في القطار…. قصة للكاتب السوري معبد الحسون

معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

لم يبقَ إلا دقائق فقط ليتحرك القطار ويغادر محطته مسافراً. المقاعد الأمامية الأربعة في المقطورة 17 بقيت خالية من الركاب، وخلفها مباشرة جلس الأستاذ، وهو رجل أنيق في منتصف العمر، يبدو بأنه أستاذٌ محامٍ، وقد أسند فوقه، في الرف المخصص للحقائب والأمتعة، حقيبتين يدويتين، إلى جانبه مباشرة، وعلى نفس المقعد المزدوج داخل المقطورة، تهاوت كالميتة امرأةٌ مسنة عليها سيماء المرض والتعب الشديد، منظرها العام يشيع إحساساً عاماً مجهول التفسير، بأنها قد تكون قادمة من الريف البعيد.

على المقعدين الموازيين، في صف المقاعد الذي شغله الأستاذ المحامي والسيدة المريضة، جلست فتاتان في ريعان الفتوة والشباب، لا توحي أعمارهما بأنهما قد تجاوزتا الثالثة والعشرين من السنين، وليس واضحاً إن كانت الصدفة وحدها قد جمعتهما، أم أنهما شقيقتان أو قريبتان، كما لا يصعب على الناظر المدقق فيهما، ملاحظة مقدار العناية بزينتيهما، وبكثرة المكياج والإسراف في الزينة التي لفتت أنظار وإعجاب كل الحاضرين في المقصورة، من فرط العناية المبالغة بالشعر والبشرة والرمشين والثياب الفاقعة المنظر.

خلف المحامي والمرأة المريضة مباشرة، الصق شابٌ في حدود الخامسة والعشرين، وجهه بزجاج شباك المقعد، بدا مأخوذاً ومنصرفاً بالكلية عما حوله وهو يتأمل كل تفاصيل بناء المحطة من مكانه، كأنه يفكر أن يرسمه في لوحة فنية مستقبلاً، وإلى جانبه، لصق الممر الفاصل بين المقاعد، كان ثمة رجل يكبره بسنوات، رجل عجوزٌ من أولئك الأشخاص العابرين، الذين لا يتركون أي تفصيل أو شيء يُذَكِّر بهم، أو يُفْطَنُ إليه في مخايل الذاكرة. باستثناء قبعة “كاسكيت” غالية الثمن، ذات حبك صوفي يوشيها من جوانبها، وحركات مخصوصة يبدو أنه طالما تدرب عليها طويلاً، لكي يفطن الآخرون إلى أهميته ومكانته. 

أطلق القطار صافرته الطويلة التي تصمُّ الأسماع، وبدأ بالتحرك ومغادرة المحطة. وسرعان ما انفجر صوت الأستاذ المحامي، وهو يهبُّ واقفاً في مقعده، بينما راح يتفقد أغراضه في حقيبته الصغيرة البادية الفخامة: 

ــ يا للهول والكارثة.. لقد سُرِقت.. سُرِقَتْ الأوراق مني.. أوراق القضية..

تداعى أكثر من صوت من جهات عدة يسأل، وقد بهتتهم المفاجأة غير المتوقعة:

ــ سُرِقْت؟

قال المحامي باحتقان غاضب:

ــ هذا ما يبدو لي واضحاً الآن.

تساءل بعضهم:

ــ لعلك فقدتها في المحطة قبل أن تصعد القطار.

وأكد بعض الموجودين في المقطورة:

ــ صحيح.. قد تكون صعدت القطار بدونها..؟

هز المحامي رأسه بتصميم الواثق:

ــ الأوراق كانت محقبة بعناية في حقيبتي هذه، وقد تفقدتُها قبل صعودي القطار بثوانٍ قليلة..

في الصف الآخر، المقابل للمحامي والشاب، وراء الشابتين، جلس رجل اعتمر بعمامة، تشبه عمامة رجل دين أو طالب علم شرعي، وقد احتل ذلك المقعد لوحده، فيما فصل مقعدين فارغين بينه وبين الفتاتين الشابتين، وخلفه انتحى رجلٌ مريضٌ مصدور، ظل يسعل طوال الوقت، وحشرجات تتصاعد من صدره أثارت بعض القلق والضيق في جميع ركاب المقطورة 17.

رجع المحامي يجيب عن تساؤلات الركاب:

ــ لقد تم اختلاسُها مني هنا، في هذه المقطورة منذ هنيهة.

ــ ماذا تعني؟

ــ أعني ما فهمتم تماماً.

ــ الأمل أن لا تكون تلك الأوراق على قدر من الخطورة والأهمية.

ــ بل هي كذلك.. إنها تساوي الحياة نفسها بالنسبة إليّ.. إنها أملي ومستقبلي.

ــ أليس ممكناً الحصولُ على مثلها أو استخراج صور عنها؟

ــ مستحيل.

ــ هذا مشوق جداً.. كأننا نحضر فيلماً بوليسياً من أفلام الألغاز والإثارة.

ــ لا تتظارف وتمزح.. يجب استدعاء الشرطة وفتح تحقيق فوراً قبل أن يغادر أي شخص في هذه المقطورة، الأوراق تعني لي مستقبلي وأملي في هذه الحياة.

قال أحدهم:

ــ ماذا تريد منا؟ هل تخطط لأن تفتش أمتعتنا مثلاً؟

وتدخل آخر:

ــ هل تتهمُ أحدنا؟

ونوه الثالث قائلاً:

ــ تأكد جيداً من أمتعتك يا أستاذ.. ألا يجوز أن تكون متوهماً أمرَ السرقة؟

فكرر المحامي هزاتِ رأسه الآسفة، والمصممة بتوحش على قرار لم يتضح ما هو:

ــ الأمر بات واضحاً كوضوح شمس النهار.. السارق لا يريدني أن أنال شرف المرافعة والدفاع في هذه القضية بالذات.. إنها محاولته اليائسة والأخيرة لمنعي من الترافع والتصدي لـ……..

ــ ولكن ماهي هذه القضية؟

ــ ليس من شأني أن أفسر لك، وليس من حقك أن تسأل.

ــ احمدْ الله أنك لم تفقد أموالاً ولا ذهباً.. الورق شأنه هيّن.

