حكاية العراق في سيرة امرأة …عن (جمر وندى … فصول من سيرة ذاتية) للكاتبة منى سعيد

صحفية ومترجمة وأديبة عراقية، صدر لها: (أتكىء على الحنين/ مجموعة مقالات، من يوميات مظلة/ مجموعة قصصية للأطفال، لها ثلاثة كتب مترجمة للأطفال عن اللغة الألمانية)، عملت في عدد من المؤسسات الإعلامية والثقافية العراقية المعروفة والخليجية، ساهمت في تأسيس العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية الخليجية.

يقول الأديب الأرجنتيني “خورخي لويس بورخيس”: ( إن الإنسان نصفه اختراع، ونصفه الآخر ذاكرة)، ولطالما أمكن تصديق هذه المقولة، لأن الذاكرة لا تعني الماضي فقط، ولا مجرد استذكاره أو العيش فيه، بل أكثر ما تعنيه هو حيوية هذا الماضي، وإمكانية دمجه في الحاضر لإضاءة المستقبل، وبهذا المعنى يُمكن تبجيل وتمجيد الذاكرة الحيوية والثرية التي دونتها الكاتبة العراقية “منى سعيد” في كتابها ( جمر وندى…فصول من سبرة ذاتية)، والذي يشي عنوانه بالكثير لما يضم بين دفتي هذا الكتاب الغني بالمعلومات.

يٌعتبر أدب السيرة الذاتية، خير مثال على أن الذاكرة حياة كاملة، إذ تختلف كتابة المذكّرات عن كتابة السيرة ، لأن الثانية تحتاج إلى شجاعة كبيرة، وصراحة غير معهودة في مواجهة المجتمع، وكسر حواجز المحرمات، فكاتب السيرة يحتاج لأن يسرد الكثير من الأحداث الخاصة والعامة التي شكّلت تجربته الخاصة، وهذا يتعدى البوح عن مكنونات الذات، إلى مواجهة صريحة وعلنية مع الآخر الشاهد على الأحداث، أو صانعها، أو المشارك فيها، إضافة إلى مواجهة الذات وتعريتها أمام الآخر، وهذا المستوى من الصدق والشجاعة والجرأة، غالباً ما نفتقره في كتابتنا الأدبية، وخاصة إذا كان من يكتب “امرأة”.

في أهمية السيرة الذاتية

  السيرة الذاتية ليست مجرد سرد لرواية حكاية “الأنا”، ولا لتمجيد الذات والاحتفاء بسجلات الذاكرة واستعادتها، بل أنها من أفضل الأجناس الأدبية التي تربط العام بالخاص، والتي تجعل “الأنا” تتجاوز ذاتها نحو الآخر والمحيط، فتتحول من سرد الذات إلى سرد السيرة العامة في لحظات زمنية متتابعة، لتعرّف القارىء على الكثير مما كان يجهله، وتفتح أمامه شغف البحث عن أحداث تاريخية، واجتماعية مهمة، ولافتة، وقد تكون سقطت سهواً أو عمداً من بين أقلام المؤرّخين، كما إن بعض ملامح الحياة الاجتماعية، غالباً ما تغيب عن قصد في التأريخ، فتأتي السيرة الذاتية لتجعلها في الصدارة، وربما هذا ما برعت به الكاتبة، فباقتدار فتحت أبواب الأسئلة عن أهم ملامح الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق، وذلك خلال أخطر مراحله التاريخية في العصر الحديث، إلا أن أهم ما حمله السرد، كان تلك من اللمحات الاجتماعية والقصص العائلية، والشخصية الحميمة التي سردتها بأساليب متعددة، لا تخلو من المرح والطرافة رغم ما تكتنفه من آلام ومشاعر مؤلمة أحياناً.

سنوات الجمر والندى

ما بين الجمر والندى تمضي سنوات “منى سعيد” التي سردتها علينا في هذه السيرة، والتي تروي حكاية عائلية من عائلات العراق، حكاية امتدت على مدار ستين عاماً وما زالت مستمرة، تتناول مراحل كانت مليئة بالاضطرابات السياسية والحروب التي تركت انعكاساتها على مصائر كل أفراد العائلة، بعلاقاتهم المتشابكة مع الأصدقاء والجيران والأقارب وزملاء العمل في مؤسسات مختلفة، والضريبة الكبيرة التي دفعوها جميعاً بسبب نضالهم السياسي، ودور كل منهم في الحراك الثقافي والمدني، والانتماء للحزب الشيوعي العراقي الذي تعرض كل المنتسبين له لمآسي من الصعب وصفها، ولعل أقساها في حياة الكاتبة كان تغييب الزوج وقتله تحت التعذيب، تاركاً طفلة وامرأة وحيدة في مواجهة أقسى ظروف مرت على العراق، فاستنفرت واستفزت كل طاقاتها من أجل الاستمرار.

