الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”..ج18

                                   ـــ 17 ـــ

كانوا ينادونه في الحارة باسم “فرهود الحمامجي” أحياناً، وأحياناً باسم “فرهود للأسف”. ورغم أنه يعيش في عزلة نسبية عن الجميع، إلا أنه نشأ لسنين طويلة في دار الساحرة حليمة. هي تدَّعي أمام سكان حارة الصفيح، أن الغرفة التي منحتها له، كانت مقابلَ إيجار شهري متفق عليه، لكن الرواية غير المعلنة، التي يتمُّ تداولُها سراً بين الجميع، تختلف عن رواية فرهود ورواية الساحرة؛ فأهل الحي يزعمون سراً، بأن فرهود هو العشيق السري للساحرة، وهو حارسُها الشخصي، الذي يتولى كل شأن من شؤون بيتها الكبير الواسع.

وتلوذ حليمة الساحرة بالصمت حين يتناهى إلى سمعها مثل هذه الأقوال، ولا يكاد فرهود يجيب بدوره، وكأنهما يُقرَّان بطريقة من الطرق، بهذه العلاقة، رغم أن فارق السن بينهما يقرب من ثلاثة عشر عاماً، حيث لم يتجاوز سن فرهود السادسة والعشرين، بينما تخطت ساحرة الحي التاسعة والثلاثين من العمر، وبدأت تخطو نحو الأربعين.

ولقد وهبته الساحرة حليمة، يوم كان مراهقاً صغيراً في الخامسة عشر، ستة أزواج من أفضل سلالات الحمام في المنطقة، واليوم فرهود بات يمتلك أكثر من مائتي طائر، يستعيض بالتعامل معها عن جميع البشر، ولا يكاد يحفل بأي اهتمام آخر في هذا العالم، سوى بطيوره، وبما تأمر الساحرة بشرائه من أغراض وحاجات، حيث فرهود في حالة تأهب دائم لتلقي أوامرها والإسراع في تلبيتها في أي وقت، ومهما كانت الظروف.

حتى أن عبدو السكير، صرح مرة في خمارة قَتيْلْوْهْ اليزيدي، وعلى ملأ من الجميع، قائلاً:

ــ يقال بأن الساحرة قد كتبت في وصيتها، بكل ثروتها لهذا الصعلوك.

وحين استفسر منه عويصة عن صحة هذه الشائعة، أجاب متظاهراً بانكسارٍ متواضع وحزنٍ كاذب:

ــ هي إشاعة صحيحة للأسف.            

ولا يكاد فرهود يعرفُ أن ينهي جملة واحدة، حين يتحدث إلى الآخرين، إلا إذا ختمها بكلمة “للأسف”.    

كما قيل بأن فرهود الحمامجي هو أول من أدخل التلفزيون إلى الحي، قبل أن ينتشر استعماله في معظم بيوت الحارة. ولقد وضعه على سطح البيت، يشغله ويتفرج عليه ليلاً لأول مرة، وقد أخذ يرقص ويتمايل مردداً:

ــ إذا بدأت مثل هذه الاختراعات العجيبة تتسرب إلى أرادامس، فقد بات لزاماً أن ينسحب كل سحر ويبطل. وأولُه سحرُ معلمتي حليمة.

وكان فرهود يصنع من صناديق التلفزيونات المعطلة أعشاشاً لطيوره نهاراً، يوزعها على أسطح المنزل وأعالي الأشجار، ويقال بأنه أول من ابتدع هذه البدعة، التي انتشرت في الحارة فيما بعد، حيث اعتاد الناس بعده، أن يحولوا صناديق التلفزيونات المعطلة، إلى أوكار وقنن للحمام والدجاج. إضافة إلى ذلك، فإن فرهود الحمامجي، كان يمتلك حماماً زاجلاً يراسل به حبيبة، يرفض الكشف عن اسمها.

وذات مرة سأله الدرويش مَلّوح:

ــ هل حبيبتُك التي تراسلها هذه، تقطن في مملكة سبأ؟

فأجاب فرهود:

ــ نعم، هي كذلك.. للأسف.

كما أنه راهن، ذات يوم، أحد الغرباء على أكل صابونة مباركة، مجلوبة من أحد مزارات الأولياء الصالحين، وأنه كسب الرهان يومها. وأشاع أهل الحي والأحياء المجاورة والبعيدة، بأن فرهود الحمامجي ـ مذ أكل تلك الصابونة ـ قد تحول تحولاً خطيراً؛ فلقد غسلت الصابونة أدران خطاياه وفؤاده ونواياه، وكلَّ أفكاره الشريرة، وما أكثر أفكاره الشريرة.! وأنه تحول إلى شخصٍ أبيض القلب والسريرة، مثل رفرفة حمامه الزاجل في ذلك الشفق الأغبر.

