كيف يختار الصحفي موضوعاً للتحقيق الاستقصائي؟

كيف تختار موضوعاً لتحقيقك الاستقصائي؟

تتشابه عملية البحث عن اختيار موضوع تحقيق استقصائي، مع عملية اختيار مشكلة البحث في البحوث العلمية، وإذا كان تحديد فرضيات البحث من أهم خطواب البحث العلمي، فإن التحقيق الاستقصائي يقوم أيضاً على بناء الفرضيات، ومن ثم السعي لإثباتها أو نفيها.

يعتقد كثير من الصحفيين المبتدئين أن اختيار موضوع لإنجاز تحقيق استقصائي هو أمر سهل، فالأفكار لا حصر لها، والمشكلات التي يُمكن البحث فيها في مجتمعنا لا يُمكن تعدادها، وبالرغم من هذا الاعتقاد الشائع، يؤكّد الخبراء في مجال الصحافة والإعلام، إن تحديد موضوع التحقيق الاستقصائي من أصعب ما يُمكن أن يُجربه الصحفي المبتدىء، كون هذا النوع من التحقيقات الصحفية، يتطلب جهداً مكثّفاً، ووقتاً، ومالاً أيضاً، وكل هذه العوامل تُضاف إلى كفاءة الصحفي ودرجة مهارته وخبرته، لتُحدد النجاح أو الفشل في إنجاز تحقيق استقصائي.

أيضاً، في الصحافة الاستقصائية كما في البحث العلمي، كل شيء يبدأ بالأسئلة.

الأسئلة المعروفة بهذا السياق: متى؟ وكيف؟ ولماذا؟

لعل سؤال “لماذا”، هو أكثر الأسئلة التي يُعنى بها الصحفي الاستقصائي، في حين تُعتبر الأجوبة عن باقي الأسئلة، جزء من رحلته للإجابة عن سؤال: لماذا حدث ذلك؟ فما هي أهم المصادر التي يُمكن للصحفي أن يستمدّ منها موضوعه ليُنجز تحقيقاً استقصائياً؟

مصادر اختيار موضوع التحقيق الاستقصائي

يعتبر الخبراء في هذا المجال، أن كفاءة الصحفي وخبرته وتنوع مهاراته، هي العامل الأساسي في اختيار موضوعاً استقصائياُ مناسباً، إضافة إلى المُخيلة التي في كثير من الأحيان ما تأخذ بزمام الأمور، وتقود صاحبها إلى عوالم غير مطروقة مُسبقاً، وإذا كان الخيال أساسياً وحيوياً للمُبدع في الأدب، فإنها أيضاً تلعب دوراً هاماً لدى الكاتب الصحفي، إلا أن ما يُتاح من حرية الإبداع وشطحات الخيال للأديب الروائي والقاص والشاعر، لا يُمكن أن يُتاح للكاتب الصحفي، والذي ينبغي لعمله أن يقوم على أسس مهنية ومعايير مضبوطة، كي لا يفقد قيمته ومهمته الأساسية المنبثّقة عن قوة الصحافة كسلطة رابعة، ويحدث أن تتقدم لتصبح سلطة أولى أمام مهمة الكشف عن الحقيقة، وهي هدف كل تحقيق استقصائي، لذلك يُمكن القول: إن المُخيلة قد تقود الكاتب الصحفي وتُلمح، لكنها لا تُفصح عن شيء، إلا بقدر ما تؤدي للبحث في مصادر واقعية وملموسة، فتنتقل به من الإلماح إلى الإفصاح، فأين يجد الكاتب الصحفي هذه المصادر؟

مصادر أساسية:

*الأخبار العامة، المحلية منها والدولية، والتي يتم تداولها في مختلف وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية، والمسموعة والمرئية، إذ من الضروري لكل صحفي متابعة الأخبار العامة، والاهتمام بمختلف المجالات، ويُمكن لأي خبر مهم ولافت في مجال من المجالات، أن يتحول إلى موضوع لتحقيق استقصائي.

