الحرب …. رواية للكاتب السوري “معبد الحسون” …ج1

  إنها الحربُ.. قد تُثقِلُ القلبَ..

  لكنَّ خلفَك عارَ العربْ

*أمل دنقل

ـ 1 ـ

بدأ التاريخُ هنا في حارة الصفيح؛ بين جامعها ودروبها المتعرجة.. ولم ينتهِ بعد..

أما متى بدأ؟ فلعلَّ ذلك حدثَ في هدأةِ ليلٍ أكْمَهَ، ذي شؤونٍ وشجونٍ، وفي قلب عتمته وسكونه الدامس، والمتعالي بأسراره المذخورة.. بدفعٍ من ذلك الإحساس الباطني الممتع والغامض، والذي يقودنا دوماً ـ دون إرادة ـ نحو ضوء الهدى ورشاد الحقائق التي لا نحسن، ولا نستحسنُ، السيرَ نحوها بمُحْكَمَات العقل وسطوة الإرادة. بل وبتقليب الأفكار وتوجهاتها. وبعد سنواتٍ طويلة، سوف يتذكر زيدان زياراته الثلاث إلى هذا المكان، والتي انتهت في آخر زيارة له، بأن يستوطن فيه حتى ساعاته الأخيرة في هذه الدنيا.

في المرة الأولى التي صدف أن عَبَرَ هذه البقعة القاحلة الموحشة، والتي تُزَنِرُ المدينة على شكل قوسٍ، له شكل ربع الدائرة؛ كانت أرضاً موحشة، تسرح فيها أنواع لا حصر لها من همل الحيوانات السائمة والمتوحشة. كانت مكاناً هشاً لا ذائقة له ولا رائحة.  ولم يكن يسكن هنا، في هذا المكان الذي لا اسم له، أي إنسان؛ سوى ذلك الرجل الكئيب التعس، ونصف المتوحش، دحام، أو أبو عبود، كما كانوا ينادونه. كان رجلاً فقيراً إلى حدِ من ينتظر الموت قريباَ، من شدة الجوع والفقر المدقع الذي يعيش فيه هو وزوجته بانة. هل كان هذا هو اسم الزوجة؟ بانة؟ بلى.. ما يزال زيدان يتذكر اسمها جيداً، رغم مرور تلك السنين. 

في المرة الأولى التي صادفت مروره، كان دحام قد انتهى من تشييد هيكل الغرفة الرئيسية، المرفوعة من صفائح تنك وحديد، وقد دعم سقفها بأعمدة من خشب. وسيّجها بالطين على ارتفاع ذراع، حتى لا يتسرب إليها المطر في الشتاء. ولقد تقرَّبَ منه حتى دون أن يتبادلا تحية التعارف الضرورية في مثل هذه الأحوال. كما ساعده طوال نصف نهار كامل. كان ينتظر شخصاً يحمله على دراجة نارية قريباً من المكان، ولم يأتِ الرجل المُنتظَر، فعزم يومها على أن يقتل الملل والنهار الصيفي الطويل، بمساعدة دحام في بناء بيت الصفيح.

اليومَ لا يتذكر ما دار بينهما من حديث، سوى سؤاله للرجل البائس عن سبب اختياره هذا المكان المنعزل، كي يبنيَ فيه كوخاً يأوي اليه، هو وزوجته الصبية، إذ ما يزال يتذكر جوابه جيداً حتى اليوم، حيث قال:

ــ أغراني بالسكنى هنا، هو أن هذه البقعة من الأرض لا مالك لها ولا أصحاب.. حتى موظفي الحكومة الذين يعرفون كل شيء، ويتدخلون في كل شيء، ربما لا يعرفونها ولم يسمعوا بها.

أثبتت الأيام التي تلت، أن تقديرات دحام كانت خاطئة. فبعد مرور أكثر من أربعة شهور على سكناه في المكان، تفاجأ بقرْعٍ قوي على باب الكوخ الذي سكنه، ولما فتح الباب، فوجئ بشاب قوي البنية، له سمت ومظهر حسن، كان يبدو عليه القلق والغضب. وسأله الشاب مباشرة ـ دون أن يبادئه بتحية روتينية معتادة ـ عن مَنْ سمح له بالبناء فوق هذه الأرض التي زعم الشاب أنها ملكيته؟

أجاب دحام، دون مقدمات أو تردد:

ــ لا يوجد مكان أذهب اليه، كما أنني لا أعلم إن كان هذا المكان ملكية خاصة لأحد.

