“النطاسي” … لزيدون الجندي،عن أوجاع الفقد وحب الانتقام

زياد “زيدون” الجندي، كاتب سوري من مدينة السلمية، له عدد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان ( الراعي).

لا بدّ وأن تكون استبدت بك يوماً أغنية، أو مطلع أغنية أو شطر منها .. بضع كلمات تسيطر على لسانك بعد عقلك، فلا تجد نفسك إلا و أنت ترددها أما جهراً، وأما همساً، أو في قلبك .. ليس بالضرورة أن تكون مولعاً بتلك الأغنية، ولا حتى معجباً بها ولا حتى تحبها .. لكنها مع كل ذلك تسيطر عليك .. و ربما العكس .. ربما تكون أغنيتك المفضلة، و ربما مرتبطة بذكرى معينة تقبع في أقصى زوايا الذاكرة، فتتحول تلك الأغنية من أداة إحياء لذكراك تلك إلى لازمة ترددها بكل المناسبات،  و حتى بدون أي مناسبة..

وأصعب ما قد يواجهك، هو أن تكون قد حفظت  تلك الكلمات عن عزيز فقدته ذات يوم،  و الأصعب والأمرّ هو أن يكون ذلك الفقيد قد رددها يوماً أمامك تعبيراً عن حزن أو ألم،  فتصبح صورته الكئيبة ملازمة لك طيلة احتلال لازمتك الغنائية،  كما حدث معي عندما كان صديقي  حمود يردد ونحن في طريقنا إلى المشفى الميداني مسابقين الوقت، لمحاولة إنقاذه بعد تعرضه لإصابة إثر غارة جوية أسدية على مدينته كفرنبل.. يومها سألني بما تبقى لديه من أنفاس: 

ألست ابن البادية ؟

قلت مستغرباً سؤاله في تلك الأوقات العصيبة:  بلى .. و كأنك لا تعرفني يا ولد ..

فأردف قائلاً:

أذكر أننا ذات سكرة كنا نستمع لمطرب شعبي من منطقتكم اسمه “أبو صادق حديد”، كانت المرة الأولى التي أستمع إليه فيها.. 

قلت نعم .. و قد أدمنت هذا النوع من الفن صحيح؟؟

قال نعم صحيح.. 

صمتَ حمود، فاحترت ما إذا كان ينبغي علي تحريضه على متابعة الحديث، فيسلى عن أوجاعه أو أن أتركه يرتاح، و أي الحالتين أفضل لحال كحاله،  فاكتفيت بالنظر في عينيه اللتين تغالبانه.. 

قال لي:  لا أتذكر مما غنى مطربك هذا، إلا عجز بيت من العتابا يقول فيه: 

“النطاسي العاين جروحي رثى لهم

تأسف قال ما عندو دوا “

ثم تابع بصعوبة :

هل تعتقد أن نطاسينا سيتأسف لحالي ؟؟

قلت له بحزم: 

اخرس .. ما هي إلا إصابة تُشفى ..

فخرس الشاب كما لو أنه نفذ أمراً .. لكن لم يكن أمري .. كان أمر من يُنطق، و يُخرس متى شاء ..

لم يكن حمود من أصدقاء الطفولة و لا من رفاق الصبا، بل كان رفيق الدرب، درب اخترناه رغم إدراكنا لوعورته ورغم يقيننا أنه قد يفضى إلى هاوية سحيقة، لكننا اخترناه بكل الأحوال لانعدام دروب غيره..  لم نكن نريد حمل السلاح لكنه فرض علينا فرضاً.. 

بضعة شهور قضيناها معاً كان أجملها عندما نتعرض للقصف، و ننجوا فنتحتفل على طريقتنا، بعيداً عن شر العيون المؤمنة ..

يوم خرس حمود لم أبكِ، إذ كنت ككثيرين استهلكت كل قطرة دمع قبله، و استعضت عن الدمع بالوعود..  وعود بالثأر وعهود بالاستمرار .. قلت لحمود المسجى أمامي يومها: 

وها قد أثقلت كاهلي بخمسين أُخر يا صاح.. !

وعنيت أنني سأقتل به خمسين رجلاً من أتباع المجرم.. 

كانت الأحلام كبيرة تلك الأيام،  و كان الإصرار يزداد على الثأر مع كل شهيد يسقط،  فلا أجد مانعاً أن أطلق عهداً بـ”خمسين” جديدة كلما ارتقى شهيد ..