وقيل أيضاً بأن فرهود، هو المتسبب في موت مدير المدرسة الوحيدة السابق، لأن ذلك

المدير، كتب فيه تقريراً أوصله إلى السلطات العليا، بسبب عادة فرهود التي يمتعض منها الجميع، بلا استثناء؛ وهي التسلق على الجدران، واعتلاء أسطحة البيوت لمراقبة أسراب الحمام الطائرة في السماء. لكن شائعة تسبب فرهود في موت المدير، لم تتأكد أبداً، وقد أنكرها فرهود، حيث زعم بأنه لم يقابل مدير المدرسة في حياته، إلا ثلاث مرات، جميعها كانت بسبب هرب بعض طيوره، واعتصامها فوق أعلى جدران المدرسة، وكان المدير،  المرحوم، يغضب دائماً، كلما رأى فرهود يحاول تسلق الجدران، أو الصعود من أجل الوصول إلى الطيور.

ونقل فرهود عن عويصة، الذي كان يُعدُّ أذكى إنسان في الحي على الإطلاق، نقل عنه بأنه أكد أكثر من مرة، بأن مدير المدرسة الوحيدة في الحي، رجلٌ تطفو على جسده بثور وحراشف طبيعية، لأنه من سلالة تماسيح قديمة، تزاوجت مع بني الإنسان قبل العصر الجيوراسي الأول. ولقد بقيت منه بقايا علامات متعضية، تؤكد تطورها عبر نظرية الانتخاب الطبيعي والاصطفاء البشري، ولقد ثبت بعد وفاته، بأن هذه المعلومات، جميعها كانت خاطئة وكاذبة، وأنها من تأليف عويصة وخيالاته.

كما ادعى فرهود الحمامجي، بأن مدير المدرسة المرحوم، من ناحية التغذية الطبيعية، ظل يأكل الطباشير التي تُجلَبُ إلى المدرسة، للكتابة على الألواح داخل الصفوف، وطبعاً بعد أن يضيف عليها قليلاً من الجبن والشنكليش، وزيت الخروع الأصلي الطبيعي المستورد من بلاد العجم. وقد قال فرهود، رداً على الإشاعة الرائجة، بأنه هو المتسبب في موت المدير المرحوم؛ بأن مدير المدرسة كان رجلاً وقوراً ومثقفاً، وكان واسع العلم، يشهد له بذلك أهل الحي جميعهم. وأن المدير في واقع الأمر، كان يُقدّس السلطات الحاكمة، التي عينته في وظيفته الأبدية هذه، كمدير للمدرسة، مدى الحياة.

كما كان فضلاً عن ذلك، وإلى جانب وظيفته كمدير للمدرسة، يكتب تقاريرَ منتظمة بشكل دوري، تتعلق بأوضاع الطلاب والأساتذة للسلطات العليا في مدينتنا، وقيل أحياناً بأنه كان يرسلها مباشرة إلى العاصمة. وكان دائم الشكوى من أن الذكاء والفطنة الطبيعية، تتناقص لدى الجيل المتعلم الجديد، وهناك خطر مُهَدِدٌ بانقراض غريزة التخيُّل والتأمل لدى الطلبة.

وحين سمع الجميع بمنام الحارث، وتفسير الساحرة حليمة له، علق فرهود على موته قائلاً:

ــ من حسن حظ مدير المدرسة، أنه مات قبل أن تقع الحرب.. للأسف.

وكثيرٌ من أهل الحي، يعتبرون مدير المدرسة متسبباً بصورة غير مباشرة، في وفاة شاب من أهالي حارة الصفيح، يدعى زهران.

كان زهران قد قُتل بعد تركه المدرسة، والتحاقه بإحدى الفصائل الفلسطينية في لبنان. ولقد حضر مندوبون عن ذلك الفصيل الذي انتسب إليه زهران، حضروا إلى الحي، مرافقين لجثمان الشاب، الذي قيل بأنه فارق الحياة أثناء “تأديته لواجبه النضالي في العمل الفلسطيني”. ولقد أثارت قضية وفاته نقمة شديدة على مدير المدرسة، فقد استعاد موته ذكرى كانت منسية ونائمة، وبعث ثورة تجددت ضد مدير المدرسة، منذ أن تسبب في طرده، وتركه لمقعد الدراسة في الحي.

