الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج16

                    ــ 15 ــ

تعاون دحام وزيدان، كلٌ بطريقته الخاصة في شرح مشكلة زيدان، حتى أنهما لم يتركا تفصيلاً صغيراً لم يذكراه، أو يُفَصلا فيه للساحر جمعة. وظل الساحر صامتاً يصغي بانتباه لكل حرف يقولانه، حتى فرغا من عرض المسألة. وخيَّم صمت وانتظار متبادل بين الرجال الثلاثة، فقال الساحر جمعة:

ــ هل أفهم أن خوف الأخ زيدان من هذا الشبح الذي يتخيله، والذي يدعوه مصعب أبو الحكم، هو مرض؟

قال زيدان:

ــ لا أدري. عليك أنت أن تجيب على هذا السؤال.

ــ ولستَ متأكداً بأن هذا الكائن موجودٌ أم لا؟

ــ ما أنا متأكد منه، أنني لا أعرفه، ولم ألتقِ به يوماً. لكنني واثقٌ بالمطلق أنه يلاحقني. وأن نهايتي سوف تكون على يديه.

ــ هذه مشكلة كبيرة. وبصراحة لم أصادف حالة كهذه في حياتي كلها.

قال دحام:

ــ نعم أعترف بأنها مشكلة. ولولا ذاك، ما جئناك نسعى لتوسل حلٍ من الحلول. نريد أن نعرف؛ هل لهذا الشخص الذي يهدد زيدان، من وجود حقيقي، أم أنه مجرد وهم من الأوهام، وشيء مُتَخيَّل؛ ليس أكثر؟

سكت جمعة. وغرق في تأملاته الخاصة، يتفحص في ذهنه المشكلة من أساسها، قبل أن يستفسر:

ــ في أي سنٍ كان عمرك حين شعرت، أو انتابك هذا الشعور، بأنك مهدد بالقتل؟ أعني منذ متى بدأ هذا الشعور يلاحقك ليلاً أو نهاراً؟

ــ لست أدري. أنا عاجزٌ عن تذكرِ أي شيء، أو تحديد ذلك بالضبط.

ــ أعني بسؤالي؛ قبل المعتقل أم بعده؟

ــ ربما قبله وربما بعده. لا أستطيع التحديد. وربما منذ الطفولة، وربما وأنا كبير في السن.

ــ سوف أحتاج في البداية إلى عدة أدوات، ومواد لتحضير السحر. بعضها متوفر يسهل الحصول عليه، وبعضها الآخر، سوف نواجه صعوبة في الحصول عليها، لإتمام شرط السحر المطلوب.

قال دحام:

ــ مواد مثل ماذا..؟

ــ أحتاج إلى صندل وبخور وجاوي. وإلى بعض دهن شجر القرفة وجذور العاقوب. وهذه متوفرة، ويسهل الحصول عليها. لكنني سوف أحتاج في الوقت نفسه، إلى “فَرْج ضبعة”، لكي أعمل على إخافة هذا المدعو مصعب أبو الحكم. وهذا على الأغلب شيطانٌ وليس إنساناً. ولذلك سأعمل على ضَبْعِهِ، بحيث أجعله يرتجف كالمرعوب من زيدان، فلا يعود إلى مقاربته، لا في التذكر، ولا في صورة من صور التخيلات والأوهام، ولا حتى في المنامات الكثيرة التي يراه فيها.

قال دحام كالمحبط:

ــ فَرْج ضبعة؟ كيف يمكن الحصول على هذا الشيء؟ من جهتنا، أنا وزيدان؛ نحن لن نستطيع تأمين هذا الشيء لك.

ــ لا عليك أبو عبود. لا يوجد مشكلة في هذه الدنيا إلا ولها حل. أنا من سوف يسعى لتأمين فَرْج الضبعة، وليس أنتما.

