آخر العنقود …. نص مؤلم ل”زيدون الجندي” …حكاية من حكايات الوجع السوري

زياد “زيدون” الجندي، كاتب سوري من مدينة السلمية، له عدد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان ( الراعي).

ليس لدي ما يشعرني بالتميز على الإطلاق، سوى أنني آخر العنقود ..
و كيف لا أشعر بالتميز، و أنا أسمع أمي تردد بمناسبة و بلا مناسبة، إن الحلا كله في آخر العنقود !؟
لكن هذه الصفة كانت وبالاً علي من ناحية أخرى، فقد كانت سبب غيرة أخي الذي سبقني إلى هذه الدنيا بعشر سنوات .. غيرة قاربت حد الكره ..
لقد احتفظ بقلب أمي و بلقب آخر العنقود لسنوات؛ ثم ﻷخطف منه اللقب فجأة، و أكون منافسه في القلب الذي لم ينافسه عليه أحد قبلي، فكثرت المكائد بيننا.. حتى بعد أن غادر بيت اﻷسرة لمتابعة شؤون حياته، وصار لا يأتي إلا كل مدة طويلة لزيارة أبوينا..
لم يُغير غيابه من جفائه لي، و بدا أنه لم يغفر لي احتلالي لمكانته في قلب الحنونة، فصرت أميل للبقاء أطول مدة ممكنة خارج البيت عندما يكون في زيارتنا، هرباً من متطلباته الكثيرة، والتي كنت أشعر بشكل أو بآخر أنها كانت من باب النكاية لا الحاجة .. و قد فشلت كل مساعي أمي للتوفيق بيننا ..


لكن ما فشلت فيه أمي نجحت فيه اﻷيام و دورتها القدرية، فقد انتهى بي المطاف بعد أن تسربت من المدرسة، و بات علي تأمين لقمة عيشي بنفسي، شريكاً في السكن مع شقيقي اللدود في إحدى ضواحي البؤس في العاصمة دمشق ..
كانت اﻷيام كفيلة بتغيير نظرة كل منا إلى الآخر .. و لعل بعد أمي عنا كان له أيضًا دوراً بذلك، و تحولت علاقتنا إلى اﻷفضل، ثم ارتقت لتبلغ مرتبة الصداقة .. ثم ما لبث أخي أن أخذ دور اﻷم الحنون .. لقد أصبح أمي بكل ما تعنيه هذه الكلمة .. فهو لا يوقظني صباحاً إلا و قد أعد طعام الإفطار، و لا يسمح لي بالمغادرة إلى العمل حتى أتناول فطوري ..
كان يعود من وظيفته قبلي بساعات، فلا يستغل ساعة واحدة للاستراحة ، بل كان يتفنن – وهو الطباخ الماهر – في إعداد العشاء، ولا يأكل منه شيئًا، حتى أعود مهما تأخرت ..
و أنا بدوري حاولت كثيراً أن أعامله بالمثل، فأهتم بتنظيف البيت أيام العطلات، و بغسل ثيابه، بما فيها جواربه ذات الرائحة المريعة دون تقزز ..
قررت ذات يوم أن أمنحه شيئًا من الخصوصية فأخلي له البيت في يوم العطلة، فقد خطر لي أنه يحتاج لذلك بعد أن انتبهت لتبادله المشاعر وإشارات الإعجاب مع جارتنا الجميلة، فاستيقظت باكراً وغادرت البيت قبل أن يستيقظ، و قد تركت له رسالة أنني خرجت في زيارة أحد المعارف، و ماكدت أصل إلى وجهتي حتى اتصل بي مقرعاً، شاتماً، طالباً مني العودة في الحال، و لم يترك لي فرصة قول أي شيء أغلق الخط ، فما كان مني إلا أن غادرت بيت مضيفي عائداً، و في رأسي ألف تساؤل .. ترى ما الذي دعا أخي ليتصرف بهذه الطريقة ؟؟ أو مالذي حدث ليستعجل بعودتي هكذا ؟! ..
كان الطريق إلى البيت يبدو أطول مما هو في الحقيقة، و الوساوس تصعّب علي مرور الخمسة عشر دقيقة اللازمة للوصول إلى البيت ..
عندما دخلت وجدته قد جلس إلى طاولة الإفطار، يمج سيجارته، و قابلني بابتسامة فسألته : خيراً ؟؟ ماذا هناك ؟؟
قال ببرود: ألن نتناول الفطور معاً ؟ ثم لدينا الكثير من العمل من أجل طعام العشاء ..
بدأ الدم يتصاعد إلى رأسي، و شعرت بنار الغضب تخرج من أذني، و قلت في سري: لا شك أن الرجل ما زال يعاني من سكرة اﻷمس ليفكر في العشاء عند الصباح !! .. لكنني ابتلعت غضبي وجلست ..
وفيما كنت أزدرد اللقمات بصعوبة جراء الغضب المكبوت، وقعت عيني على إناء مملوء بأورق العنب، ففتحت عيني على أقصاهما، و نظرت بوجه أخي و قد تلاشى الغضب من صدري دفعة واحدة، و حلت محله سعادة لا توصف .. فقد فهمت للتو لماذا استدعاني ..
طبخة ورق العنب بالتحديد كانت من أحب المأكولات على قلبي، خصوصاً أن شقيقي تفوق حتى على أمي براعةً بإعدادها .. و اﻷهم من ذلك كله أن تجهيزها بات طقساً احتفالياً يتكرر مرات قليلة في العام، غالباً أيام العطلات .. كان دوري يقتصر فيها على ملء الكأس عرقاً كلما فرغ، والبحث بين محطات الراديو عن أغنية مناسبة، أو تبديل أشرطة الكاسيت .. بينما أخي يحشو اﻷوراق بالأرز و اللحم بتؤدة، وعناية فائقتين .. نادراً ما كانت تنضج الطبخة قبل أن ننضج كلانا سكراً ..