نطوف مع “منى” مدن العراق، فمن “الحلة” حيث المنزل الأول للعائلة، إلى “بغداد” التي كانت مسرحاً مهماً لكثير من الأحداث بالغة التأثير في تجربة الكاتبة ومسيرتها الصحفية والأدبية، مروراً بالبصرة والموصل وديالى والفلوجة ..وغيرها، نتعرّف على أبرز وجوه الحراك السياسي “الحزبي”، والثقافي والاجتماعي، والوضع الاقتصادي، الذي كان قائماً في المجتمع العراقي، ومن نظام عبد الكريم قاسم إلى نظام البعث وصدام حسين، والحرب الإيرانية ومن ثم احتلال الكويت، إلى الحصار الطويل وما تركه من أثر كارثي على حياة العراقيين جمبعاً، إلى سقوط نظام البعث والاحتلال الأمريكي للعراق، وصولاً للانتخابات التي شهدها العراقيون بعد سنوات طويلة من استفتاءات ال99,99%.

في كل تلك المراحل الزمنية التي عاصرتها الكاتبة، وعاشت تفاصيلها، وتفاعلت معها بأوجه مختلفة من النشاط، وكانت جزء من بعضها أحياناً، تسرد لنا الأحداث بأسلوب سهل وشيّق، يقترب من الطابع الصحفي، الواضح والشفاف، متمسكاً بطابعه الأدبي الذي برز بشكل أساسي عند التعبير عن المشاعر الخاصة، والتي تمس الحياة الشخصية والحميمية العائلية.

ترحل بنا الكاتبة من عملها في الصحافة العراقية وعدد من المؤسسات الثقافية، وصولاً إلى عملها في الصحافة الخليجية، ورحلتها إلى أبوظبي وتجربتها الغنية مع عدد من المؤسسات الصحفية الكبيرة، وما بين الدوحة وأبوظبي ورحلات مهنية إلى عدد من عواصم العالم، نتعرّف على مسيرة مهنية غنية، وثرية جداً، وفي كل ما سبق لا يغيب صوت “منى” الإنسانة الشفافة، الصريحة، الواضحة، المتمكنة، والتي تنجح دائماً في الإمساك بخيوط حياتها، ويملأ حضورها حياة الآخرين بهجة، وثراءاُ عاطفياً وفكرياً.

المرأة – الأنثى

أبرز ما يلفت النظر في هذه السيرة الذاتية الحافلة، هو الحضور القوي ل“منى” المرأة والأنثى، التي لم تتخلَ لحظة عن طاقتها الأنثوية الغامرة، وأناقتها الدائمة، وتقبلها لذاتها كأنثى طافحة بالجمال والخير والعطاء، والفكر المتميز اللماح، وبكل شفافية الأنثى، نقرأ في الكتاب لمحات عن تفتّح جسدها كمراهقة، رؤيتها لنفسها كأنثى، عن تجارب الحب الأول وصدقه وبراءته، الزواج والحمل والأمومة، عن العلاقة مع الرجل، الزوج والأخ والأب والصديق والزميل، وحضوره في حياتها، وأسلوب تعاطيها معه بكل وعي وحكمة وتقدير، والحفاظ على الذات الأنثوية، والتوجه بشغفها وطموحاتها إلى أقصاها، وبكل استقلالية، دون خلق أي صدام مع الآخر/ الرجل أو تغييب أثره الكبير في حياتها.

كغيرها من كتابة السيرة الذاتية، لا تخلو رواية “منى” لسيرتها” من البوح، لكن أجمل ما جاء في بوحها، البعد عن لغة التأسّي وتمجيد الألم والتغني فيه، ورثاء النفس وتصويرها كضحية، كما يفعل غالبية من كتّاب السيرة، وخاصة النساء، إذ تغيب عن لغة الكاتبة الروح الانهزامية، الكئيبة، لغة الرثاء والتفجّع، فأمام كل مآسي الاعتقال والموت والحصار، وخذلان بعض الأصدقاء وخياناتهم، وخراب الوطن الذي حلمت به، خذلان الجسد أكثر من مرة أمام الأمراض..الخ، كل ذلك صورته الكاتبة بروح عالية، ولغة جميلة تجمع بين مفارقة الطرافة، والواقعية التي تذهب إلى تسمية الأشياء كما هي عليه، بدون تضخيمها ولا التقليل من حجمها، وهذا النمط من الكتابة يحتاج الكثير من الجرأة والشجاعة، والصدق، وتحمّل سهام النقد، فأن تكون “امرأة” وبكل هذه الصراحة والوضوح، أنه لأمر لافت في مجتمعاتنا المحافظة، ويُلقن دعاة النسوية دروساً مهمة .