ــ وكيف ستحصل على فَرْج ضبعة؟ بل إن الضباع في سائر منطقتنا أصبحت في حكم المخلوقات المنقرضة، التي لم يعد لها من وجود في سائر هذه البلاد؟ 

قال دحام. فيما تساءل زيدان:

ــ ألا يمكن تجاوز هذا الشيء. أعني فرج الضبعة؟ ألا يمكن للأمر أن ينجح بدون الحصول عليه؟

ــ مستحيل..! ففي مشكلتك هذه، أنت تحتاج إلى سحرٍ أسود، وليس إلى سحرٍ أبيض. كسائر الأعمال التي نعملها في أوفاق المحبة، أو جلب الحبيب، أو إفساد طلاق مثلاً. يجب أن تلاحظوا أننا سنخوض معركة شرسة مع مصعب أبو الحكم. معركة يجب أن ينتصر فيها زيدان على شيطانه؛ هذا المدعو مصعب..

قال دحام:

ــ وأنت أهلٌ لهذه المعركة يا جمعة. لا أعرفك تخوفت من فشل، أو أوليتَ قلقاً لمشكلة من مشاكل هذه الحياة أبداً.

ــ إلا الحرب..

عقب الساحر جمعة، فيما يشبه اعتراضاً على ملاحظة دحام.

ــ إذا صحَّ أن هذه الحرب واقعة كما يقولون، فأعتقد بأنني انتهيتُ، لا محالة.

لكن زيدان تساءل، فيما يشبه الحيرة والقلق:

ــ وكيف تعرف أن هذا الوحش الذي سوف تصطاده هو ضبعة أنثى وليس ضبعاً ذكراً؟

ــ لست أنا من سوف يصطاده، إنما أنا أتعاقد مع أشخاص بعينهم، منذ فترة طويلة، في إحضار فروج الضبعات لي بعد اصطيادها. هم عملاء تجاريون لي منذ سنوات طويلة، وإنني أدفع لهم ثمن صيدهم. ولم يحدثْ أن اختلفتُ معهم مرة واحدة.

وفي هذه الأثناء تعالى صوت الأطفال من خلف شقوق الباب والنافذة: “نحن سوف نذهب عمي جمعة. هل تريد منا خدمة يا عم جمعة؟ إذا كنتَ تريدُنا لأمرٍ ما؛ فنحن مستعدون لخدمتك في كل ما تطلب؟”.    

ومرة أخرى تجاهلهم الساحر، فلم يلتفت إليهم، وكأنهم شيء غير موجود من أصله، أو أنه لم يسمعهم البتة. كان الساحر أثناء ذلك، يقوم بين لحظة وأخرى، يتفقد فيها الزائرة الخليجية، في الغرفة المجاورة برهة من الوقت، ثم يعود إلى مكانه. ويحاول أن يتساءل عن أوضاع الحارة، وعن أخبار سائر أهلها، من زيدان ودحام. فراح يسأل دحام:

ــ ألم تعدْ زوجتُك بانة، بعد أن غادرت في المرة الأخيرة؟

قال دحام:

ــ لا.

ــ هل تريد أن أعمل لكما وفقاً يعيدها إليك؟

ــ لا. لا أريد. طالما تمنيتُ أن تذهب ولا تعود. المشكلة كلها تكمن في ابني عبود، فهو يعتقد بأنني أسأتُ إليها، ولم أكن منصفاً. مع أنه مخطئ جداً في هذه المسألة. فأنا لم أظلمها أو أبخسها حقاً، رغم الكراهية المتبادلة فيما بيننا.

ــ إذا كنتَ تريد، أستطيع أن أعمل سحراً أبيض لابنك عبود، لكي يحبك ويصبح ودوداً معك؟

ــ لا. لا أريد. حتى هذه لا أريدها. وليس بي رغبة لأن يحبني.

ــ وأبو الجنجل، ذلك العجوز الذي يسكن في حظيرة الماعز في بيتك؟ لقد عالجته من آلام ظهره بالأعشاب والسحر الشهر الماضي، حتى شفي تماماً.       

ــ مسكين أبو الجنجل. قليلون من يدركون أن هذا العجوز يحمل قلباً طيباً، ويتمتع بنبل وحسن طوية، قلَّ نظيرهما في هذا العالم.

ــ ماهي قصته؟ وكيف نشأ هذا الرجل؟ كأنه مقطوعٌ من شجرة، ولا أحد له في هذا العالم؟ وهل كان قاطع طريق في بداية نشأته، كما قيل..؟

*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

       

Leave A Comment

You May Also Like