مرت السنوات وعلاقتنا تتميز، حتى أصبحنا روحاً واحدة في جسدين .. لا نخرج إلا معاً، ولا نفرح أو نحزن إلا معاً .. وحتى أننا كنا نبكي معاً ..

أذكر أنه عندما سقطت بغداد بكى بحرقة، فبكيت لبكائه أكثر مما بكيت للحدث بحد ذاته، و شربنا كثيراً من الخمر، حتى نحى حزننا منحى الجنون والرقص، واتخذ بكاؤنا شكل الضحك الهستيري .. و تكرر اﻷمر في حرب تموز أيضًا .. لكنه لم يشاركني الفرحة أو البكاء في العام ألفين و أحد عشر، كان فقط يتابع ردات فعلي المختلفة بصمت .. كان يحاول منعي من الخروج أيام الجمع بشتى الوسائل .. فيستعطفني تارة، ويمارس دور اﻷخ اﻷكبر تارة أخرى، ثم ليعلن صراحة موقفه من اﻷحداث الجارية بالانحياز إلى النظام .. كانت صدمتي بموقفه لا تُطاق و لم أكف عن محاولة إقناعه بشرعية التحرك و سلميته، ولا يكف عن محاولة إقناعي بعبثية الحراك، و خطره على الوطن ككل ..
حاولت عشرات المرات اصطحابه معي، ليشاهد بأم عينه ما كان يجري، وكيف كنا نواجه الرصاص بصدورنا، لكنه كان يرفض ذلك رفضاً قاطعاً .. و مع مرور اﻷيام كانت الهوة بيننا تتسع..
وجه أخي أخذ بالتغير تدريجياً، من وجه كان يضيئ حياتي إلى ذلك الوجه الممتلئ كرهاً لكل شيء ..
كان نظرته إلي تحمّلني وزر انقطاع التيار الكهربائي المتكرر .. و تحمّلني وزر تقطع الطرقات بالحواجز..
ووزر انقطاع الاتصالات المفاجئ ..
حتى ظننت أنّي المسؤول عن اقتلاع أظافر أطفال درعا !!
ذات مساء دوهم البيت واعتُقلت، و فيما كانوا يقتادونني كالخروف، نظرت في عيني أخي، فلم أر فيهما إلا الشماتة، و كأنه يقول لي : احصد ما زرعت .. …