ــ أنت مخطئ.. هذه الأوراق أثمن من الأموال والذهب، وكل ثروة الدنيا.

ــ إنك تزيدنا تشويقاً.. هل هنالك أوراق أثمن من الثروة والمال؟

قال الأستاذ المحامي بلهجة توشك أن تكون آمرة للجميع:

ــ الرأي الصائب أن لا نضيع الوقت، وأن ننادي على “السيكوريتي”، والشرطة المكلفة بأمن القطار لفتح تحقيق مباشرةً.. والرجاء من الجميع عدم ترك مقاعدهم لمن يتوخى أن لا يقع تحت الشبهة.

ــ هل تريد احتجازنا في مقاعدنا يا رجل؟

فَسَّرَ المحامي:

ــ لا يجب تغيير أي شيء في مسرح الجريمة.

في المقعد الأخير من المقطورة، كان ثمة رجلٌ وحيد قد اعتزل الناس جميعاً، كما يلوح من مجلسه البعيد، ولقد تعمد عن قصد أن يتمدد فيه عند المقاعد الخلفية أقصى المقطورة، بدا منهمكاً في تدوين كتابة بعض السطور على أوراق أمامه، وقد أخذت منه كل مجامع اهتمامه بما يجري حوله، فلا يبدو مكترثاً بكل ما في المقطورة، ولا بمن فيها.

ظهرت بعض أصوات المسافرين مسرفة قليلاً في الاهتمام بما حدث، وراح الجميع يتأول محاولين فهم ما جرى بالضبط، وكل احتمال قد يكون غاب عن اهتمامهم، فتساءلت إحدى الفتاتين: 

ــ مسرح الجريمة؟ الحكاية بدأت تكبر إذن..

وقالت الثانية، وهي تمضغ علكة بعصبية وانزعاج غير خافٍ:

ــ هل أصبحت مقطورة سفرنا اسمها مسرح الجريمة.. يا لحظنا..!

فأيدت الفتاة الأولى موقف رفيقتها، وهي تجهر بالرأي:

ــ لاحظ أنك رجل قانون تتهم مواطنين شرفاء لهم سمعتهم ومكانتهم.

بينما قالت الفتاة الثانية بتحدٍ وقِحّة:

ــ إنك تهيننا بوضعنا موضع المشتبهين، وتحطُّ من سمعتنا وكرامتنا.

لم تتغير نبرة صوت المحامي، ظل راسخاً عنيداً، وكما اعتاد دائماً على خوض غمرة مثل هكذا مواقف، وأضاف كمن يلقي شروحاً على طلاب يتلقون تعليمهم لأول مرة: 

ــ الإجراءات المتبعة في مثل هذه الأحوال لا مندوحة عنها، لذلك أقول: نادوا الشرطة.. نادوا الشرطة..

فتدخل شاب ذو ملامح شديدة السمرة. يوحي مظهره وصوته وسحنته الأفريقية، وكأنه سائح أو أنه يزور البلد لأول مرة:

ــ لا تتسرعوا بإقحام الشرطة في الأمر، فقد يتبين أن الرجل كان متوهماً ولم يفقد شيئاً.

رجع المحامي يؤكد بثقة:

ــ بل سُرِقْت.. اختُلِسَت كلُّ أوراق القضية منذ لحظات لا أكثر.

قال العجوز الذي يرتدي قبعة “الكاسكيت”، الواثق من نفسه جداً، وبلهجة لا تخلو من الاستعلاء واحتقار كل ما يجري:

ــ هل شككت بأحدنا؟ هل رابك شيءٌ من أحد الركاب؟

وقف سائر الركاب في أماكنهم، وقد نهضوا دون سبب إلا بدافع التوتر والاهتمام بالحادث غير المتوقع، وراحوا يتجمعون قريباً من مقعد الأستاذ المحامي، بينما ظل المحامي ينادي عليهم:

ــ لا تقتربوا مني حيث أجلس.. يجب أن لا نعبث بمسرح الجريمة.. وابقوا في أماكنكم ريثما تحضر الشرطة.

خلف مقعد المحامي بثلاثة صفوف جلست امرأة أربعينية السن، على قسط من جمال وافر، لم تنل السنون والعمر المتقدم من حظها من الجمال، كانت هذه المرأة قد اعتزلت عن التدخل فيما يحدث في المقطورة، فلم تشارك القوم في جدالهم وسجالهم. لكنها فجأة هبت دون سابق إنذار، وصرخت بارتياع:

ــ يا للكارثة .. لقد سُرِقْت.. سُرقَتْ نقودي كلها من محفظتي.

ــ ماذا تقولين يا امرأة؟

ــ سرقَ أحدُهم مالي من محفظتي للتو.

وجعلت المرأة تتخبط في حركات عصبية، توحي بوشك انهيار عصبي مصحوب بنشيج مختنق.

هتف أحدهم:

ــ هذا يعني أن السرقة حقيقية وليست وهماً كما حسبنا.

تدخل المحامي بالتعليق على المتحدث:

ــ لم يقل أحدٌ أن السرقة كانت وهماً من الأوهام، إلا شخصاً ذا غرض سيء.

فعادت إحدى الفتاتين تتساءل:

ــ ومن تراه السارق؟

فعقبت على قولها الفتاة الأخرى:

ــ لم نرَ أحداً تحرك من مكانه.

رجعت الأولى تسأل المرأة الأربعينية الحسناء:

ــ كم المبلغ الذي فقدتيه يا خالة؟

ــ ثلاثة آلاف دولار.. كانت مُحَزَّمة بمطاط في ربطة واحدة.. لقد تفقدت نقودي، وتأكدت منها حين صعدت القطار..

قال المحامي:

ــ الحمد لله.. هذا يبرهن أن السارق هو لص عشوائي، يسرق كل ما طالته يداه ولم يتقصد أوراق القضية بالذات.

فالتفتت المرأة الاربعينية نحوه وهي في غاية الغضب منه: 

ــ اعقلْ ما تقول يا رجل .. أتحمدُ الله لأنني سرقت؟ أيُّ إنسانٍ أنت؟

ــ لا أقصد ما ذهبتِ إليه يا سيدتي.. أنا كنت أبرهنُ على أمر آخر.

