الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”..ج25

ـ 24 ــ

فهتف الشاب المتكلم قبل قليل، والذي كان يعدد الأشياء التي تقف ضد الحضارة، قائلاً:

ــ في السنوات العشر الأولى يوجهون النّشْأ الجديد، عبر توصيات يرسلونها إلى كافة الوزارات والمؤسسات: علموا الشعب أن قائد الوطن قد حفظ القرآن وهو في سن السادسة من العمر. وفي السنوات العشر الثانية، يتم تغيير التوصيات قليلاً، لتصبح: علموا الشعب أن قائد الوطن، هو من أُنزِل عليه القرآن. وفي العشرية الثالثة يحدثُ أيضاً تغييرٌ طفيف في التوصيات الواجب تبليغها للشعب: علموا الشعب أن قائد الوطن هو من أَنزَلَ القرآن. ثم بعد ثلاثين عاماً تمضي على إثر ذلك، يُلقى بكل هذه التعليمات في مستودع مظلم. وتمنع التوصيات عن الشعب بعدها نهائياً. فالشعب يصبح خلقاً جديداً، تحكمُهُ آليةُ النزوع الطبيعي إلى سلوك غرائزي، لما قد تعلمه خلال عقود. فهو يعرف ما يجب أن يكون عليه دون توجيهٍ من أحد، أو إشارة من رقيب.

فقال العجوز الوقور، أستاذ اللغة العربية، الذي يلقبونه في المدينة بلقب “المسيح الدجال”:

ــ تقول الحكمة المستفادة من الحرب: عندما تدخل الذبابة في فتحة أنفك، سوف تعلم يقيناً أن المشاكل لا تحل كلها بالقوة.

وهنا انسحب أحد الحضور من القاعة غاضباً محتجاً، فلحق به صاحب الصالة متسائلاً مسترضياً:

ــ أرجو أن لا تعتبر أنك المقصود من كلام الأستاذ، وأنك أحد تلك العصبة من الشباب التي كانت تتجادل في المقهى حول وجود الشيطان؟

أجاب الرجل المنسحب غاضباً:

ــ لا. إنما أنا أحتج وأنسحب، لأنني الشخص الذي أخرج رائحة فساء قبل قليل. لقد اعتبرتُ تلميح تلك الفتاة ذات القميص الأصفر ضدي، موقفاً مهيناً على المستوى الشخصي.

عندئذٍ صرخت الفتاة العصبية ذات القميص الأصفر، في وجه العجوز الوقور المحترم، أستاذ اللغة العربية:

ــ أنت كتلة من الأكاذيب والأخبار الملفقة. إنك شخص مملٌ حقاً.

فأجابها العجوز الوقور بغضب:

ــ أن أكون مملاً، خيرٌ من أصبح مهرجاً.

ــ حتى الآن لم نستوعب القضية الأساسية؛ ولم نجب على السؤال الأهم: هل الشيطان في موقفنا هذا، هو مدعٍ أم مدعى عليه؟

ــ الواقع أن هذا السؤال كبير، وتصعب الإجابة عليه بسهولة. إنه صعب إلى درجة أنه ما من أحد من البشر استطاع أن يجيب عليه بدقة، لا في الماضي ولا في الحاضر.

عند هذا الحد اقترح صاحب الصالة اقتراحاً:

ــ أيها السادة.. لنكن واضحين وصريحين. من كان منكم موافقاً على إشعال الثورة فليبقَ معنا هنا في الصالة، ومن كان منكم يرفض الاشتراك في الثورة، فلينسحب قبل أن يُصدرَ القاضي حكمه، في قضية ملكية الشيطان لمحافظتنا، والمطروحة أمامه الآن للبتِّ فيها بالحكم النهائي بعد قليل. فقد اقتربت نهاية الدوام في المحكمة. ولم يبقَ إلا أن يقول القاضي كلمته الأخيرة.

عندئذ شرع نصف الحضور تقريباً بالانسحاب. فبدا الارتياح على وجه صاحب الصالة، لكنه التفت جانباً ــ وهنا صعقتنا المفاجأة المذهلة ـ فإذا بالشيطان واقف على مبعدة من الجميع، وقد سمع الحديث الذي دار بين الناس كله. شعروا بالحرج والارتباك، وبقليل من الغضب. وتساءل بعضهم:

ــ منذ متى دخل هذا بيننا؟

فأجابه الشيطان فوراً:

