سحر سليمان تكتب في قصصها الذات الأنثوية بماء النهر ومفردات البيئة الفراتية

سحر سليمان، أديبة سورية من مدينة الرقة، مقيمة في فرنسا، صدر لها مجموعتان قصصيتان هما ( حرق الليل، الهجرة من القدر)، ولها عدد من المقالات في الصحافة العربية، وقيد النشر مجموعة قصصية، وأخرى شعرية نُشر بعضها في بعض المواقع الإلكترونية.

عندما تقرأ للكاتبة “سحر سليمان” ينتابك شعور وكأن نهر الفرات يجري من بين أصابعها، ولكأنّ مدينتها “الرقة” وعموم مفرداتها وملامح الجزيرة الفراتية، تمتزج مع ذات الكاتبة لتستفيض في السرد عن الأنثى بحسها الشفاف والواضح جداَ، وحدسها المحاط بالغموض أيضاً، وبين الرِقة والقسوة، والرهافة والصلابة، تبرز الذات الأنثوية الكاتبة بشكلٍ مُسيطر على مساحة كل نص، ويتماهى شكل ونمط القصص مع هذه الملامح، فتتراوح بين السرد الطويل، والاختزال المفرط، وبين الوصف المليء بالصور الشعرية والحوارات الرشيقة لتشكّل قصة طويلة، وذاك الوصف الاختزالي المُكثّف، القائم على الاستعارة والصور البلاغية الأخرى، لتتشكّل قصة قصيرة جداَ، تنتمي إلى النمط الذي شاع وعُرف في العقد الأخير بالاختصار ( ق. ق. ج)، أي قصة قصيرة جداً، تلك القصص الأشبه بالومضات القائمة على بنية شعرية جميلة، وما بين هذين النمطين تمضي قصص الكاتبة لتعبّر عن ذاتها كأنثى، كامرأة في بيئة شرقية تقليدية محافظة، امرأة شفافة، متمردة، تملأ رأسها الأفكار التي تغرد خارج السرب، فتصطدم بجدران القبيلة والعشيرة وثقافة الذكورة، والأسرة ومقاييسها لحياة الأنثى، لكّنها دائماً استطاعت أن تخلق لها جناحين تحلق بهما عالياً، مهما كان الثمن:

(أيتها المرأة هذا العشق ملعون لايغسله غير الدم

 -قالت العادات.

-هذه العادات لا ينفع فيها شيء لأن العفن يأكلها) *من قصة”اللعب بالدم”.

 ودائماً كان النهر “الفرات” الملاذ والشغف الذي لا يزول، ففي البيئة ذاتها يسبح الجسد وينضج، وتهيم الروح وتجول النفس، وكأنه لا فكاك لذات الكاتبة منها أبداً:

(وضفاف النهر الذي خانه الوقت فأضحى مجرى صغيراً فقد هيبته في مواسم الفيضان الموسمي – كل آلهات الجزيرة كن مجنونات بالنهر والناس والشجر والطرائد والفهود ومستعمرات النمل  وبنات آوى) * من قصة “العُشاق”.

في قصصها الطويلة، تبدو “سحر” وكأنها قد تقمصت روح الراوية “شهرزاد” ولسانها في سردها الطويل لحكايات ألف ليلة وليلة، فيحضر أسلوب السرد التراثي والممزوج بمفردات الحياة المعاصرة، فتُصاغ الحكاية بروح الأنثى وحضورها الطاغي، ويمضي السرد الطويل من خلال الوصف البلاغي الذي يُغلب عليه طابع الشعرية، بأسلوبٍ حكائي تحضر فيه الذات الأنثوية كراوية، وسيدة الموقف والمسيطرة على الحدث، وتمسك بكل الخيوط وتحركها كما شاءت:

   (قال العرافون: ستحب امرأة تجعلك تسهر الليل تحت شرفتها وسيكون قلبك أسيراً في قفص عصافيرها كطائر خذله جناحاه)، (لو أنك أتقنت لغة قلبي، لكان القلب عصفوراً هائماً يطير إليك على الدوام)، (يا لله علمني لغة الطيور… فقلبي عصفور معلّق في غرفتها…. يا الله علمني لغة الطيور كي لا يخونني طائر قلبها حين يحادثني) * من قصة “حالة عامة لفنان متفرد”.