فتنهدت المرأة بحرقة، بينما راحت تمسح بعض دموعها الراشحة فوق خديها:

ــ المهم عندي هو مالي الذي سُرق.. نادوا الشرطة فوراً.. أين رجال الأمن المخصصين للقطار؟

تشجع أحدهم، وصاح بطريقة تحرض الجميع على فعل شيء مفيد، غير التحسر والشكوى:

ــ معها حق.. الأمر لم يعد يُسكتُ عنه.

أيده العجوز صاحب قبعة “الكاسكيت”، الذي تلتمع في عينيه أمارات الدهاء وخطورة الشأن:

ــ الشرطة هي من سيتولى التحقيق في القضية.

وقال آخر:

ــ لم يتحرك أحدُنا من مكانه بداخل المقطورة.. ولم أسمع عن سرقة تقع عن بعد، بالإيحاء.. كما أنه لم يدخل أحدٌ ولم يخرج أحد.

رد عليه العجوز الداهية:

ــ لعل السارق يعتمد نظاماً حديثاً ومتطوراً في النشل، ولا علم لنا به..!

ــ تقصد نشال ونظام حديث للسرقة؟ سرقة عن بعد مثلاً؟.. يا للسخرية..!

ــ بغض النظر عن الطريقة، كل الدلائل تؤكد بأن السارق لا يزال بيننا.

ــ هو واحدٌ منا، ما من شك.

تفاجأ الجميع بدخول صبي بائع حبات ذرة. يحمل ترمساً كبيراً بيديه، وقد ولج من باب المقطورة وراح يسير الهوينى باتجاه الباب الآخر، حيث خرج منه دون التفاتٍ أو اكتراث. ولم يزد الصبي عن الترداد، كلازمة محفوظة عنده:

ــ ساخنة وطرية.. عرانيس ذرة.. عرانيس ذرة.. ساخنة وشهية..

بعد أن اجتاز الصبي المقطورة وغاب خلف الباب، رشقه العجوز الداهية بنظرات حادة كالسهام. وهتف بالجميع:

ــ ألم يشكَّ أحدُكم بهذا الولد، بائع الذرة؟

قالت الفتاة:

ــ الصبي لم يظهر في المقطورة إلا بعد حصول السرقة، فلا ترموا تهمَكُم جزافاً.. رجاءً..

أجابتها الفتاة الأخرى:

ــ ربما كان يذرع المقطورة أثناء صعودنا القطار ولم ننتبه إليه.

فعلق الأستاذ المحامي:

ــ ما أدرانا أن هذا الترمس فيه عرانيس ذرة؟ ألا يُحتمَل أنه أخفى المال ومعه أوراقي المسروقة.. أعني أوراق القضية؟

أما الرجل صاحب العمامة التي تشبه عمامة شيخ، أو طالب معهد شرعي، فقد نهض فجأة من مقعده، وهو يفتش جيوبه بطريقة أقرب ما تكون إلى جلد جسده، والخبط عليه خبطاً عشوائياً، كأن الرجل قرصته عقرب، أو أصابه طيفٌ من مس جنوني، فراح يصيح:

ــ ربااه… سُرقتْ مني ساعتي الذهبية للتو.

تساءل أكثر من واحد:

ــ ساعتك الذهبية؟

ــ كانت في جيبي منذ برهة وجيزة.

ــ سوف نُسرَق واحداً تلو الآخر، ونحن ننظر إلى بعضنا عاجزين عن فعل أي شيء.

ــ ولكن أليس اقتناء الذهب واستعمالُه محرماً شرعاً للرجال؟

ــ أتكنز الذهب والفضة يا شيخ؟

ــ لست شيخاً.. والساعة هدية لابنتي.. اشتريتها اليوم لأفاجئ بها ابنتي بمناسبة خطبتها.. وقد كانت مخبأة في جيبي منذ لحظات.

قال المحامي:

ــ لا تغفلوا هذه الملاحظة يا أصدقاء: كل من ادعى أنه سُرق، أو فقد شيئاً، فربما تكون حيلة منه للعب دور الضحية، لصرف الانتباه عنه كمشبوه.

فهاجمته المرأة الأربعينية باستفزاز واضح:

ــ أولاً نحن لسنا أصدقاءك.. ولا نعرف حتى أسماء بعضنا، ثانياً تذكر أنك أول من ادعى بأنه سُرِق في هذه المقطورة. فلا تلعب معنا لعبة الضحية والمُتَّهِم في وقت واحد.

ــ لاحظي يا سيدتي أنني أتوجه بالحديث إلى العقلاء في هذا القطار، وليس لكِ أنتِ بالذات.

صمت قليلاً لكي يرى أثر كلامه على الآخرين، واستأنف القول:

ــ لندعْ كل هذه التفاهات التي تتحدثون عنها الآن.. ولنعدْ إلى موضوعنا.. أوراق القضية.

فصرخت فيه المرأة الاربعينية، وقد بلغ الغضب منها مداه الأقصى:

ــ تفاهات؟ أتسمي مسروقاتنا تفاهات؟

وإذا بالفتى المراهق، الذي كان يرتدي ثياب طلبة المدارس المعروفة، يصرخ فجأة:

ــ هاتفي المحمول، لقد سُرِق هاتفي.. إنه من النوع الحديث الغالي الثمن، غالكسي 10

ــ فتش عنه جيداً.. لعله…

قال العجوز المتكبر والداهية:

ــ ها قد أصبح الحلُّ قريباً منا، أو في متناول يدنا كما أرى.. خطرت ببالي فكرة.. ليتصل أحدنا الآن بهاتف هذا الفتى المراهق، فإذا رنَّ الهاتف حيث يخبئه اللص، عرفنا من هو الحرامي.

أجاب الفتى الطالب:

ـ للأسف الهاتف مفصول عن الاتصال، بسبب الفاتورة المتراكمة.. أنا أحمله فقط لأتفرج على الصور التي أحفظها بداخله.. ليس غير..

راح الشيخ صاحب العمامة يؤكد للجميع:

ــ لا تنسوا أيها الأخوة الساعة الذهبية.. إذا تمّ استدعاء الشرطة وتسجيل المفقودات، فلا تنسوا الساعة رجاءً..