مع مرور الأيام، وتطورات الأحداث، وتغير مجرياتها، أصبحت تلك الخمسينات التي عاهدت نفسي أن أفي بها مهما كلف الأمر، واحدة من المستحيلات، و ما من منقذ لي من كل هذا الدين الثقيل، إلا أن يُخرسني ذاك الذي أخرس حمود.. 

صارت النجاة روتيناً يومياً، و لم تعد مناسبة للاحتفال، بل لا أبالغ إذا قلت إنها صارت مناسبة للحنق و الغضب .. أصبحت أرى القذائف و الرصاصات تمر قربي مادةً لي لسانها، أو إصبعها الوسطى، و كأنها تقول لي: 

(ابق حياً ولنر إن كنت ستفي بعهودك .. )

كنت أتمنى في كثير من الأوقات أن أعترض طريق إحداها، لكنني خشيت أن يكون آخر ما أشعر فيه لحظات موتي هو “الخِسة” .. كانت ترعبني فكرة أن أموت خسيساً ..

وترعبني أكثر فكرة أن أموت، دون أن أفي ولو جزءاً يسيراً من الخمسينات التي في رقبتي .. ولو خمسين واحدة على الأقل ..

حتى الأحلام التي كانت يوماً وردية ثم حمراء فاقعة، أصبحت رمادية، قبل أن تتحول إلى كوابيس مرعبة، بعد أن شاء “المُخرس” أن يخرس حتى من لا يزال على قيد الحركة، ولن أقول على قيد الحياة.  

استسلمنا جميعاً بطرق مختلفة..  بعضنا خمد،  وبعضنا همد،  وأكثرنا تبلّد، وطائفة منا اختارت أن تقاتل، فتقتل وتقتل لأي سبب كان، حتى لو ارتزاقاً ..

لا أعلم بالضبط لأي فئة أنتمي ممن ذكرتهم .. الخامدين .. الهامدين أم المتبلدين.. و لا أظن أن ذلك مهم .. المهم أننا نتشارك في قلة الحيلة، أو عدم النفع ..

و لم يبقَ لي من ذكريات الحرب و الثورة، إلا آخر ما قاله حمود الأخرس: 

“النطاسي العاين جروحي رثى لهم

تأسف قال ما عندو دوا”

والتي أصبحت كأنفاسي تلازمني طالما أتنفس .. حاولت كثيراً أن أتخلص منها،  لكنها كانت عنيدة عناد الثوار وأكثر..  فاستسلمت لها، و قد خبرت فنون الاستسلام،  وصرت أتلوها متجاهلاً الذكرى المرتبطة بها ..

أتلوها لحظة أصحو من النوم .. وخلال العمل، و أثناء تصفح الانترنت، و في الحمام، وفي أوقات الانتظار، وحتى بوجود أشخاص سواي في المكان الذي أكون فيه.. ولا شيء يمنعني عنها، أو يقاطعني إن بدأتها حتى السعال الشديد الذي بت أعاني منه مؤخراً، فتراني متمسكاً بتلاوتها أثناء نوبة العال تمسكي بأنفاسي، خصوصاً و أنا أتفحص مشحات الدم التي تخرج من صدري مع السعال ..

لم أشعر يوماً بجدية تلك اللازمة و ضرورتها أكثر من اللحظة، التي كنت فيها أراقب وجه الطبيب، وهو يتمعن بالتحاليل والصور التي أرغمت على تنفيذها لمعرفة سبب ذلك النزف من صدري،  لكأنني كنت موقناً أن الطبيب سيتأسف ويقول لي ما عنده دواء ..

صحيح أنه لم يقلها صراحة، لكن كل ما في وجهه قالها، وهو يشرح لي خطوات العلاج، قلت له يومها: 

أيها الحكيم، أتسمي ذلك علاجاً ؟؟!! ..

ما ذاك إلا إطالة للعذاب فلا تكن قاسياً علي .. قل لي أن الأمر مقضي، و مرني بلزوم فراشي إلى أجل الخرسان العظيم ..

جادلني الطبيب، وحاصرني بجهلي الطبي والفقهي على حد سواء، لكن كل ما قاله بدا واهياً لا قيمة له،  فانتصبت واقفاً، و قد شعرت أنني ولدت للتو، و قلت بصوت فرِح:

إنه موعد سداد الديون، ولا وقت لدي أضيعه في جدل عقيم .. إنه موعد الخمسين الأولى و ربما الأخيرة ..