ــ منذ اللحظات الأولى، والكلمات الأولى. اسمعوا يا سادة، سأكون صريحاً معكم غاية الصراحة. أنا موافق معكم على إشعال الثورة. وأنا متحمسٌ للانضمام إليكم، فإذا رفضتموني بينكم، فهذا أول الفشل والإخفاق. وهذا يعني أن الثورة تُمَيزُ بين الجميع، ولا تعتبرهم سواسية. وهو الأمر الذي سيُضعف مصداقيتكم، ويسقط شعاراتكم، حتى أنها لتبدو وكأنها ثورة فئة دون فئة، وأنها لأناس دون آخرين. أما إذا وافقتم على انضمامي إليكم، واشتراكي معكم في الثورة، فإنني أعدكم؛ لا أن أتنازلَ عن الدعوى المرفوعة فحسب، بل سأضع الدعوى كلها تحت تصرفكم؛ نجاحها من نجاحكم، وفشلها من فشلكم. وكل هذه الملكية التي أطالبُ بها اليوم، سوف تكون ملكية لكم وللثورة. لكم أنتم. وتحت تصرفكم وقراركم العام، الذي ترونه. ها..؟ فماذا تقولون؟

وقبل أن يستفيقوا من الدهش الذي استحوذ عليهم، أضاف الشيطان هذه الملاحظة، قبل أن يختم حديثه:

ــ لاحظوا بأن الفرصة السانحة لا تحين في العمر إلا مرة واحدة. وأن مبلغ المأساة وذروتها القصوى، تكمن إما في الأمور التي تنهض قبل وقتها المقرر، وفي غير سياقها الطبيعي.. لا قبل ولا بعد.. أو مثل الأمور التي تولد بعد سياقها المقرر.. وأيضاً لا قبل ولا بعد.

صاحت الفتاة العصبية ذات القميص الأصفر بصوت مدوٍ:

ــ لست أفهم.. أو بالأحرى جميعنا لم يفهم: هل أنت فيلسوف أم شيطان؟

ــ أنا شيطان. جميعكم يركن رأسه على كتفي، لأهدهده حين تستبد به نزوة دنيوية، أو ثائرة من الرغبات، فلا تجدون متنفساً، أو نصيراً لها سواي. ومهما بالغتم في تصنع الوقار والشرف والكرامة، فإنكم لن تجدوا من دوني ملتحداً.

ــ ما قاله الشيطان هو عين الحكمة.

فتقدم أحد الشبان من الحضور، وقال:

ــ أنا شخصياً غير موافق على اقتراح الشيطان. ونحن لا نريده معنا.

وقال آخر:

ــ بالعكس. فإن ما قاله واقترحه هو عين الصواب، لو أمعنا الفكر فيه جيداً. فهو الحل الوحيد الضامن للقضية وانتصارها لصالحنا.

ــ هذا أولُ الخلاف.

وقال آخر:

ــ لا نريد انتصاراً لقضيتنا بإرادة الشيطان، وتحت وصايته. فمن وجد في نفسه قبولاً للاقتراح، فليذهب بعيداً عنا، وليعلن ثورته الخاصة به في منأى ومعزل عنا. ولا ينسى أن يأخذ هذا “المحترم” معه. ومن يرفض اقتراحه، فليبقَ هنا حتى نهاية الدوام.

عند هذا الحد، فاجأ أحدُ المشاركين أهلَ الاجتماع في الصالة، والذي خرج قبل قليل ليستطلع أخبار المحاكمة. فاجأ الجميع بالقول بصوت عالٍ، حاول أن يسمعه الجميع:

ــ أيها السادة، لقد نطق القاضي بالحكم قبل لحظات. وأعلن عن تأجيل البت والنطق بالحكم في القضية حتى جلسة مقبلة. وحتى إشعار آخر.

وصمت عويصة بعد أن ختم بالقول:

ــ ذلك كل شيء رأيته وسمعته عن الحرب هذا اليوم، يا جيراني ويا أخوتي.

ــ ولكن أين تكمن الحرب في كلِّ هذا الذي رويته؟ 

عند ذلك قال فرهود الحمامجي، وهو يهز رأسه بثبات وثقة:

ــ أما أنا، للأسف.. وعلى الموقف الضد من موقف معلمتي حليمة. فإنني سوف أشارك في هذه الثورة. ولسوف أُسَخِّرُ حمامي الزاجل في نقل الرسائل بين الثوار. وسوف أشارك في هذه الحرب أيضاً فيما لو وقعت يوماً. هكذا على الأقل، لا يجب أن نموت تحت الركام، كما تموت السحالي والجعلان.

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

1 Comment

  1. مستودع الحسون - معلومات عن طائر الحسون بمختلف انواعه بالتفصيل - موسوعة

    […] ثم بعد ثلاثين عاماً تمضي على إثر ذلك، يُلقى بكل هذه التعليمات في مستودع مظلم. وتمنع التوصيات عن الشعب بعدها نهائياً. … *معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات … شاهد المزيد… […]

Leave A Comment

You May Also Like