيات لا الإحتمالات، فتكون الصدمات أعمق.

    1. kmarabia

      kmarabia

      أعتقد يوجد فرق نوعي وجوهري بين الاحتمال والأمنية. تحياتي محمود

Leave A Comment

You May Also Like