شذرات من “الآخر وحوار الذات”

لماذا نفشل في التواصل مع الآخر؟

*يحدث أن تُعامل وتتعامل ك”مُحب” بروح الضغينة على عدوك!

الأسلوب قد يكون جواباً على سؤال: لماذا فشلنا في التواصل مع الآخر؟

أجمل ما قاله لي أحدهم عن مقدار محبته لي:

” أنت أجمل حوار عشته مع نفسي يوماً “

هذه العبارة هائلة حقاً، لأنها تطرح مفهوم جوهري ومُعبر ل” الحب”، فعلياً الحب هو حوارنا مع الذات، حوارنا مع دواخلنا الخفية والمخفية، حيث ما لا نقوله للآخرين، ولكن بوجود الآخر يتحول الحوار من الصمت إلى الجهر.

***

من المُعيب والمخجل – إنسانياً – مبادلة نُبل الآخرين باحتقارك لهم، أو بدفعهم لاحتقار أنفسهم.

*هذا بلا ريب جزء من الجانب المتوحش في النفس البشرية، وبوعي أو لاوعي يخرج فجأة في وجوه من لا يستحقون مبادلتهم إلا النبل بالنبل.

مؤسف أن نجد بأنفسنا الذكاء ونحوله إلى “شطارة وفهلوة”، بينما نجد نبل الآخر ليس أكتر من “سذاجة وحماقة”.

***

من غير الممكن مساعدة من لا يريد مساعدة نفسه، وحتى المضطرب نفسياً، تفشل أية آلية علاج معه إذا كان لا يرغب بالتعافي، ويرفض العلاج، وغير قادر على إقامة علاقة مثمرة مع المعالج.

من هنا تتأكّد أيضاً ثنائية: الواجب والإمكانية، وبين الوجوب وإمكانية الفعل مسافة شاسعة، وبدافع الواجب تذهب كل جهودك هباءً، إذا كان الآخر- فرداً أو مجموعة – لا يمتلك القابلية للتأثروالتأثير، وتعامل مع ما تقدمه بسلبية وبدون تفاعل حقيقي يؤدي إلى مآلات مرضية ومقنعة.

*أنت تُضيء حيث يُمكن لا حيث يجب.

فتيل القنديل لا يٌمكنه أن يشتعل لمجرد الرغبة يالإضاءة، بل لا بدّ من توفير إمكانية ذلك، كتوّفر الزيت اللازم للقنديل.

وهنا يبرز التساؤل:

هل هناك من لا يريد مساعدة نفسه؟

نعم، هناك من لا يريد مساعدة نفسه، لأنه علينا التفريق جيدا بين الرغبة وبين الإرادة، فالبنسبة للرغبات، فإننا جميعا نمتلك رغبات في فعل وأداء كثير من المهام والمسؤوليات، ولكن هل نمتلك الإرادة لنفعل؟

الإرادة، لا تعني الرغبة الشديدة بالشيء، بل تعني أن تعمل على توفير الشروط اللازمة لتحقيق ما ترغب به من تغيير، وهنا عليك مغالبة نفسك والتخلص من العادات السيئة والأداءات السلوكية التي تقف عقبة في طريق إرادتك، وحتى عليك مراجعة رغباتك والتخلص من كل ما يقف منها في طريق تحقيق إرادتك.

إرادة التغيير أهم من الرغبة بالتغيير برغم تلازمهما، لذلك العمل المجدي الذي يستحق الجهد المبذول فيه، هو ذاك الذي تقدمه لمن يملكون إرادة التغيير وليس فقط من يرغبون به.

وكل ما ذُكر أعلاه، ينطبق على العلاقات بين الأفراد والجماعات أيضاً، وأعتقد في البيئات المحلية جميعنا ممكن أن يجد العديد من الأمثلة على ذلك.