ثم أضاف دحام:

ــ كما ترى.. إنها مكب قمامة لكل النفايات التي تُحمل من المدينة.

فقال الشاب:    

ــ اطمئن. لن أجبرك على الرحيل عن الأرض. ولكنني سوف أتقاضى منك ثمن المكان الذي شغلته بهذا البناء.

قال دحام:

ــ أملك قليلاً من المال الآن إذا شئت أن…

فأسرع الشاب يقول:

ــ بالتأكيد.. أنت رجل معدم تقريباً، وأستطيع أن أتفهم ذلك جيداً. لهذا لابد أن نجريَ تسوية رضائية ترضي الطرفين.

أعطاه دحام ألف ليرة، ووعد بأن يعطيه مثلها بعد ثلاثة أشهر، حتى يسدد ما يترتبُ عليه من أقساط ثمناً للأرض. ثم تذكر زيدان فيما بعد، كيف خطر بباله أن يسأله:

ــ ولكن هل تأكدت تماماً، بأنه هو مالك هذه البرية المهجورة. وأنه هو حقاً صاحبها كما ادعى؟

أجاب دحام بتلقائية:

ــ لا.

ثم أضاف:

ــ ولقد سألني بعد أن منحته المالَ؛ إن كنتُ أريد إيصالاً بالمبلغ موقعاً بخط يده. فأجبته: هذا غير ضروري.. لست مهتماً..

وذهب الشاب.

لم يذهب نهائياً، وإنما عاود التردد على المكان، ومراقبة كل بيت أو كوخ أو خيمة أو حظيرة سوائم، قد تمت إشادتها في وقت لاحق، والاتفاق مع الجميع على أن يسددوا له مالاً على أقساط، كبدل بيع أو إيجار للأرض التي ادعى أنها ملكيته الخاصة. ولم يطالبه أيٌ من السكان الذين استوطنوا فيما بعد، بأية وثيقة تثبت صدقه في ملكية هذا الفضاء الخالي.  

بعد أن غدت حارة الصفيح عشرات البيوت، خطر ببال زيدان أن يسائل دحام ـ المؤسس الأول لهذا الحي ـ عن الاسم الذي أطلقه على الحي، أو الذي اختاره واستقر عليه السكان القاطنون فيما بعد، فأجاب:

ــ أنا سميتُ الحي “أرادامس”. والآخرون؛ كلٌ أطلق عليه اسماً خاصاً به.

فتعجب زيدان قائلاً:

ــ أرادامس..؟ هل هذا اسم نوع من الحشرات، أم هي مفردة آشورية أو آرامية منقرضة لتسمية شيء ما؟

قال دحام:

ــ لا.. إنها مفردة لا معنى لها. ذات مرة بالصدفة، وأنا في أول أسبوعٍ كنت أسعى فيه لبناء كوخي، أبصرتُ رجلاً مجنوناً هائجاً غاضباً يركب حماراً، وقد مر من أمامي وهو يشتم شيئاً اسمه أرادامس. كان يردد: لعنة الله على كل من تسبب في أن أعبرَ من أرادامس، أو أطأ هذه الأرض بقدمي. فأعجبني الاسم، وسميت المكان أرادامس.

ــ ربما كنتَ متوهماً.. ولعلك لم ترَ ذلك الرجل المجنون الغاضب، الذي تلفظ بهذه الكلمة التي لا معنى لها. ولا مرّ من أمامك يوماً.

ــ ربما. العيشُ دون مأوى لسنوات طويلة، في قيظ الحر وزمهرير الشتاء، يصنع أعاجيب.

بعد زيارة ذلك الشاب، مالك الأرض بحوالي تسعة أشهر، جاء رجل يركب دراجة عادية، وعلى ظهره حقيبة مليئة بالأوراق. قرع الباب على دحام، وثبَّت نظارته على عينيه، ثم استخرج من حقيبته دفتراً صغيراً، يشبه قسائم المدفوعات الضريبية التي يستعملها موظفو الحكومة، وقال بلا مبالاة:

ــ تفضل. استلم وصلك. واكتب اسمك الثلاثي في أسفل الصفحة، ثم وقع عليه..!

قال دحام دون اكتراث:

ــ وما هذا أيضاً..؟

ــ إنها ضريبة نظافة الشوارع، الخاصة بالمنازل والمحال التجارية.

ــ نظافة الشوارع..؟ والمنازل والمحلات..؟

………………يُتبع

*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like