في هذا المقام، لابدّ لي أن أذكر كم تغمرني السعادة، بأن ورد اسمي في الكتاب ضمن أسماء عدد من الصديقات العزيزات، ووردت صورة من الصور التي ضمها الكتاب، وتلخص محطات أساسية في حياتها، وهي صداقة تعلمت منها الكثير، وجعلتني أقف حائرة أمام هذا الكتاب، لأني أشعر أن شهادتي ستكون “مجروحة”، ولا يُمكن الحديث عن “منى” وتجربتها، دون أن أستذكر تفاصيل صحبتنا معاً، وأشعر بكبير الامتنان لحضورها في حياتي، ولا يمكن نسيان مواساتها لي عندما فقدت تباعاً عدد من أفراد عائلتي خلال السنوات الماضية، وعاشت مشاعري كلها حيال ما يجري في بلادنا، وما تعرض له أهلي من مآسي، وكم كان حضورها في حياتنا مصدر قوة وفرح، وكم تعلمت منها وما زلت أتعلم، من جرأتها وشجاعتها وصدقها، وقدرتها الهائلة على تحمل الألم بروح إيجابية، وكم مرة كنا نغص معاً بدموعنا عند سرد الحكايات عن العراق وأهله، التي طالما تلهفنا لسماعها منها، وكانت كأنها حكاياتنا في سوريا، لذلك كنت وأنا أقرأ ( جمر وندى) أتقلب بين دموع تغالبني، وابتسامات أحياناُ تتحول لضحكات عالية، عند قراءتي بعض العبارات وأتخيل“منى” تقولها أمامي، فيقفز وجهها الصبوح والمبتسم دائما ليملأ ذاكرتي، وتُزهر رائحتها في قلبي.

 ( جمر وندى… فصول من سيرة ذاتية) هو فصول من حياة العراق، وكل عائلة عراقية، وكل امرأة عراقية، وربما هو بطريقة ما فصول من حياتنا جميعاً، والتي تتشابه بشكل غرائبي.

كتاب جدير بالقراءة، وخاصة من قبل الأجيال الجديدة، والتي لا تعرف الكثير عن حياة الأجيال التي سبقتهم، وكان جديراً ولافتاً إهداء الكاتبة كتابها إلى من رحلوا وإلى الأجيال الجديدة، فهؤلاء أكثر من يحتاج معرفة حكاية بلادهم وهي تُروى بكل جرأة وشجاعة، وتحمل كل هذه المحبة وهذا الأمل.

*د.خولة حسن الحديد

*الأعمال الفنية للفنانة التشكيلية العراقية رؤيا رؤوف

6 thoughts on “حكاية العراق في سيرة امرأة …عن (جمر وندى … فصول من سيرة ذاتية) للكاتبة منى سعيد

  1. Maia Samaan

    منى البابلية وخولة العشتارية الجميلتان العابقتان بشبق الحياة الصافي والمتوجتان على عروش الحضارة مادامت الكينونة هي هويتكما النابضة بالحب اللامشروط …
    اتمنى النور والفرح لأرواحكم أينما كنتم وأينما حللتم ..

    1. kmarabia

      kmarabia

      مايا الجميلة دائما، شكرا لحضورك الدائم ولكلامك المريح وقلبك الأبيض. ولكِ كل الأمنيات الطيبة.

  2. Rouya

    العراقيه الأصيله والكاتبه المبدعه منى سعيد ،،،سرد مذهل باختزال جميل جدا ،، وما كتبته من حروف ذهبيه المبدعه خوله تتناغم تمامآ مع الفكره الأساسيه وتجسيدها بشكل رائع وجميل ،، أنا فخوره بما قدمتم من نص وسرد لائق ،، ولكم تحياتي الطيبه النابضة بالمحبة والإحترام

    1. kmarabia

      kmarabia

      كل الشكر والامتنان أستاذة رؤيا، ويسعدني أنه أعجبتك الكتابة، ويسعدني أنها جاءت منسجمة مع أعمالك الفنية الرائعة. شكرا من القلب. ودمتن والعراق وأهله بكل خير. أنتن منارتنا الدائمة.

  3. Rouya

    رائع جدا جدا وأنا سعيده لإندماج لوحاتي في كتابك الرائع وما نشرته الناقدة خوله حديد يتناغم تمامآ مع إبداعك في السرد المختزل الجميل الذي يجسد روائع متعدده ،، واختيار اللوحات التي توافقت تمامآ مع مشاهدك التي أبدعت بها وبدون مجامله يا منى أنا أفتخر بك ياابنة مدينتي بابل الحلة الفيحاء التي تربينا بها وشربنا من فراتها وهكذا نتعافى فكريآ وروحيآ وعسى أن يعطينا الله الصحه والعافيه لكي نكمل مسيرتنا الوطنيه الإبداعيه ونعكس للكون بأن العراق سيرتقي ويتصدر بمبدعيه .
    الرسامه العراقيه
    رؤيا رؤوف حسن

    1. kmarabia

      kmarabia

      تحياتي أستاذة رؤيا، يسرني جدا ويسعدني وجودكن بمدونتي، وأتشرف بحضوركن الجميل والمبهج وأنت مصدر فخر لكل امرأة عربية. وأستمسحك أني استخدمت أعمالك الرائعة في أكثر من مقال عن المرأة وأدبها وكنت أضع اسمك بالمقال لأنسب لك الأعمال كونك صاحبة هذا الإبداع الجميل، وحقيقة جدا معبرة أعمالك عننا كنساء عربيات، وجدا وجود أعمالك بموضوع الحبيبة منى ينسجم تماما مع شغلها كم ذكرتي حضرتك. تحياتي لكنّ، وكل المحبة للعراق الجميل مع الامتنان.

Leave A Comment

You May Also Like