عند هذا الحد، ترك الرجل الذي كان يتمدد في المقعد الأخير، وهو منكبٌّ على أوراق يدون فيها ما لا يعلمه أحد، وراح يوبخ الجميع قائلاً:

ــ رجاءً يا سادة، أنتم تشوشون عليَّ أفكاري، لذلك من حقي أن أطالبكم بعض الهدوء.

قالت إحدى الفتاتين:

ــ هل هذا الرجل مجنون؟

قال الرجل:

ــ من حقي أن أستمتع ببعض الهدوء في سفري.

وعلى حين غرة هبَّ العجوز الداهية، صاحب قبعة “الكاسكيت” كمن لدغته أفعى، وهتف حانقاً:

ــ اللعنة..

ثم نهض من مكانه، وراح يفتش نفسه تفتيشاً عشوائياً، وهو يضرب جبينه بإحباط:

ــ لقد سُرقتُ أنا أيضاً.. أحدهم سرق أفكاري المبتكرة والرائعة من رأسي.. يا للصوص.. فقد سرقوا مني بنات أفكاري ومخططاتي النيرة.

نظرت إحدى الفتاتين نحو رفيقتها الأخرى نظرة استهانة ساخرة، وهي تكاد تفتح عينيها عن سخرية مقصودة:

ــ أهذا مهرج ؟

قالت الأخرى:

ــ لعله السارق نفسه، ويريد أن يمثّل علينا.. لا تستبعدي شيئاً..

ــ نعم فهمت.. يريد أن يوهمنا أنه أيضاً ضحية السرقة مثل البقية.

ــ سلموه للشرطة.. لقد بدأ اللغز يتضح.

فراح المحامي يهتف بالجميع:

ــ يا سادة المهم الآن الأوراق الأوراق.. أوراق القضية ..

أجابت المرأة الاربعينية بطريقة لا تخلو من تحديه ومناكدته:

ــ بل الأهم نقودي.

فسأل الشاب العشريني الجالس قرب العجوز الداهية:

ــ أفكارك المبتكرة والرائعة..؟ هل لك أن تشرح لنا مغزى هذه الأفكار؟ ولو باختصار يا أستاذ.. هذا إن لم نكن متطفلين وفضوليين زيادة.. لا مؤاخذة..

قال العجوز وقد بدا عليه سيما الإحباط والفشل:

ــ نعم من حقكم.. لو سألتني أولاً إلى أين أنا مسافر الآن معكم في هذا القطار لأجبتك.

ــ صحيح..؟ إلى أين أنت مسافر؟

ــ أنا مسافر لإجراء مقابلة رسمية، بعد تقدمي بمخططات أفكاري وأوراق الوظيفة الجديدة المعلن عنها من قبل الحكومة. فبعد أن أُعلِن عن مسابقة للمواهب والأفكار المبتكرة،  ومشاريع التنمية الاقتصادية في الخطة الحكومية القادمة، تقدمت بمشروعي..

ــ أنت إذن مقدمٌ على قبول وظيفة حكومية؟

ــ أجل.. تقدمت بمشروع علمي ومفصل للحكومة، أشرح فيه كيف يمكننا أن نحوّل مياه البحر إلى طحينة.

ــ نحوّل البحر إلى طحينة؟

ــ نعم.. أنا برهنت بالأدلة العلمية، في مشروعي المقدم مع اوراقي الثبوتية ومخططاتي للمؤسسة المختصة، أن بوسعي ذلك المشروع.

تساءل المحامي:

ــ وقد اختلس السارق قبل قليل أفكارك العبقرية هذه من قحف دماغك؟

ــ صحيح.. لقد سُرقتُ مثلكم.. سُرقتْ بنات أفكاري من رأسي.

ــ صدق من قال: من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته. 

عرف الجميع بأن الرجل المتمدد في المقعد الأخير كان شاعراً، وقد انهمك في نظم إحدى قصائده. وقد اضطُرَّ هذا الشاعر أكثر من مرة، إلى التدخل وتوجيه ملاحظاته الشاكية والمتبرمة من كل هذه الأصوات وكل هذه الضجة:

ـ مرة أخرى يا حضرات.. ألفتُ نظركم آسفاً إلى أنني قد أُضطَرُّ إلى توجيه ملاحظة قبل التقدم بشكوى رسمية للمسؤولين عن هذا القطار.. وأناشدكم بعض الهدوء برجاءٍ حار.. والكف عن هذا الهرج وهذا الضجيج غير المحتمل..

ــ صه يا رجل.. نحن نُسرقُ تباعاً، وتريد لومنا على مجرد الحديث إلى بعضنا..

وعند هذا الحد فاجأ الشاب العشريني الجالس بجانب المرأة الأربعينية الجميع، وهو يقترب بجسمه نحو الفتاة التي كانت تمضغ العلكة، صارخاً في المجموع:

ــ هذه الفتاة لصة حقيقية.. اقبضوا عليها فإنها هي السارق.. لقد سرقت قلبي وأوقعتني في حبّها… اقبضوا عليها.. لقد عرفنا السارق الآن..

فانبرت الفتاة التي لوت بوزها بغضب ظاهر، ثم هجمت عليه ولطمته لطمة، قبل أن تقبض عليه من ياقة معطفه، وتصيح في الجمع الذي هم بالتدخل ليفصل بينهما:

ــ أنا لصة أيها الحرامي؟ سرقتَ الكُحلَ من عيني وتتهمني بالسرقة..؟ نادوا الشرطة.. يا سيكوريتي.. يا شرطي.. لقد سرق هذا الحرامي الكُحل من عيني.. 

فجأة صرخ الشاعر معولاً بتفجع ومرارة:

ــ يا للكارثة.. سرق من قصيدتي بيتين من الشعر.. قصيدتي نقصت بيتين..

رد أحدهم باستهانة ساخرة:

ــ عليك فوراً أن ترفع قضية للمحاكم.. وطالب الجاني بتعويضك بدل بيتين من الشعر، ببيتين من طابقين اتجاه غربي..

