الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…31

                    ــ 30 ــ

وحين انتصف الليل، كانت إحدى سيارات الأجرة تنقل أثاث الشيخ وحقيبته، وتُقِلُّه هو وحوّاس إلى أطراف الحدود. فدمدم الشيخ في نفسه:

ــ لا عدوان إلا على الظالمين. كأن الظلام الدامس من حول السيارة، يوشك أن يشارك في مؤامرة علينا.

سمعه حوّاس فهمَّ باستخراج الدفتر، إلا أن الشيخ منعه بحسم:

ــ لا تدونْ هذه العبارة الأخيرة يا حواس. إنما هو حديث عادي وسخيف، ولا أريد له أن يُدوَّنَ في كتب التاريخ منقولاً عني.

ــ أمرك يا شيخ..

وعند المعبر الحدودي، كان الوضع سيئاً أكثر مما كان متوقعاً، فلقد بدأ إطلاق النار على بعض المتسللين من الهاربين من الحرب، من قبل حرس الحدود، وكذلك بين حرس الحدود، وبعض المهربين الذين اندس بعضهم بين أرتال النازحين. كانت النيران تأتي على شكل رشقات متقطعة، فالتصق الشيخ حمزلة بحواس أكثر فأكثر، حتى لا يفترقا في الظلمة، وهمس حوّاس:

ــ اعتمد في الاتكاء عليّ حتى لا تجهد نفسك. ولا تنس التدرن الرئوي.

فسأل الشيخ:

ــ ثانياً: هل ذهب السائق يا حواس؟

ــ نعم يا شيخ.

ــ والمهرب؟ أين هو؟

ــ لست أدري أين اختفى في هذا الظلام.

أصاب طلقان ناريان كتف الشيخ وبطنه، فسارع ليُطمئن حوّاس قائلاً:

ــ لا عليك. لا تهتم كثيراً للأمر. إنما هو جرح طفيفٌ لا يؤبه له.

تراجع الرجلان، وقد احتمل حوّاس معظم ثقل الشيخ بذراعيه، وترك لقدميه أن يتشحطا كيفما اتفق، وبعد أن ركنا الى موضع بعيد عن النيران والاشتباكات، مددَ الشيخَ على الأرض، وراحا ينتظران خروج ضوء الصباح أو بعضه، حتى يهتديا لرؤية ما حولهما، وفاجأ حوّاسُ الشيخَ بهتافه مذعوراً:

ــ يا إلهي. إن ثيابك كلها غارقة في الدماء يا شيخ. إنك تنزف نزفاً غزيراً.

ــ لا عليك يا حوَّاس، إنه خدش بسيط لا يجب أن نهتم به أكثر مما يجب. هل تعلم يا حواس؛ أن معظم الأمراض والإصابات تشفى بالتقادم وليس بعلاجها؟ قِدَمُهَا ومرور الوقت عليها هو سبب شفائها. هذه حكمة أهلنا منذ مئات السنين، وهي صحيحة ومجربة. لا تخسرْ نفسك في الشكوى من الألم، حتى وإن كنت تصارعه وحيداً. ذلك ما أتذكر أنني سمعته يتردد في مجالس شيوخ العشائر، وإن كنت الآن لا أتذكرُ من قال هذه الكلمة العبقرية الخالدة. وثانياً:…. هل تذكرُ أنت من قالها يا حوّاس؟

ــ أنت يا شيخ، أنت من قالها. قلتَها ذات مرة في المجلس، ولقد دونتُها بنفسي في الدفتر على الفور.

ــ حوّاس.

ــ نعم يا شيخ. نفسي فداؤك..

ــ وثانياً: متى وقعت حرب المائة عام بيننا وبين عشائر البدو؟ قبل الميلاد أم بعد الميلاد؟

ــ أظنها حصلت قبل عيد الأضحية بثلاثة أيام يا شيخ. ولكن أحسبُ أنك بتَّ تهذي قليلاً من تأثير الحرارة المرتفعة في جسمك الشريف يا شيخ.

ــ العاطفة هي الجندي الأخير الباقي في خندق الجيش المهزوم والمنسحب. والذي يظل يطلق النار رشاً، وبغضب. وفي جميع الاتجاهات. صارخاً صرخته الأخيرة، وللمرة

الأخيرة: لا. إن الأمر ليس كذلك. وثانياً: دوّنْ هذه العبارة الأخيرة هي أيضاً  يا حوّاس. ــ هذه أصبحت ثالثاً يا شيخ. وليست ثانياً. 

أضجعه على مفترش من الأرض، مخضوباً ببركة صغيرة من الدماء، وبزغت الشمس وغابت مرتين، ولا يبدو أن أحداً من البشر يقطن بجوار المكان، ولا مرت بجوارهما سوادة عابرة من أهل الأرض أو القاطنين فيها.