حتى عندما قال لي مطمئنًا : لا تخف، لن تتعرض ﻷذى إن لم تكن متورطاً بعمل تخريبي ..
كانت كلماته أقسى من أعقاب السجائر اللتي أُطفئت بجسدي في المعتقل، و أقسى من صعقات الكهرباء، ومن جلد السياط .. كانت أشد وقعاً علي من كل ألوان العذاب الذي ذقته خلال شهور من الاعتقال .. في أوقات راحة السجانين بين كل جولتي تعذيب، كنت أنظر إلى بقع جلدي المهترئ، و آثار التعذيب اﻷخرى، فأرى فيها وجه أخي باكياً لحالي .. و أرى فيها الدليل القاطع الذي سأقدمه له على وحشية السجان، وأمنّي النفس بأن يعتذر لي، فأسامحه على الفور و أستعيده من حيث هو إلى صفي .. هذا فيما لو كتب لي الخروج حياً من هناك ..
انتهى الكابوس أخيراً .. أُطلق سراحي ..
كنت في حال يلين لها قلب العدو قبل الصديق …وصلت إلى البيت و طرقت الباب، و ناديت أخي مراراً و تكراراً، فلم ألق جواباً، حتى خرج جارنا، فأدخلني بيته بعد أن أخبرني أن أخي غير موجود ..
ساعدني الرجل بالاستحمام، و تبديل ملابسي المتصلبة قذارة .. و كل ما كررت السؤال عن أخي أو أتيت على ذكره تغير لونه، ويجيبني باقتضاب أنه غير موجود، و لا يعلم أين ذهب …

تناولت في بيت جارنا أول وجبة طعام بشري منذ شهور .. صباح اليوم التالي صارحني الجار بحقيقة غياب شقيقي .. قال أنه أُلقي القبض عليه من قبل مسلحي الغوطة، وخرج قبل أقل من شهر من الأسر، بحال لا تقل عن حالي سوءاً..
سألته بفزع و قد أمسكت ياقة قميصه: و أين هو الآن ؟؟؟ أين هو أخبرني أرجوك !!
قال: لقد التحق بصفوف الدفاع الوطني ..
عندها فقدت الإحساس بكل شيء .. صمت طويلاً قبل أن أنفجر باكياً .. بكيت كل العذابات التي ذقتها في السجن، و صمدت أمامها .. بكيت كل لحظة جميلة جمعتني به يوماً ..
وبكيت ﻷنني أيقنت أننا لن نلتقي بعد اليوم ..
غادرت بيت مضيفي، و تدبرت أمر مغادرة الوطن إلى دولة مجاورة، حتى دون أن أزور أمي، ضارباً بعرض الحائط لهفتها لرؤيتي، والاطمئنان علي، واكتفيت بطمأنتها هاتفياً ..
كنتُ قاسياً معها، لدرجة أنني تجاهلت كل توسلاتها لي بزيارتها، ولو ليوم واحد فقط، وأخبرتها أنني سأعود قريبًا عندما يرحل الجزار ..