أيدته إحدى الفتاتين:

ــ نعم طالب العدالة ببيتين مكسوين كسوة جيدة، وحديقة خارجية محيطة من كل جهات البناء، بدل بيتي الشعر.

فاشمأز الشاعر من التعليقات، وانبرى مجابهاً:

ــ يا لخفة الدم.. أحياناً تكون خفة الدم ثقيلة وغليظة كالسباب..

فقال العجوز الداهية، الذي سرقت منه أفكاره المبتكرة الرائعة:

ــ أرى أن نشرع بتركيب قضيتنا تركيباً منطقياً ومعقولاً، حتى نحصل على نتائج؛ والرأي عندي أن نبدأ بالتحقق، فيما بيننا، ممن لم يُسرَق منه شيء، ولم يفقد شيئاً.. بذلك نحصر التهمة ونضيّق دائرة المشتبه بهم..

ــ فكرة معقولة.

كان ثمة رجلٌ أسمر البشرة، يلوح من مظهره أنه من أصول أفريقية، جالساً في منتصف المقطورة. فراح الجميع يتهامسون فيما بينهم، وهم ينظرون إليه بريبة وشك محمول على أجنحة النظرات المُحملة بالمعاني الريبية المُتَّهِمة. بادر أحدهم القول: 

ــ انتبهوا جيداً لما سوف أقول، وركزوا معي.. هذا الشاب صامت طوال الوقت ولم يشتكِ مثلنا من أنه قد فقد شيئاً.

ــ لعله أجنبي وغريب.. ولا يتقن اللغة جيداً، لذلك آثر الصمت.

ــ أو لعله تسلل إلى البلاد خلسةً، ولا يحمل أوراقاً تعريفية، وهذا ما جعله يؤثر السلامة ويصمت على مضض عن ما سرق منه.

فناداه العجوز:

ــ يا أخانا .. يا أخانا.. فتش نفسك جيداً.. ألم تفقد أي شيء؟

ــ لا لم أفقد شيئاً.

ــ فتش نفسك جيداً، رجاءً.. وتأكد من أغراضك قبل حضور الشرطة.. ألم تفقد غرضاً؟ ألم يُسرق منك أي شيء؟

ــ لا لم يسرق مني أي شيء.

ــ ألا تجد الأمر غريباً، نوعاً ما؟

ــ كلنا سُرقنا إلا أنت؟

ــ هذا يجعلك موضع اتهام.. ولا تؤاخذني على ادعائي ذلك!

ــ غريبٌ أمركم.. هل يجب أن أُسرَق، أو أدعي أنني سُرقت، حتى أصبح خارج دائرة الاتهام؟

ــ أنت حر.. ولكنك تضع نفسك موضع الشبهة.

ــ موضع الشبهة؟ هل كان يجب أن أسرقَ حتى أصبح خارج دائرة الشبهات؟

ــ أنت حر. ولكن موقفك صعب جداً أمام الشرطة.

ــ لا تستعجلوا عليه.. قد يفقد شيئاً من حقائبه بعد دقائق.

قال الرجل الأسمر البشرة:

ــ أنتم تفسرون الحادث كما جرى، أم كما ترغبون به وتتمنونه؟

ــ يبدو أنك تؤثر الصمت على المصيبة، ولا تفصح عما سُرق منك، لأنك لا تملك جواز سفر وأوراقاً نظامية.. نقدر وضعك يا أخي..

ــ بل إنني أملك كل الأوراق النظامية، وجواز سفري مختوم حسب الأصول.. شكراً لتعاطفكم..

ــ لقد نصحناك وأخلصنا لك في النصيحة.. وذنبك على جنبك..

ــ كل من لم تطاله السرقة فهو مشتبه به.

ــ يا لها من فلسفة لم أسمع بها.

ــ دائرة المشتبه بهم قليلة وضيقة.. بل تكاد تكون معدومة تقريباً.

ــ إذن فلتفترضوا بأنني من المشتبه بهم.. وإلا…

ــ وإلا ماذا..؟

ــ وإلا فأنا أيضاً سُرقت مثلكم.. لقد سُرق مني وقتي الثمين في الثرثرة معكم.. والذي كنت أخطط لأن أستمتع به داخل القطار أثناء سفري.

توجه المحامي بالحديث للأفريقي ضارعاً:

ــ يا أخانا الكريم.. بات واضحاً بأنك أكثر المشتبَهين، بل أنت اللص كما نتوقع. ولكن يبدو من مظهرك بأنك لص طيب القلب، كريم النفس.. لذلك أتوسل إليك أن تعيد لي أوراق القضية فقط.. خذ ما شئت من المال الذي اختلسته.. حلال عليك.. فقط أعد لي أوراق القضية.

صرخت فيه المرأة الأربعينية:

ــ يأخذ مالي ويعيد لك أوراقك؟ وتدّعي أنك محامٍ ورجل قانون وحارس للعدالة؟

قال الأفريقي:

ــ أنا لم أسرق منكم شيئاً، وليس لديّ جواب على هذركم ولغوكم هذا.

أما الرجل المريض الذي ظل صامتاً طوال الوقت، والذي أنهكه السعال وبددت قواه الحشرجة، فقد انخرط فجأة في بكاء مرير:

ــ لقد سُرق مني كيس الدواء.. أنا مصاب بالسرطان وإنني أُحْتَضَر.. دوائي حصلت عليه بعد جهد ومراجعات ووساطات بمبلغ كبير.

صمت الجميع برثاء وإجلال لوضع الرجل البائس. ثم بدد الصمت والحرج الذي غشي الجميع، صوت إحدى الفتاتين:

ــ إذا فكرنا في الأمر ملياً، فسرقة دواء سرطان من مريض يُحْتَضَر، لا تُعدُّ سرقة بالمعنى الحقيقي.

فتدخل الشاعر لأول مرة في الهم والشأن العام، الذي شُغل به الجميع:

ــ وماذا تُسمينها إذن؟

ــ لا شيء لا شيء.. ولكن لا يجب اعتبارها أمراً خطيراً. فهو في النهاية سيموت في جميع الاحتمالات.. طال به العمر أم قصر..

ــ يا له من منطق..! ويا لها من حكمة غابت عن بالي حقاً..

