الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج17

                    ــ 16 ــ

قال دحام:

ــ أبو الجنجل رجل طيب القلب بالفعل. حين بدأ حياته في شبابه الأول، منذ عقود طويلة قبل اليوم، كان يشتغل قاطع طريق في الطرقات المنقطعة الخالية، قبل أن تعمر هذه البرية التي نسميها أرادامس. خاصة على الطرقات القديمة، التي كانت تصل المدينة ببقية المدن والقرى. دائماً كان هنالك مسافرون محملُّون بكل ما لذَّ وطاب، من أبهج متع هذه الحياة الدنيا؛ حلاوة حلبية، دبس عينتابي، طحينية، سكاكر تسمى حامض حلو، صابون غار أصلي، وأنواع من تلك الحلوى الرائعة الملونة. ولا يُعدَم الأمر أحياناً، وعلى فترات متباعدة، من بقايا صندويشات كباب، وأنواع من الفواكه والخضار، يعرفها أبو الجنجل بأشكالها وألوانها الزاهية وطعمها اللذيذ، ولا يعرف أسماءها، وحلويات حلبية كانوا يشترونها من حلب كأشياء نادرة، أو هدايا لا مثيل لها.

كانت عدة أبو الجنجل تلك البارودة الألمانية، من بقايا الحرب العالمية الثانية، والتي لا يعرف أحدٌ ـ حتى هو ـ  كيف ولا من أين حصل عليها، وهي عموماً بارودة لا ذخيرة لها في كل أنحاء البلاد، وأبو الجنجل لم يحشُها بأية رصاصة أبداً منذ حصل عليها. بل ولم يعتبر في أي يوم، أن الذخيرة مسألة ضرورية وهامة بالنسبة للبارودة. ولقد قال لي مرة، وهو يحدثني عن ماضيه البائد:

ــ الحصول على رصاص يصلح لمثل هذه الأسلحة أمرٌ ميؤوسٌ منه، ولا حاجة للمرء أن يفكر به.

لكن تلك البارودة القديمة، الألمانية الصنع، مع ذلك، ظلت السلاح الوحيد الذي يستعمله في مهنته الوحيدة، التي لا يحسن غيرها، ألا وهي قطع طريق المسافرين في البوسطات القديمة، خلال سائر تلك الطرقات، وسلبهم ما يملكون تحت تهديد السلاح. والسلاح هنا

بالطبع، هو بارودة أبو الجنجل. 

كان أبو الجنجل يستيقظ عادة قبيل الفجر كل يوم، فيتوضأ ويصلي الصبح، ثم يعلف عنزاته، ويرتدي كامل ثيابه، ثم يتوكل على الله. وكان يردد دائماً، وهو خارجٌ من بيته، أن على الإنسان أن يأخذ بأسباب الرزق، وأن “يسعى في مناكبها”، كما يقول. فالله يقول للعبد كل صباح، على حد تعبير أبو الجنجل: يا عبدي، إسعَ لأسعى معك. والبارودة الألمانية الفارغة من الذخيرة، كانت كافية لجعل أي سائق بوسطة على “الخط”، كما يسميه أبو الجنجل، يوقف آليته المليئة بالركاب، ثم يَصُفَّها جانب الطريق، بعد أن يَنزلَ رافعاً يديه إلى الأعلى، وآمراً جميع الركاب أن ينزلوا بهدوء، وهم رافعو أيديهم كالأسرى، وعادة ما ينادي السائق على الركاب: يا أخوان، سوف نتوقف خمس دقائق، أو ربما عشر دقائق.. فهذا الموضع من الطريق، هو محطة توقف إجبارية. إنها محطة أبو الجنجل. هكذا كان يدعوها جميع السائقين.