كنت واثقاً من رحيله .. مرت أيام لجوئي ثقيلة مرّة لا تُطاق .. وحده حلمي بالحرية ما كان يعينني على الصمود في وجه قسوة الظروف ..
مرّ عام كامل على لجوئي، كنت خلاله مع كل اتصال بأمي، أزداد ندماً على عدم زيارتها قبل الرحيل .. حتى بلغني إنها مريضة جداً، فقررت السفر إليها على الفور ..
كل الدروب أصبحت وعرة .. درب الهروب و درب العودة، و حده درب السماء كان سهلاً و لا حواجز تقطعه .. لذلك كنت ممنوناً أنني وصلت إلى مدينتنا، دون أن يعاد اعتقالي فتموت أمي في غيابي ..
كنت أحث الخطى، وكأنني في سباق مع الزمن، أو مع الموت، أسابقه إلى حيث أمي، عساي أحظى بنظرة رضا من عينيها ..
فوجئت في نهاية الشارع الأخير الذي يفصلني عن بيتنا بتجمع حاشد، كانت هتافات الحشد للحرية تبلغ عنان السماء، .. كاد الحماس يأخذني فأنضم للمتظاهرين .. لكنّي خفت أن يحدث ما يؤخرني عن أمي أكثر فأندم ، فعدت أدراجي راكضاً، ﻷفاجأ بمجموعة من ميليشيات السلطة قد قطعت الشارع و حاصرت المظاهرة .. تابعت سيري باتجاه المسلحين راجياً أن أنجح باقناعهم أن وجودي هناك كان محض صدفة .. لكن واحداً منهم تقدم نحوي مصوباً سلاحه إلي .. عندما وصل صرخ بي : ألم تتعظ بعد !!
انجلى ضباب الخوف عن عيني ﻷجد نفسي أمام أخي وجهاً لوجه ..
قلت و أنا أقترب منه : صدفة .. والله إنها صدفة .. وصلت قبل قليل أريد أن ..
فقطع كلامي، و تراجع خطوات ومايزال سلاحه مصوباً إلي : قف مكانك .. إياك أن تتقدم أكثر !! ثم أسدل سلاحه و تغيرت ملامحه قليلاً فبدا أكثر وداعة .. أردت أن أغافله بعناق، لكن علا صراخ رفاقه في الخلف : اقتله .. أجهز عليه !!
فأعاد التصويب إلى رأسي وقد توحش وجهه كلياً، حتى ظننت أنه قاتلي لا محالة، فقلت مستعطفاً : ألن تمنحني قليلاً من الوقت لرؤية أمي ؟؟!! ألن تطبخ لي ورق العريش ؟؟؟
فقال لي: اركض باتجاه الجمع لعلك تنجو، و استدار راكضاً صوب رفاقه .. و لم أركض بضع خطوات حتى لعلع الرصاص خلف،ي ففقدت الشعور بالمحيط كاملاً ..

عندما استعدت وعيي، وجدت نفسي في بيت لا أعرفه، وحولي العديد من المصابين، والهدوء يخيم على المكان تخرقه بين الحين والآخر أنات مكتومة صادرة عن هذا الجريح أو ذاك .. أما أنا فلم أكن أشعر بأي ألم .. ثم ما لبث أن ارتفع الضجيج في الشارع، ناجم عن زعيق عجلات سيارة ثم تبعته أصوت الناس ..

قال أحدهم: إن سيارة أمنية ألقت بجثة شاب في الحي و غادرت مسرعة .. تحاملت على جراحي و خرجت أستطلع اﻷمر، متجاهلاً تحذيرات الممرضين والجرحى، من تأثير ذلك علي، ومن احتمال انكشاف المكان الذي نتلقى العلاج فيه .. اخترقت الجمع المحيط بالقتيل، وألقيت نظرة فتسمرت عيناي على الجثة ..
لم يمنعني التشوه الذي لحق بوجه الجثة من التعرف إلى صاحبها .. صرخت صرخة مدوية تمزقت معها أحشائي، كما تمزقت كل الصور التي كانت حتى تلك اللحظة عالقة في ذاكرتي، و انكببت على الجثة أشم رائحتها، لتؤكّد لي الرائحة أكثر بأنها عائدة ﻷخي .. ثم ساد سواد و صمت مطبقين.
لا أعرف متى استعدت وعيي في المكان الذي خرجت منه ، كانت نظرات رفاق الجراح المرتابة، تخترق ما تبقى من روحي ..
أحدهم حمل هاتفه و اقترب مني زاحفاً، ثم أراني صورة أخي معروضة على أحد صفحات الفيسبوك، و سألني بتشفٍ: هل هذا أخوك ؟؟
فخطفت الجهاز من يده، و تمعنت طويلاً بالصورة، ثم شعرت بسلام داخلي فابتسمت للمرة اﻷخيرة ..
حتى الموت لم يمنعني من محاولات استرداد أخي، فقد بقيت روحي طويلاً تجوب السماوات السبع بحثاً عن روحه، و كلما شعرتْ بالتعب تعود لتحوم فوق المقبرة، حيث كانت أمي تتوسط قبرينا، تنتحب و تنثر على رأسها التراب .

*الأعمال الفنية للفنان الفرنسي “بول سيزان”.

Leave A Comment

You May Also Like