ثم فجأة انتفض الشاعر غضباً، بعد أن تمعن لبرهة في أوراقه:

ــ يا للعيب .. ويا قبح ما أجد.. السارق سرق بقية ما تبقى من أبيات قصيدتي. لم يترك لي إلا بيتاً واحداً من مطلع القصيدة.

علق الشاب الشديد السمرة:

ــ أنا لا أفهم لغتكم كثيراً. ولا مصلحة لي بسرقة قصيدة من هذا الرجل.. وهذا وحده كفيل بأن يخرجني من دائرة الشبهة التي وضعتوني فيها.

ــ وما أدرانا؟ لعلك سرقت قصيدة الشعر لتوهمنا ببراءتك؟

ــ خطة محبوكة.

فرجع المحامي يقول متوجهاً للشاب ذي الأصول الأفريقية:

ــ أتوسل إليك مرة أخرى أن تعيد لي الأوراق.

ــ وساعة الذهب، هدية ابنتي أيضاً.. أرجوك.

ــ ودولاراتي الثلاثة آلاف؟

قاطعهم العجوز الداهية:

ــ سأقطع يدي إن لم يكن الولد، بائع الذرة هو الحرامي.

فعلق المحامي:

ــ يقولون في علم الجنايات بأن المجرم يترك بصمته أو توقيعه في مسرح الجريمة. ولذلك ترك للشاعر مطلع قصيدته فقط، بعد أن سرقها كلها.

فالتفتَ أحدهم نحو الشاعر:

ــ ماذا كان البيت الذي تركه لك السارق؟

ــ بيت من الشعر أقول فيه: السيفُ أصدق أنباءً من الكتب. في حدّهِ الحدُّ بين الجِدِّ واللعب.

ــ أهذا من شعرك؟

ــ أي والله .. جادت به قريحتي بعد أن صعدتُ إلى هذا القطار اللعين.

ــ لعلي سمعت بمثل هذا الشعر منذ أيام الدراسة!

ــ توارد الخواطر وتشابه الأفكار والأشعار وارد دائماً.

قال المحامي:

ــ لوكان بائع العرانيس هو السارق، فهذا يفسر بأن جهة ما قد استعملته للسرقة وسلطته علينا لينهبنا.. فمثل هذا الولد لا مصلحة له بسرقة أوراق القضية.

على حين غرة، ارتفع صوت الشيخ، صاحب العمامة الذي فقد ساعة ذهبية، يقول مقترحاً:

ــ بما أن طبيعة السرقات التي تعرضنا لها، تكاد تقارب المستحيل؛ لم نجد أحداً فارق مقعده ولو للحظة. ولم يدخل أحد إلى المقطورة، ولم يخرج منها أحد.. أترى بوسعنا أن نفترض.. ولو على سبيل وضع كل احتمال موضع التفكير.. أن السارق يمكن أن يكون.. لا حول ولا قوة إلا بالله..

تصدى العجوز الداهية، وقد اتخذ وضع المجابه:

ــ أنَّ السارق يمكن أن يكون ماذا؟

ــ أردتُ أن أقول: ربما.. ربما، ولا أجزم بقولي هذا.. أن السارق كائن خفي مثلاً.. رئيٌّ من الجن أو العفاريت، وليس إنساناً مثلنا.

هزت المرأة الأربعينية رأسها بثبات:

ــ أنا أيضاً راودتني الشكوك نفسها.. لا يجب استبعاد مثل هكذا احتمال..

قالت إحدى الفتاتين متصنعة شهقة الدهشة:

ــ يا للهبل.. يا لخيبتنا..

قال الشيخ:

ــ أعلم بأن الذين لا يؤمنون بالغيبيات سيجدون في الأمر مدعاة للسخرية.. أما نحن..

قال المحامي:

ــ الغيبيات على العين والرأس. لكن الشرطة والمحاكم لن تقبل هذا الافتراض، ولو لمجرد السماع له.

قال العجوز:

ــ أفكرُ إذا عاود الصبي بائع العرانيس الدخول إلى المقطورة، أن نهجم عليه جميعاً، وأن نفتشه تفتيشاً دقيقاً، ونلكمه بضع لكمات على وجهِهِ وبدنه..

ــ نفتش الصبي ونضربه؟ لماذا؟ هل لأنه مستضعَف، وبمقدورنا أن نستقوي عليه جميعاً؟

ــ الصبي البائع؟ لكنه حتى الآن ليس متهماً عندنا، ولم يرقَ الأمرُ ليكون قد صار في دائرة شبهاتنا؟

ــ وإن يكن.. لن أرتاح حتى أضربه، حتى إن ثبت بأنه بريء كامل البراءة..

أخذت صافرة القطار تدوي معلنة اقتراب القطار من التوقف عند إحدى محطات الطريق. وقبل وقوف القطار هتف المحامي يقول للجميع محذراً:

ــ أرجو أن لا يغادر أحدكم مكانه، ولا يفكرنَّ بعضكم بالنزول في الاستراحة القادمة.

قال الرجل المريض:

ــ أنا مضطرٌ للنزول قليلاً.. لا بد لي من استنشاق بعض الهواء النقي.

فتصدى العجوز الداهية للمحامي قائلاً:

ــ ومن أنت حتى تقرر من يحق له النزول أو عدم النزول؟ هل أنت الحكومة؟ الشرطة؟ جهة قانونية مسؤولة؟

ــ لقد قدمت اقتراحاً على سبيل النصيحة، ليس إلا.. من سينزل للاستراحة في المحطة، ستزداد الشبهات حوله، لذلك….

تقدم الشاعر مخلياً مكانه في المقعد الخلفي، مختلطاً بجمع المسافرين في المقطورة 17. وانتهى إلى مشاركة القوم خواطرهم المهمومة المحتارة، قائلاً:

ــ لقد بدأتم بفكرة جديرة بالاحترام وأخذها مأخذ الجدية. وذلك بحصر الشبهة فيمن لم تقع عليهم السرقة. بيدَ أنكم لم تتابعوا العمل عليها.

ــ ماذا تقصد؟

ــ أقصد أن هنالك أشخاصاً آخرين، لم يُسرق منهم شيء ولم يشتكوا من فقد أي غرض..