ولقد روى عبدو السكير، الذي كان مع زهران في نفس الصف، روى للناس بعدئذٍ كيف تسبب المدير في هروب زهران من الصف، حتى بات زهران يعيش في الحي متشرداً متعطلاً بلا عمل، لوقت من الأوقات. وسرعان ما تفاجأ الناس بعدها، بالتحاق زهران سراً بمنظمات العمل الفلسطيني العاملة في لبنان. وعلى إثرها بسنتين تقريباً، جيء بجثمانه، وقد فارق الحياة، في ظروف مازالت مجهولة حتى اليوم.

وقد روى عبدو السكير للناس فيما بعد، قائلاً:

ــ دخل على صفنا مدير المدرسة فجأة، وهو غاضب منا جميعاً، دون سبب نعرفه. ثم جعل ينزل عقوبات بالشتائم والضرب المبرح على جميع الطلاب دون تمييز، وكيفما اتفق له. وحين جاء الدور على زهران، طلب منه المدير الوقوف، ثم طلب منه أن يقرأ نصاً من كتاب القراءة. كان المدير، عند أول خطأ في القراءة، ينهال على الطالب بالضرب، وكما فعل مع بقية الطلاب، كذلك فعل مع زهران.

وأثناء قراءة زهران لدرس القراءة، بدرت منه الجملة التالية: “فسأل لعابه..”، فتدخل المدير غاضباً ثائراً، وصحح له القراءة، قائلاً:           

ــ قل” فسال لعابُه..”.

فأعادها زهران بعد التصحيح: “فسأل لعابُه..”.

فثارت ثائرة المدير للمرة الثانية، واستشاط من الغضب. وكرر على مسمع زهران مصححاً:

ــ قل “فسال لعابُه..”.

فأعاد زهران المسكين، رحمه الله، نطقها مثلما نطقها في المرات السابقة: “فسأل لعابُه..”. هنا لم يعد المدير قادراً على أن يتمالك نفسه أكثر، فرفع عصا غليظة، كان يمسكها في يده لضرب الطلاب، وهوى بها على رأس زهران، فانفجر الدم من رأسه، وتلوثت سائر ثيابه بالدماء.

فلم يعد يحتمل زهران كل هذه الآلام والإهانات. فخرج راكضاً من الصف، والدموع تطفر من عينيه، بينما الدماء تسيل منه، وفرَّ من المدرسة إلى الأبد.

وبعد أيام قرر الالتحاق بالمنظمة الفلسطينية العاملة في لبنان. فقال ذوو زهران يوم ذاك، متهمين المدير:

ــ لو تسامح المدير قليلاً مع زهران في عبارة “فسأل لعابه..” حينئذٍ.. أو لو أنه صبر على الولد قليلاً، لما سافر زهران إلى لبنان، ولما أعادوا جثته ميتاً.

بينما يختم عبدو حكايته عن المرحوم زهران، قائلاً:

ــ هل يُعقلُ أن يقتل إنسانٌ بسبب: “فسال لعابُه”؟ رحمه الله. قتلته “فسال لعابه”، قبل أن تقتله الحرب التي نتوقعها اليوم.

ولقد أكد معظم الكادر التعليمي من طلاب وأساتذة، أن الأستاذ المدير لم تنتفِ جميع مهامه وتسقط، بعد موته المبكر والمفاجىء، وهو في السبعين من عمره، فلقد كان يتمتع بصحة جيدة كما قيل، بل إن روحه ظلت تتابع كافة شؤون الحارة بقلق من المصير المبهم، وأنها، أي روحه، ظلت معلقة بالمدرسة الوحيدة بعد موته.

كانت روح مدير المدرسة تتشكل على هيئة طائر يشبه طائر الغاقة أو طائر الطيطوى، تحطُ كلَّ ليلةٍ أعلى تلك الشجرة اليتيمة في الباحة، وتظل تنوح وتُصدر أصواتاً شاكية متألمة، إلى أن يطلع عليها الصباح.

ولقد أكد أبو تامر الخضري، أنه رأى روح مدير المدرسة المعلقة بالشجرة، سبع مرات في أقل من شهرين؛ رآها رأي العين ذات ليالٍ مضت، وكانت تبكي وتنوح وهي في أعلى شجرة المدرسة.

*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

         

Leave A Comment

You May Also Like