***

عن دوائر حياتنا وأحداثها الغريبة

خلال مراجعاتنا لمفردات حياتنا وعلاقاتنا بفترة زمنية معينة، كنا فيها داخل دائرة ما ، دائرة على شكل سلسلة من عدة حلقات، تبدأ تتكشّف لنا خيوط كل القصص اللي عشناها ولم نكن نفهمها، حالما نبعد ونترك مسافة ما بيننا وبين تلك الدائرة.

…….

كتير من الإساءات التي تعرضنا لها دون أن نعرف السبب وما هي مصادرها، وكتير أحداث حدثت معنا كانت غير مفهومة، ومضت دون أنفهم أسبابها.

كوننا كنا نعيش داخل الدائرة، وقريبين جدا من حدودها أو مركزها، فإننا في حينه لم يكن بالإمكان أن ندرك بوعي، لأنه معطياتنا كانت مشوشة وغير واضحة، وكلما غابت المعطيات قلّ الإدراك الواعي.

……..

لكن عندما تغادر الدائرة، وتبتعد قليلاُ أو كثيراً – بمقدار ما – عنها، تبدأ الأمور كلها وبشكل عجيب وتلقائي تنكشف أمام عينيك، لتجد أن كل ما كنت مورط فيه وغير مفهوم وغامض، كانت خيوطه متشابكة ومرتبطة بمركز واحد، وتنطلق منه وتتحرك بعدة اتجاهات، لكن مركز ومصدر واحد هو من يحركها….

وكل التشويش عليك، وكل الإساءات اللي تعرضت لها من ” غرباء” لا يمتون لك بصلة، ولا صدف أن عرفتهم، ودائما تتساءل ما الذي  وضعهم في طريقك؟

وإذ كلهم مرتبطين بهذا المصدر، وعن قصد منهم وكونهم جزء من الدائرة أو حلقة فيها، أو بدون علمهم، تم استخدامهم ودفعهم باتجاه معين ليكونوا بدربك، ليشوشوا ويضجوا حواليك، وليكونوا رأس حربة لسهم يطلقه أحدهم، هو الأساس والمركز.

………

كم ممكن حجم القسوة وانعدام الأخلاق الذي يمتلكه أحد ما تجاه الآخرين، ليكون باستطاعته الأذية لهذه الدرجة؟

ويبقى السؤال: لماذا ؟

ما الذي يستدعي كل هذا بين الناس؟

وأي أمر مهم فعلا يُمكن أن يدفع أحد ما ليكون على هذه الشاكلة، وخاصة أولئك الذين لم تسيء لهم إطلاقاً، وبل دفعت الكثير من وقتك وجهدك لتساعدهم ؟

ما الذي يحول الإنسان إلى وحش لهذه الدرجة؟

هل يُعقل أن تفعل عقد النقص والدونية كل هذا الفعل؟

هل يُمكن للنرجسية وحب الذات أن تستفحل بشكل رهيب، لتحول بعض الأشخاص إلى شخصيات سيكوباتية ( مضادة للمجتمع )؟

هل المسألة مرتبطة بالتربية والبيئة والأسرة، وعلاقة الشخص بأهله ومحيطه؟

جدياً، هذه أمور تستحق التوقف عندها مطولاً، كي نستطيع فهم كثير من سلوكات الناس مع بعضهم بعض؟ وهذا يقودنا إلى الحديث عن وجود الشخصيات السلبية ضمن دوائر حياتنا، وإلى الحديث عن العديد من النماذج الانتهازية، والاستغلالية، والنفعية، والذين أمام مصالحهم الشخصية تسقط كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية.

…..يُتبع عن (أهمية المسافة بيننا وبين الآخرين).

*مقتطفات من كتاب (استراتيجيات التواصل الفعال في العلاقات الشخصية)، د. خولة حسن الحديد.

*الأعمال الفنية للفنان التشكيلي المصري “أحمد القط”.

Leave A Comment

You May Also Like