ــ مثل من؟

ــ تلك المرأة المُسنِّة التي تجلس بجانب المحامي.

التفتت إليه المرأة وقد اتضح أنه يقصدها بالحديث، وسارعت تقول:

ــ أتعنيني أنا؟

ــ نعم أنتِ. ومن غيرك إذن؟ خاصة أنك جارة الأستاذ المحامي في نفس المقعد.

ــ إن كنت أنا من تقصد، فإنني أسارع لأزف لكم الخبر السيء والسعيد في نفس الوقت: لقد سُرقتُ مثلكم.. سرقت من حقيبتي إسوارة ذهبية، لكنني لبثت معتصمة بالصمت، لم أشتكِ ولم أرفع صوتي.. وذلك لأنني رأيت السارق أثناء إقدامه على سرقتي.. مع ذلك ظللت ساكنة صامتة، كأن الأمر لا يعنيني..

علت وجوه الجميع حالة تشبه الحيرة، واكتسى بعضهم بصفرة واضطراب:

ــ رأيت الحرامي؟ وتعرفينه جيداً؟

ــ بأم عيني رأيته.. لقد شعرت به قبل أن يسرقني، وكان في مقدوري أن أمنعه.. لكنني لم أفعل..

ــ وهل نتجرأ على سؤالك من يكون السارق؟

ــ لا لن أصرح باسمه.. أحتفظ بمعلوماتي لأتقدم بها إلى الشرطة، وحتى تكون مفاجأة له..

ــ هذا غريب جداً.

قالت المرأة العجوز:

ــ الأغرب منه أنني أعرف أين خبأ الإسوارة الآن.. أكاد أراها وأنا جالسة في مقعدي.. لقد رأيت كل شيء.. ومستعدة الآن أن أواجهه أمام الشرطة والتحقيق. 

قالت إحدى الفتيات:

ــ شخصياً لديّ ريبة بما تقوله هذه السيدة.. هذا كلام غير منطقي وغير متماسك.

أيدتها الفتاة الأخرى:

ــ ليس من إنسان يرى سارقاً يسرقه، ثم يحافظ على رباطة جأشه، فلا يمنعه ولا يستنجد بالآخرين.

قالت المرأة:

ــ أما أنا فقد فعلت.. ونجحت في ذلك.

ــ إن كنت تقولين هذا من أجل صرف الشبهة عنك، أعتقد أنها محاولة لا فائدة منها..

ــ قدمي لنا طرف خيط لنتقدم في القضية. هل السارق من ركاب صف المقاعد على اليمين أم على اليسار؟

ــ نعم.. هذا سؤال وجيه.. وهل مكانه بجانب النافذة أم بجانب الممر.

قالت المرأة بصرامة قاطعة:

ــ لن أُستدرَج ولن أصرح بشيء.. إلا حين تحضر الشرطة.

صمت الجميع فجأة. خيم الهدوء والصمت على الجميع، وإن يكن جلياً أنه هدوء اضطراب ورعدة خوف مجهولة من شيء مجهول، لا يمكن تقدير مداه أو ترسيم حدوده وخفاياه. ولأول مرة تقرع آذان ركاب المقطورة أصوات القطار وهو يجعر وينهب الفضاء خارج حجرة المقطورة. قال صوت من بين الأصوات:

ــ معها حق.. من حق هذه المرأة أن تلزم الصمت، فلا تصرح لنا بما رأت وعلمت.

فاعترضت إحدى النسوة:

ــ من حقها؟ نسرق جميعاً، وهي معنا إحدى ضحايا جريمة هذه السرقة الجماعية، كما تدعي.. وتقول من حقها أن لا تخبرنا من يكون اللص الذي يجالسنا ويختلسنا غفلة؟

فما عتم جمهور الركاب أن تفاجأوا بالأستاذ المحامي وهو يقف في منتصف الممر بينهم، معلناً بطريقة خطابية وكأنه يحتفل بإلقاء كلمة في مناسبة، أو يلقي موعظة وبشرى لجماهير احتفال:

ــ بشراكم يا أصدقائي ويا رفاقي في هذه الرحلة.. أريد أن أزف لكم خبراً سعيداً، لكنه خبر مفاجئ لكم بعض الشيء؛ لقد عثرت على الأوراق التي كانت ضائعة.

ــ كانت ضائعة؟

ــ قبل لحظات كانت مسروقة والآن تسميها ضائعة؟

راح المحامي يفسر ويشرح:

ــ الواقع أنها كانت مخفية في جيب الحقيبة الثانية السري.. ولقد فتشت الحقائب عدداً من المرات، بيد أنني لم ألحظ بأنني وضعتها في جيب السحاب السري ذاك.

ــ ما معنى هذا؟

ــ يا رجل قبل قليل كنت تفكر أن تفتشنا كما يُفَتَّش النشالون في أقسام الحجز..؟!

ــ مرة أخرى أكرر أسفي واعتذاري.

ــ وحذرتنا حتى من مجرد النزول لدقائق لقضاء حوائجنا حينما توقف القطار عند الاستراحة؟

ردد المحامي مدافعاً بضعف وانكسار:

ــ بل ينبغي أن تستعمل المصطلح المناسب في مثل هذه الحال.. أنا لم آمركم بشيء ولم أنهاكم. كنت ألفت نظركم إلى بعض المخاطر المتوقعة في مثل هذه الأحوال، وأقدم خبرتي القانونية على سبيل النصيحة والتحذير من مخاطر محتملة.

هتف العجوز صاحب قبعة “الكاسكيت”، باستهانة ونبرة تشكك:

ــ خبرتك القانونية؟ ولكن ما الذي يثبت لنا أنك محامٍ في الأصل.. أو حتى رجل قانون؟ هل لديك توكيل رسمي؟ شهادة؟ بطاقة انتساب لنقابة؟

ــ من هذه الناحية لا تقلقوا يا أصدقاء. جميع أوراقي محفوظة في مكتبي الخاص حيث أسافر الآن.. أستطيع أن أبرزها جميعاً لكم حينما.. كل ما..

ــ طريقة مبتكرة لعمل دعاية لمكتب قانوني والترويج له.

ــ هذا من سوء الظن وخبث السريرة.