ضمّد حوّاس جرح الشيخ بلفافة من قماش، وبعد مرور ساعات طويلة، هتف وهو يشدد على الكلمات بغضب وخوف:

ــ يا شيخ. حرارتك بدأت ترتفع. لا بد لنا من وسيلة، أو واسطة تنقلنا إلى أقرب مشفى. لقد بتُّ أخشى من الأسوأ يا شيخ.

ــ ثانياً: لا تخف يا حوّاس، كلما عتق المرض بات قريباً من الشفاء. أما إذا فاضت روحي إلى بارئها، فاقرأ على روحي سورة ياسين يا حوّاس، فإنني أحب أن أسمعها، حتى وأنا ميت. طالما سمعتها تُرتَّل وأنا ميت، فسوف أصغي إلى تلاوتها.

ــ لك طول العمر، وروحي قبل روحك يا شيخ، وحياتي دون حياتك.

ــ كان أجدادنا يصطادون الوَرَل ليأكلوه يا حوّاس. كانوا يعيشون على الأقط والسمن والتمر واللباء. ولكن اليوم.. حوّاس.. ثانياً: أشعر بأن يديْ تُلَوِّحُ بكفها للوطن. تحاولُ أن تراه لآخر مرة، أو أن تكلمه لآخر مرة. ولكن اليوم..

قاطعه حوّاس:

ــ وللوطن يدٌ تلوحُ هي أيضا لك.. تحاول أن تراك أو أن تكلمك يا شيخ..

ــ في الماضي. في أيامنا العظيمة التي ذهبت، كانت النصيحة بجمل. واليوم باتت النصيحة ثمنها فضيحة.

ــ  لا يا شيخ. مازالت اليوم بنفس الثمن. وكما كانت في أيامكم.

ــ لا يا حواس.. فقد أخذت الحرب منا كل شيءٍ أخذاً وبيلاً؛ أخذت النصيحة والفضيحة

والجمل. ولكن قل لي يا حوّاس؛ ماذا كانوا يقصدون بـ “بلاد برّة” حين يتحدثون؟ هل هي كل بلاد هذا العالم. ماعدا بلدنا؟

أجاب حوّاس:

ــ  بل هي كل بلاد العالم يا شيخ.. بما فيها بلدنا.

كان الشيخ حمزة قد استسلم للموت، وطفقت أنفاسه تهمدُ شيئاً فشيئاً. وجعل يردد بصوت غير واضح، كمن يتحدث إلى نفسه:

ــ لم يبقَ إلا قليلٌ منا. وقليلٌ من الوطن يا حوّاس. ثم الأقل. ثم أقل من الأقل. حتى إذا لم يتبقَ منا جميعاً إلا شيءٌ كذُرَارة ملحٍ، سأرشُّها على كسرة خبزي وطعامي الأخير. ليدومَ بيني وبين هذه الأرض، آخر ما يكون بين اثنين من خبزٍ وملح، وحتى إذا ما مِتُّ لأُدفَنَ في ترابها. كي أُسَمِّدَ بذَوْبِ لحمي وعظمي بوارَ حقولِها. وقحولةَ تربتِها التي جفت من الصيف والعطش. ومن غيبة أبنائها الذين استوطنوا العذاب والغياب.

كان حوّاس منهمكاً في التدوين والكتابة في دفتره الصغير، وفجأة انتبه إلى أن الشيخ قد توقف عن الكلام. فصرخ فيه بالتياع:

ــ يا شيخ يا شيخ. إن نفسك. أخشى أن..

كانت روحه قد فاضت إلى بارئها. فأغمض حواس تينك العينين المفتحتين بارتخاء، وأضاف إلى دفتره بضعة عبارات من تأليفه وإبداعه الشخصي، نسبها كأقوال مأثورة عن الشيخ، ولقد صاغها بنفسه؛ حيث كان قد استحبها منذ زمن طويل، وكان يتهيب من تدوينها في الدفتر، حين كان الشيخ على قيد الحياة. ثم نهض بعد أن دس دفتره بعناية، في جيبه السري الداخلي الذي له سحَّاب، وانتصب واقفاً قبل أن يمضي تاركاً جثة الشيخ للمكان، وجثة المكان للشيخ المخضب بالدماء.

أوشك الوجه المصفرُّ، وتلك العينان اللتان جمدتا، وسهم البصر الذي ما يزال مثبتاً في ظهر حوّاس، وهو يمضي مبتعداً عن المكان بسرعة؛ أوشك أن يصرخ:

ــ حوّاس.. لا تذهب قبل أن تواريني التراب. حوّاس. ثانياً: لا تبتعد قبل أن تستوثق من أن جثماني قد صار في جوف الأرض. لا في حواصل الوحوش.

إلا أن الجثمان بقي صامتاً لا ينطق، وحوّاس ابتعد، حتى طواه الغياب مع ظلال الشمس الآفلة. إنه في طريق العودة إلى حي الصفيح، أرادامس.

هنالك سُمِعَ صوتُ نباح كلبٍ من بعيد، وجاوبه عواء ذئب من مكان أشد بعداً.

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like