الواقعية الفجّة للحرب ورومانسية الحب في رواية “هوامش الحب والحرب”

عبد السلام الشبلي، صحفي وأديب سوري من مدينة حمص، مقيم في دبي ، صدر له ديوان (أنوثة وطن)، ورواية ( هوامش الحب والحرب)، ولديه أعمال أخرى قيد النشر.

ما بين الواقعية المُفرطة واللمحات الرومانسية، تمضي رواية (هوامش الحب والحرب) للكاتب السوري “عبد السلام الشبلي”، وعبر 159 صفحة، يسرد الكاتب حكاية من حكايات السوريين التي لا يُمكن حصرها، والتي كانت “الحرب” بطلتها بامتياز، تلك الحرب التي غيرت مصائر الجميع إلى الأبد، ولم يكن أبطال هذه الراوية وشخصياتها سوى عينات – يُمكن اعتبارها عينات عشوائية – تمثل آلاف السوريين في الواقع، وخاصة من جيل الشباب الذي وجد نفسه عالقاً في مصيدة لا فكاك منها، لتضيق أمامه الخيارات فيرمي بنفسه نحو المجهول على أمل النجاة بضربة حظ اختبر الجميع عثراته وربما غيابه، أو تسليم أنفسهم للأقدار، فينجرفون مع الأمواج، فأينما ألقت بهم عليهم القبول.

يحضر الحب كمعادل أساسي للحرب، ليجعل الحياة ممكنة وأقل قسوة ويمنحها شيء من المعنى، ويسهل مرور الوقت.

الحب الذي يهرب إليه الكثيرون لخلق مساحة أمل ما، ولعل الرغبة الجامحة في التعويض عن الواقع المأساوي، قد تجسّدت حتى في أسماء أبطال الرواية الأساسيين:

 “ملاك” الذي يجرفه الواقع إلى أعتى شياطين الأرض” تنظيم داعش”، ليجد نفسه في مواجهة شيطان على النقيض من اسمه، فيُصبح عالقاً في سجون ومعتقلات التنظيم الإرهابي، بعد أن فقد كل أقراد عائلته في قصف منزلهم، ليواجه الحياة وحيداً، معزولاً وسط حصار قاسٍ، ما كان ينقصه قسوة ومأساوية إلا تسلّط المتطرفين الإسلاميين على حياة الناس، فيُصبح العالم الافتراضي”الفيسبوك” تحديداً، مساحة أمل وحرية يلجأ إليها للكتابة باسم مستعار، وينشر من خلاله رؤيته للحياة وفلسفته الخاصة، ويُحقق حضوراً معقولاً يُشكّل تعويض ما لذاته التائهة، ومن ثم يأتي له بالحب الذي يحلم به أي شاب في سنه، فيُصبح “الفيس بوك” عالماً بقدر ما يعكس واقعاً مُعاشاً، بقدر ما يبيع الوهم، ويرسم الأحلام التي لا يُمكن تحقيقها، إلا من خلال الصدفة البحتة.

“حُب”، الشابة العشرينية التي يُفصح اسمها عن شخصيتها، التي فقدت والديها بالقصف، لتصبح وحيدة في مدينة كبيرة تواجه مصيرها وحدها كطفلة تائهة، وأيضاً يكون “الفيس بوك” الساحة التي تبحث فيها عن ما يمنحها عوض ما يخفف من رداءة الواقع اليومي الفج بقسوته ومأساويته، وقلة الخيارات التي يمنحها لها، ومن ثم تجد نفسها موّرطة في أكثر من تجربة، منها تجربة حب شبيهة بالعلاقات الافتراضية العابرة غير الناضجة، والتي نقرأ عنها يومياً عشرات المرات، والتي لا تستحق كل ما أخذته منها من تفكير، ولكنها كانت بعض من ضوء وسط عتمة كثيفة، وثم انتقالها لمدينة بيروت دون رغبة منها – كغالبية من اسوريين الذين انتقلوا إلى أماكن لم يختاروها أو يحبوها – لتُصدم بأخيها الذي تحول إلى مزّور جوازات سفر وأوراق رسمية، ومهرباً من أجل المال فقط ،على سبيل إنقاذ نفسه وأخته المتبقية له مزقتها الحرب، لينتهِ إلى مصير ليس أقل سوءاً مما هرب منه.

ما بين شخصيتي “ملاك” و”حب”، عدد من الشخصيات الثانوية التي تُرسم من خلالها أحداث الراوية، ( أشخاص انتموا إلى تنظيم داعش بطرق فريدة وكخيارات يائسة، مهربون عبر الحدود، مهربون داخل المدن التركية، عالقون في دمشق وإدلب والرقة، تجار داخل أماكن الحصار يستفيدون من الحرب ككل تجار الحروب والكوارث ..الخ)، وقد شكّلت المدن السورية وبعض مدن الجوار، الفضاء المكاني الذي دارت فيه الأحداث من دمشق إلى بيروت، إلى الرقة وإدلب ومناطق الشمال السوري، ومن ثم أورفا التركية وأنطاكيا واستنبول وإزمير، بحيث كان بعضها مركزياً لتمتد أحداث معينة، فيما كان بعضها هامشياً، وقد تم توظيفه بقدر ما كان يتطلب سرد الحدث.