وانطلقت غير مكترث بأسئلته عن أي خمسين أتحدث، أو عن كلامه حول مقارعة السرطان بالمعنويات العالية، والإيمان بالعلم من بعد الله ..

كان لدي الكثير لأفكر فيه..   كيف أحصل على أدوات تنفيذ المقتلة المزمع إنجازها،  ووضع قائمة المقتولين وخطة قتلهم..  إضافة لتوزيعهم على الدائنين ..

خمس لحمود .. ثلاثة لفرات .. عشرة لزوجتي، والباقي سيكونون من نصيب أمي..  فكرت قليلاً بخواطري وقلت لنفسي: 

تباً للنفس البشرية..  حتى في توزيع القتلى تجد نفسك منحازاً لشهيد دون آخر تبعاً لقرابتك به!! ثم توصلت لأن أهدي الخمسين كلها للشهداء كلهم، و ليقتسموها كيفما يشاؤون..  كل تلك الأمور كنت أفكر فيها عند خلودي للفراش،  أما وقت العمل فلم يكن لدي متسع من الوقت لكل تلك السخافات، فما تبقى من عمر أقصر من أنفق منه لحظة واحدة في التفكير في غير المهمة الأخيرة، و لا حتى لتلاوة لازمتي نفسها: “النطاسي العاين جروحي رثى لهم ..”

كنت سعيداً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى،  فلا سعادة تضاهي سعادة سداد الديون .. سواء كانت تلك الديون مستحقة لبقّال أو لشهيد.. 

واحد .. اثنان .. ثلاثة .. آها!!  هذا دسم جداً .. أربعة .. خمس .. تسع و أربعون !!

تباً لي!!  كيف لم يخطر لي ذلك قبل أن أعلم بدنو الأجل !! .. مهما بلغت من الإيمان و القناعة و التضحية حد التهور، فثمة أنانية مختبئة في إحدى مكامن نفسك .. تباً لنا جميعاً..  قلت ذلك و أنا أتحين فرصة اصطياد الغراب الخمسين، وقد عزمت على الإعلان عن اقتناصه على مرأى الناس جميعاً..  أردت إيلام أعدائي لهذا الحد .. سيصابون بالجنون حالما يعلمون أن الموت المحتوم سيكون طوق نجاتي منهم ..

صرخت ملئ حنجرتي، وأنا أجهز على الضابط الكبير الذي كان يتناول عشاؤه في أحد المطاعم الفاخرة: 

لعيناك يا حمود .. ساد الصمت و تجمد كل من في المطعم، عندما وضعت رصاصة في رأسه، فوجدت الوقت لمغادرة المكان، و أنا أخاطب الشهداء والأحياء معاً:

(إنه عجل سمين سيكفي مئة دائن) ..

وصلت بيتي بانتظار أن تأتي دورية لاعتقالي، أو لقتلي، و قد قررت ألا أقاومهم .. أردت أن أتلذذ بغيظهم وأنا أخبرهم أنني مصاب بالسرطان، و أن أيامي معدودة، ولن يتمكنوا من شفاء غليلهم مني ..

جلست قرب المدفأة أنتظر وصولهم….عجبت كيف قرعوا الباب بهدوء!!  إنها ليست عادتهم .. فتحت الباب مبتسماً ابتسامة المنتصر، لأفاجأ بالطبيب يقرعني قبل السلام، و يقول لي: 

أين اختفيت أيها الأحمق؟؟!! .. و لماذا تقفل هاتفك؟؟!! .. ثم يتابع بأقل حدة: 

لا أعلم من هو الأكثر حمقاً .. أنت أم أنا، أم موظفي المشفى الذين أعطوك نتائج فحوصات تخص شخصاً آخر !

  • اللوحات الفنية للفنان النرويجي ” ادوارد مونك / مونش”.

1 Comment

  1. Taghreed

    ترسم بكلماتك تاريخ ثورة كنت ومازلت من ثوارها الشرفاء عشاق الحرية وبناء دولة العدل والكرامة.. الخسة والعار لكل من أيد القاتل والقتل وخان الدماء الطاهرة وتضحيات الأبرياء… رائع جدا ماتبدعه وننتظر منك أكثر زيدون العظيم

Leave A Comment

You May Also Like