في غالبية القصص الطويلة، يقطع سرد الكاتبة حوار ما بين شخصيات القصة، أو أسئلة تطرحها رواية الحكاية ذاتها، أو منولوجات داخلية تخرج على شكل حوار مع الذات، فتكسر لحظات الملل والرتابة التي قد تُلم بالقارىء بفعل السرد المطول، وقد أكثرت الكاتبة من هذه المنولوجات والحوارات الذاتية، فكانت أحد أبرز الثيمات السردية لديها:

(كم كنت نبيلاً وطاهراً ومقدساً وشفافاً يا طلعت! سالت من عيني دمعة سقطت على كتفي بعد أن انحدرت عن عظمة وجنتي، لحزني العميق بأنني لم ألتقيك فكم كان الزمن قاسياً وبخيلاً علينا) * من قصة “دخول الروح”.

(مجنونة، كانت تعلم أن الزواج به مستحيل، فأبوها يكره الرعاة والفقراء، وإن العيش بدونه مستحيل، ومن هنا أختارت الهروب معه دون تبصّر بالعواقب، ومن مكان إلى مكان حتى استقّرا في الحارة، حارتنا التي تفتح قلبها للجميع ) * من قصة “الهجرة من القدر”.

من السرد الطويل والروح الشهرزادية، فجأة تدخل الكاتبة في التكثيف والاختزال، وكأنها تسترد أنفاسها بوقفات قصيرة، لا تخلو من الجماليات، وتمنح القارىء فرصة التوقف أيضاً ليواصل من جديد، فتبتكر نصاً على شكل صور مقتضبة لتقول كل شيء بأقل عدد من الكلمات:

(الجيد من العنب، والخل من العنب، لا فرق سوى طريقة الصنع) * نص بعنوان “صناعة”.

(- من يخون الآخر، الكلمات أم الكاتب ؟.

– الكاتب إذا انحاز إلى امرأة  يحبها) * نص بعنوان “خيانة”.

ما بين السرد الطويل والمكثّف الخاطف، تستحضر الكاتبة إلى جانب سلطان نهر الفرات الطاغي والذي حمل أحد عناوين القصص ( سلطان النهر)، كل مفردات البيئة الفراتية، وملامح مدينة الرقة بإرثها العظيم، حتى أن بعض القصص بُنيت بالكامل على استدعاء أبرز الشخصيات التاريخية التي ارتبطت بمدينة الرقة “هارون الرشيد”، مثل قصة “البئر”، التي كانت بأسلوبها الحكائي، ومضمونها، ومفرداتها، وكأنها إحدى حكايات الماضي الذي عاصر الرشيد وزمنه، إلا أن الكاتبة ربطتها من خلال خيط شفاف بواقع شخصية الراوية الحالي لتعبر عن مشاعرها وتجربتها الخاصة، فيمتد خيط شفيف من الماضي إلى الحاضر مستكشفاً آفاق المستقبل والسؤال عن المصير الشخصي والمصير العام للمكان أيضاً.

كما كانت بعض عناوين القصص تحمل ملامح هذا التراث، وتحيل إليه مباشرة من مثل قصة” قصور البنات”، ويجتاح هذا الإرث المجبول بشخصية الكاتبة الواقع بكل مفرداته التي تصبغ الحياة اليومية لسكان المنطقة، فنكاد نعبر الجسور التي تعلو النهر، ونشتم رائحة البخور والحناء، ونتلمس الوشوم ونشهد شموع العباس تجري عبر ماء النهر، وتحضر في مخيلتنا حقول القطن الشاسعة، والأزاهير التي تزين ضفاف الفرات، والأشجار المحلية، وطيور تلك البيئة وحيواناتها، من كراكي ويمام وقطا وعصافير ملونة، حتى يُخيل للقارىء أن مدينة الرقة وغيرها من مدن الجزيرة السورية، كل منها قارة بأكملها، تستوطن قلب الكاتبة، وتسكن روحها وتشدها إليها أينما ارتحلت، فتتجلى على لسان شخصيات قصصها بأبهى صورة:

(لطريق إلى النهر يمتد أمام قدميها، ينهض وكأنه يريد أن يقودها إلى السماء لا إلى النهر، وقد تراءى لها الظلام يبتسم كاشفاً عن قلب من ذهب، تراءى لها المكان يتنفس ، ويزفر روائح من بخور وزعتر .. والطريق يمتد. وخطواتها تتلاحق والمدينة تخلفها وراءها، طفلة تغرق في النوم والأحلام) * من قصة “سلطان النهر”.