*تقارير المؤسسات الرسمية الحكومية، وغير الرسمية، كمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الرقابية والحقوقية، المحلية منها والدولية، إذا يُمكن لأي صحفي على سبيل المثال، مراجعة تقارير التنمية البشرية التي تصدر عن جهات دولية، ويلتقط جانب من جوانبها ويستمدّ منه موضوعاً لتحقيقه، وكذلك تقارير الشفافية الدولية، والتي يُمكن اعتبارها من أبرز التقارير التي يُمكن أن توحي للصحفي بالعديد من التحقيقات الخاصة بقضايا الفساد الإداري، والمالي، والقانوني، وإمكانية الكشف عن شبكات مترابطة للفساد الذي قد تتورط فيه دولٌ كبرى، ومسؤولون رفيعو المستوى.

*الأخبار المُسرّبة والحصرية، تٌعتبر أيضاً أحد أهم مصادر التحقيقات الصحفية، عندما يذهب الصحفي فيما وراء الخبرء، فلا يكتفي مثلاً بخبر الالكشف عن مخطط ما لاغتيال شخصية سياسية مهمة، أو تسريب خبر بنية أعضاء برلمان ما بإسقاط حكومة ما، أو خبر تعرض طفل للاغتصاب أو التحرش من قبل شخص متنفذ ومحمي من قبل سلطة ما، أو تعرض امرأة ما بموقع وظيفي مميز للإساءة والتعنيف، بل يذهب إلى أبعد من ذلك في بحثه عن أسباب ما حدث وكيف حدث.

* الظواهر المجتمعية المحلية والإقليمية، والعالمية أيضاً، قد تكون مادة خصبة للعديد من التحقيقات الاستقصائية، وخاصة الظواهر المجتمعية في بيئة الصحفي المحلية.

مصادر ثانوية:

*روايات وحكايات الناس، والأوساط العامة وما يدور فيها من أحاديث، كالمقاهي، والمجالس والديوانيات في دول الخليج مثلاً، وأحاديث الأصدقاء، والزملاء والأقران من زملاء المهنة، أو مهن أخرى حتى، كل هذا مُمكن أن يُشكل مصدر هام وحيوي لموضوعات عديدة للتحقيق فيها استقصائياً.

*مواقع التواصل الاجتماعي، التي تقوم أحياناً مقام المجالس العامة، يُمكن أن تكون مصدر إلهام للعديد من الموضوعات، والحديث عن مواقع التواصل هنا، المقصود به ما يُنشر في حسابات عامة الناس، وليس بالضرورة ما يتحول منها إلى “ترند” ويُصبح ظاهرة لافتة، بل في كثير من الأحيان يكمن وراء بعض الأفكار العابرة، أو تلك التلميحات الغامضة، جبل من المعلومات التي أمكن تتبعها والكشف عن ما وراءها لأنتجت موضوعات هامة جداً، قد لا تخطر ببال أحدهم.

في الختام، لا بدّ من التأكيد على أن كفاءة الصحفي، ومستوى وعيه، ودرجة تمكنّه من أدواته، وخبراته السابقة، ومعيارية انخراطه في نشاطات بيئته المحلية، وغيرها من نشاطات لها أبعاد تتجاوز تلك البيئة، كل هذه الأمور مجتمعة، تُمثل نبعاً لا ينضب لأفكار يُمكن تحويلها إلى موضوعات لتحقيق صحفي استقصائي، وبشرط وهدف واحد: البحث عن الحقيقة.   

*خولة حسن الحديد  

5 thoughts on “كيف يختار الصحفي موضوعاً للتحقيق الاستقصائي؟

  1. عامر الحوراني

    بالإضافة الى جزئية الفرضيات التي يجب على الصحفي ان يفترضها بخصوص فكرته أو للوصول لفكرة تحقيق ليعمل عليها

    1. kmarabia

      kmarabia

      صحيح. وهذا ما تم ذكره خلال الجلسة أيضاً.

  2. mayson almisri

    ومن التجربة الشخصية للصحفي الذي عاش الاحداث بنفسه

    1. kmarabia

      kmarabia

      أكيد، وهذا ما تم ذكره عن أهمية تجربة الصحفي وخبراته وكفاءته وحتى مخيلته.

  3. Amal

    شكرا دكتورة
    اختيار الموضوع، والمهارات والقدرة على الوصول للمصادر بالنسبة لي جدا صعبة لانجاز تحقيق استقصائي.

Leave A Comment

You May Also Like