ثم يبدأ أبو الجنجل بالصعود إلى البوسطة، بعد أن يكون الركاب جميعاً قد نزلوا منها رافعي الأيدي، ويبدأ بتفتيشها. أحياناً كان يختصر كل هذه الطقوس، بإجراءات تفاهم حاسمة وسريعة: “يا شباب كل واحد أحضر معه دبساً من حلب، ليضعه هنا أمامي. أحسن ما أفتش”. أحياناً كانت تجري مفاوضات صغيرة، لا تستغرق إلا دقائق؛ يتنازل بها أبو الجنجل عن حقه في الدبس، مقابل نصف كيس من التمر أو الحلاوة، أو شريط سكاكر من الحامض حلو، وكانت تلك المفاوضات تتم بالتراضي غالباً، وبموافقة الطرفين. وأحياناً يتم التنازل عن كل المواد الغذائية، مقابل بساط ملون، أو حزمة حبال جديدة، أو فانوس مشترى حديثاً، يعمل بالزيت والفتيل.

المرة الوحيدة في تاريخ سيرة أبو الجنجل، حدثت فيها مفاجأة مزعجة لأبو الجنجل وللركاب معاً. إذ بمصادفة، لا تكاد تحدث أو تقع إلا فيما ندر من العمر، كانت تلك البوسطة التي تتوقف عند محطة أبو الجنجل فارغة تماماً. بالصدفة لم يكن أيٌّ من ركابها قد جلب معه دبساً ولا تمراً ولا حلاوة ولا صناديق جميلة مليئة بالخيطان والسحابات، ولا حبال ولا أزواج حمام أو دجاج حبشي، ولا مناديل هباري مذهبة وملونة.

وبعد تفتيش دقيق للبوسطة، واستجواب عنيف وموبِخ للركاب؛ إنْ كانوا قد أخفوا شيئاً ما من مشترياتهم، من قبيل المكر أو الكذب عليه، رفض أبو الجنجل، هذه المرة، أن يسمح للبوسطة بالتحرك، وراح يشتم البوسطة وسائقها وركابها المفلسين، الخاليْ الوفاض من كل ما يمكن أن يستفاد منه. وانطلقت التضرعات والرجاءات الحارة من قبل الرجال والنساء معاً، وهي تستعطف أبو الجنجل، وتحاول أن تُلَيِّن قلبه، لكي يرقَّ ويعفوَ عن البوسطة وركابها. حتى أن بعض الركاب رجاه ضارعاً إليه بقوله:

ــ “الله يخليلك ابنك جنجل، يا أبو الجنجل”.

وأبو الجنجل يرد على التضرعات بالشتائم والمسبات. والغريب اللافت للنظر، أن أبو الجنجل، وخلال كل ذلك التاريخ الذي قضاه في قطع الطريق، لم تمتدَّ يدُه إلى نقود أحد، أو حاول أن يسلب نقوداً من أحد، وكان يعتبر سلب النقود من الركاب، سطواً وعيباً يؤاخذ الرجل الشهم الشريف عليه، وأنه لا تمتد يدُ امرىء إلى نقود الآخرين، إلا إذا كان “لصاً أو حرامي”، لا سمح الله، كما يقول أبو الجنجل.

في تلك المرة الوحيدة، التي تعطلت فيها البوسطة، ولم يَسمح أبو الجنجل بعبورها، لأن أيدي ركابها وأمتعتهم كانت خالية الوفاض تماماً من المشتريات، فلا شيء يملكونه، إلا أن يعرضوا على أبو الجنجل بعض المال ليسمح لهم بالعبور. لكنه رفض بإباء وشمم، وهتف مستنكراً:

ـ وهل أنا حرامي ـ لا سمح الله ـ حتى آخذ مالاً منكم؟

وقد استمرت المفاوضات لأكثر من ساعة دون جدوى. أخيراً، اقترح أبو الجنجل عليهم اقتراحاً معقولاً وواقعياً. سأل الركاب:

ــ هل يوجد بينكم من يعرف أغنية (على بلد المحبوب وديني)؟

فانبرت إحدى النساء من بين الركاب، وقالت إنها تحفظها، وتستطيع أن تؤديها. فتمَّ الاتفاق أخيراً على أن تغني المرأة أغنية (على بلد المحبوب وديني)، مقابل أن يسمح أبو الجنجل بمرور البوسطة. وهكذا، نُفِّذ الاتفاق بشروطه، فغنت المرأة لأبو الجنجل الأغنية، وسمح هو بمرور البوسطة، ملوحاً لركابها، ومودعاً، على أمل أن يحفظهم الله من عثرات الطريق، ويحميهم من أولاد الحرام.

*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like