 (بينما تمنيت حديقة من زهر الثلج الابيض الجاف، والقندريس البري، والزل، وطيورالبط والدراج والكراكي، مما أراه أحياناً على ضفاف الفرات. ويوم كبرت عرفت الوجد الحقيقي لقريتي الكبيرة) * من قصة ” اللعب بالدم”.

(كتبت له رسائل كثيرة، عطّرتها بالليمون والنارنج، وملأتها بأوراق الورد الجوري، والأقحوان والنرجس) * من قصة “رسائل”.

(كل شيء هادئ، شجر المنتزه المجاور، ويمامة، والجسر البعيد، وجبل البشري) * من قصة “امرأة وحيدة”.

(وكانت تقف أمام النافذة، ترصد أشجار السرو، والكينا، والتوت في الحديقة المجاورة، تبحث عن اليمامات المتشاقية بلهفة عاشقة تنتظر حبيباً هاجراً) * من قصة “العشاق”.

لا تقتصر أمكنة القصص على البيئة المحلية، بل تمتد إلى مدن أخرى في البلاد، من القامشلي إلى دمشق، والتي كانت تحضر أبرز معالمها لتكون مسرحاً للعديد من أحداث الحكايات المروية، بل ترحل بالقارىء إلى العراق ومدنه الجميلة المتعبة بمآسي الراهن من حصار وحروب وثورات، ويتنوع أبطال القصص وشخصياتها بتنوع هذه البيئات وما يلم من ملمات، وما دار فيها من أحداث تجمع بين الماضي والراهن، فمن عشتار آلهة الحب إلى نساء اليوم، ومن اللغات السومرية إلى الكردية والأرمنية والجركسية، يحضر التنوع الثقافي الهائل لسكان المنطقة، والذين ورثوا عبر تاريخ طويل كل جمال تلك البيئة وخيراتها ومآسيها وأهوالها أيضاً، كل هذا تنقله الكاتبة للقارىء بأسلوبها السلس، البديع، الذي ينم عن ذائقة جمالية، وحس جمالي مميز، وثقافة رفيعة موسوعية، ووعي كبير بهوية سكان المنطقة على تنوع مشاربهم، يُضاهي الوعي بالذات الذي برزت جلياً خلال النصوص كافة.

وأخيراً، لا بدّ من الإشارة أنه من الصعب جداً تلخيص تجربة الكاتبة بهذه العُجالة، وهي تجربة جديرة بالقراءة والاهتمام، لأنها تجربة ناضجة، وتمتلك كل أدواتها الإبداعية الخلّاقة، ومن المؤسف أن تتوقف هذه التجربة عن النشر لسنوات، علماً أنه لها مجموعة قصصية أخرى لم تُنشر، وأخرى من النصوص الشعرية والنثرية التي لم تتم طباعتها أيضاً، ومنشور بعضها على شبكة الانترنت في بعض المواقع الإلكترونية، ولا شك أن الاستمرار بالكتابة والمثابرة سيمنح هذه التجربة وخاصة “القصصية” منها، المزيد من التطور في الأدوات والإمكانات السردية والفنية الأخرى، ومن الخسارة لمثلها أن يتوقف.

بقلم: د.خولة حسن الحديد

*الأعمال الفنية المرفقة، للفنانة التشكيلية العراقية رؤيا رؤوف.

*يُمكن للمهتمين بقراءة نصوص الكاتبة ومعرفة المزيد عنها، العودة إلى الروابط المرفقة أدناه.

http://www.syrianstory.com/s.selymane.htm#%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D

https://meo.news/en/node/409940

http://alnoor.se/author.asp?id=1027

2 thoughts on “سحر سليمان تكتب في قصصها الذات الأنثوية بماء النهر ومفردات البيئة الفراتية

  1. Moheidy

    سحر مازالت تحفظ فطرتها الانسانية الطبيعية النقية ..
    وتعكس ذلك في كتاباتها وفي الواقع..
    دمت بخير دائما

    1. kmarabia

      kmarabia

      صحيح دكتور، وبعدها وكأنها عايشة بالرقة وكأنه الرقة تسكنها فعلا

اترك رداً على kmarabia إلغاء الرد

You May Also Like