البطل الأساسي في الرواية كان “الراوي”، الشخص الغائب – الحاضر، بل إن صوته هو الأكثر حضوراً في صياغة الأحداث ورسم الشخصيات، وقد كان هذا الصوت بارزاً جداً، حتى لكأن القارىء يستشعر وجوده، فالكاتب كان الراوي المُسيطر، والذي يُمسك بكل الخيوط، فهو من يُحرك الأحداث ومن ثم يسردها، وهو من يرسم الشخصية ثم يتحكم بسلوكها ويدفعها لمصيرها، لذلك نجد عدم نضج في مسار نمو الشخصية، كما نستشعر اندفاع كبير في إبراز شخصيات الرواية وفق الرؤية التي يريدها لها الراوي، ثم يجعلها تتقمص أفكاره ورؤاه والتي يسردها على لسانها، ولم نجد دور فاعل لأي شخصية من خلال خلق خلفية لها، ولتاريخها مع المكان والعلاقات المتشابكة فيه، ولا كيف تطور سلوكها، وكيف نضجت أفكارها، ولا أي طرح لموقفها مما يجري، لذلك كان من الطبيعي أن ترحل الشخصيات للمصير الذي رسمه لها الراوي، ولهذا جاء الزمن في الراوية متطابقاً مع وجود تقنية “الراوي المسيطر”، فتمّ سرد غالبية الأحداث بصيغة الماضي، وتكرر كثيراً فعل”كان” الناقص، في دلالة بليغة على نقص فاعلية أبطال الراوية، الذي اندفع كل منهم لمصير لم يختاره، في زمن تعاقبي تتابعت فيه الأحداث على حبل مشدود، يُمسك به الراوي بشكل محكم.

لو أردنا تصنيف هذه الراوية فنياً، لوجدنا أنها تنتمي إلى التيار الواقعي في الكتابة الأدبية، تلك الواقعية القائمة على تصوير الواقع الموضوعي، وتبرز مقتطفات من حياة الناس ويومياتهم المعتادة، مع لمحات من رومانسية ما صبغت الحديث عن الحب، وتصويره كمنقذ، فأينما حضر الحب حضرت الرومانسية، لتقلل من قسوة الواقع، وقد عزّز من انتماء الرواية لتيار الواقعية وجود الراوي المسيطر، الذي كان بمثابة العين الثالثة التي تصور الأحداث، والشاهد الذي يسرد الواقع وكأنه يتمثله كما هو عليه، ولكن كراوٍ مسيطر، كان لابدّ أن يُحمّل السرد وأسلوب رسم الحدث، وطريقة تقديم الشخصيات، أفكاره ورؤاه الشخصية وتقييماته لهذا الواقع، لذلك نجد سرداً لأفكار عديدة، قد نقرأها في صفحاتنا على الفيس البوك كآراء شخصية، أو في مقالات إعلامية، وفي كثير من المحطات اقتربت لغة الكاتب – الراوي من لغة اليوميات العادية للناس، وخاصة عند سرد أحداث التهريب والحوارات مع المهربين، كما كان الحوار قليلاً، قياساً بالسرد الطويل القائم على وصف الأحداث، ومشاعر الشخصية، وعرض أفكارها، ومنولوجاتها الداخلية على لسان الراوي.

تنتهي الرواية نهاية مفتوحة لمصائر شخصياتها الأساسية، دون أن نعرف الكثير عن مصائر بعضهم، رغم وجودهم الأساسي في الثلث الأول منها، من مثل شخصية “رؤى” صديقة “حُب”.

نجحت الرواية بامتياز في تصوير ما آل إليه وضع غالبية السوريين، ما بين لاجىء وتائه ومفقود وسجين، وبين من جرفتهم تيارات المال والسلطة والدين، لكن من الغريب أن تغيب عن الراوية فكرة “الثورة”، والتي كان من الممكن أن تُشكل خلفية ممتازة لرسم الشخصيات، قبل أن يتحول مصيرها إلى ما آل إليه، وبالرغم من الحديث عن الحرب، يغيب أيضاً الحديث عن أبرز أطراف هذه الحرب، ولعل أبرز ما في حياة السوريين هو تلك الثورة، ومن ثم الحرب التي قامت عليها وعلى بيئاتها، فكان بالنسبة لي كقارئة من الغريب جداً غياب الحديث عنها، ولو بكلمة، حتى أن كلمة “الثورة” لم تحضر في نص الرواية أبداً، كما لم تحضر كثير من الكلمات التي تعبر عن رفض السوريين للواقع الذي فُرض عليهم، فمن النادر أن تجد سورياً يقول” تنظيم الدولة ودولة الخلافة” قبل أن يقول”داعش”، بما تمثله هذه الكلمة من حوامل تبدأ من السخرية ولا تنتهي برفض هذا التنظيم الإرهابي، ومن الجدير الإشارة لهذا الأمر لدرجة حيويته عندما نتحدث عن رواية تنتمي للتيار الواقعي في الكتابة، وكان يُمكن للرواية لو توسعّت في رسم بنية كل شخصية، أن تتيح المجال أكثر لمعقولية أكبر لاستيعاب مصائرها، ولكن طبيعة البنية التي قامت عليها الراوية لم تسمح بهذا الأمر.

(هوامش الحب والحرب)، رواية جديرة بالقراءة، ليس فقط لأنها تُمثل سرداً لجزء من تجارب السوريين واقعياً، أيضاً لأدبيتها، وفنياتها التي شكلت القالب الذي تم من خلاله تقديم ذاك الواقع.

الحب والحرب لم يكونا أبداً مجرد هوامش، إذ تُحيل الرواية إلى عكس ما يوحي به عنوانها، فقد كانا عصب حياة السوريين، وكراوية، تُعتبر تجربة مهمة في مسيرة الكاتب الشاب، والتي يُمكن أن تعد بالكثير من تطور أدواته الفنية في المستقبل.  

بقلم: د. خولة حسن الحديد

Leave A Comment

You May Also Like