صاح الفتى المراهق:

ــ لقد عاد تلفوني المحمول.. لقد عثرت عليه أنا أيضاً.. ربما أعاده السارق لسبب من الأسباب.. ولكن للأسف؛ فقد استبدله بتلفون آخر.

ــ ماذا تعني؟

ــ تلفوني كان موديل غالكسي 10. وهذا الذي عثرت عليه موديل غالكسي 4. إنه من نوع الخردة الرخيص الثمن.

فتشجع الشيخ المعمم على القول بصراحة، وهو في ذروة الابتهاج والسرور:

ــ وأنا أيضا عثرت على ساعتي الذهبية التي كانت ضائعة.. وإن تكن للأسف قد بُدلت بأخرى تقليدية، مطلية بلون ذهبي.. يبدو أن السارق قد استبدلها حين قرر إرجاعها. بيد أنها أفضل من لا شيء..

فسُمع صوت أحدهم يقول:

ــ هل بدأ يثوب إلينا بعض الرشد؟

ضحك الشاب الأفريقي الأسمر دون سبب، ولاذ باعتصام الصمت ثانية، متظاهراً بالفرجة عبر النافذة. بينما انشد الجمع نحو مريض السرطان، الذي وقف يقول معتذراً

ــ الواقع أيها السادة أنا مدين لكم باعتذار.. فقد..

ظل الجمع صامتاً. لم يعلق أحد بكلمة وهم ينظرون إليه. فاستأنف الرجل يقول:

ــ الدواء لم يسرق مني.

لم يجبه أحد. بدا حزيناً مهموماً، كمن يرى في أي فرصة لوم أو تقريع أو سخرية سانحة، ما يشفي من بعض مشاعر الذنب.

ــ أكثر من ذلك، فإنني لا أحمل دواء في حقيبتي.. ولست مريضاً بالسرطان.. وعلتي هي في الحقيقة نوع من مرض آخر.. لكنه والحمد لله غير مميت كما أعتقد..

فباغت العجوز الداهية، صاحب قبعة الكاسكيت، المرأة الأربعينية التي استدارت بطريقة أخفت نصف جسدها عن الشهود، وانهمكت في عد بعض الأوراق النقدية، في خفية عن العيون. هتف العجوز:

ــ وأنت؟

ــ أنا ماذا؟

ــ أرى كأن الدولارات التي زعمتِ أن السارق قد نشلها منكِ قد رجعت لكِ.. ها؟

ــ وما شأنك أنت بأمري؟

ــ لا شيء.. مجرد حرص وتفقد للمفقودات.

ــ إذن عليك أن تهتم بتفقد أفكارك الرائعة التي تجعل من البحر طحينة، والتي سُرقت من رأسك كما زعمت، قبل أن تفطن لتفقد مفقودات الآخرين..

ــ أفكاري المسروقة رجعت إلى رأسي في الحقيقة. ولكنها رجعت مشوشة ومبعثرة وبحاجة إلى زمن طويل لإعادة ترتيبها ثانية.. ربما أحتاج لأسابيع وأشهر.

ــ وأنا رُدَّ لي مالي المسروق.. بل أكثر من ذلك، ربما كان مفاجئاً لكم أن رزمة النقود قد زادت ولم تنقص.

ــ زادت؟

ــ أجل.. الحرامي، وفقه الله، أعاد لي المبلغ كاملاً، وفوقه مبلغ 300 دولار زيادة.

علقت إحدى الفتاتين:

ــ لن أستغرب شيئاً في هذه المقطورة.. لعل السارق قد استثمر المال في مشروع مربح خلال هذه الساعة، وأعاد لك الرأسمال والربح معاً.

لاحظ الجميع بأن الشخص الذي كان يجلس في المقاعد الخلفية، قد راح يمزق جميع الأوراق والمدونات التي بين يديه، ثم حمل أكوام القصاصات الممزقة نحو سلة المهملات، حيث أفرغها هنالك. وعاد إلى مكانه وقد لاذ بالصمت المطبق، انحنى برأسه نحو الأمام، وركنه على يديه المتشابكتين أمامه، متظاهراً بالنوم أو التأمل، بينما ظهر الصبي، بائع عرانيس الذرة، وهو يذرع المقطورة نحو باب الخروج نحو المقطورة التالية. مردداً بالصوت الرتيب نفسه ما يشبه لحن أغنية:

ــ ساخنة وطرية يا ذرة صفراء.. لذيذة وشهية يا عرانيس..

فأشاح الجميع وجوههم عنه، متظاهرين بعدم وجوده، فلم يتنفسوا الصعداء إلا بعد أن تأكدوا من مغادرته المقطورة، وعلى إثره برز الشرطي، مسؤول أمن القطار بروزاً مفاجئاً، سدَّ باب المقطورة بجسمه. يتبعه موظف آخر هو مراقب التذاكر ـ الكونترول ـ ويسير خلفه. قال الشرطي بأسلوب متحبب لطيف:

ــ سمعت أصواتاً عالية صدرت من هذه المقطورة.. أرجو أن لا يكون ثمة مشكلة حصلت، أو….

أجابه أكثر من صوت:

ــ لا أبداً.. كنا نقطع الوقت بالتعارف والحديث المسلي.

ــ إذن أتمنى لكم سفراً هنيئاً، ووصولاً سعيداً..

فيما ردد المراقب بنبرته المعتادة:

ــ تذاكركم أيها السادة من فضلكم..

صاح أكثر من صوت بطريقة مشوشة وبأصوات متداخلة، معلنة غير مترددة:

ــ لا نملك تذاكر يا حضرة المراقب.. صعدنا مسرعين، ولم يسعفنا وقت انطلاق القطار للشراء.. ولم يكن لنا من فسحة الزمن ما يكفي لشراء تذاكر نظامية.. سندفع لك قيمة التذكرة الآن..

استمر القطار يجأر جئيراً عالياً، وهو يشق عنان الفضاء المنداح أمامه، كجبل من حديد ينطلق كالسهم فوق قضبان السكة الحديدية.

*اللوحات الفنية من معرض (القطار) للفنان المصري عبد الرزاق عكاشة.

Leave A Comment

You May Also Like