الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…32

                                   ـــ 31 ـــ

لأول مرة يرى فيها السكان طائرات تحمل براميل متفجرة، وقذائف ذات أثر تدميري هائل المنظر، ودائرة من الدمار والحرائق بحجم يصعب تصديقه أو تصوره، كان ذلك بعد أن تأكدت الأقوال بأن جميع عناصر السلطة، وكل أفراد الأمن ورجالات الدولة، قد غادروا المدينة، وأن الثائرين هم من يحكمها الآن. كان أهالي حارة الصفيح يتعرفون على الحرب، كما يتعارف شخصان يلتقيان لأول مرة.

ولأول وهلة، خُيِّل إليهم أن قذائف الطائرات وجحيمها، هي أشبه ما تكون بالظواهر الطبيعية التي تحدث كل مائة عام مرة واحدة، ثم لا تعود بعد ذلك. وأنها سرعان ما سوف تتوقف، لكي تتحول إلى ذكريات وحكايات طيبة، وأقاصيص لذيذة تروى على الدوام. وليس بمستغربٍ أن يجدوا في الغد، من سوف يأتي ليُطَيِّبَ خاطرهم بسبب قصف الطائرات لهم، وليعتذر عما حصل.

 لكنهم فيما بعد، وحين أدركوا يقيناً بأن هذه الحال، سوف تدوم في الليل والنهار، وحتى وقتٍ غير مسمى، وإشعار غير محدد، ربما يطول أياماً وأشهراً وسنينَ طوالاً، لم يعودوا يكترثون كثيراً للأمر أو يحفلون به. فقط كان جلُّ اختلافهم، إذا اختلفوا نادراً، أن يكون مناط الخلاف يدور حول أعداد القتلى والجرحى، عقب كل غارة تشنها الطائرات، وكان الخلاف حول أعداد القتلى والجرحى، أحياناً يصل إلى حد الصياح الذي يوشك أن يتحول إلى شجار فيما بينهم.

وعلى جناح التخيلات السابقة، كلُّ شيء كان ممكن التصور، إلا جحيم الطائرات وهي تصب حمم اللهيب وكرات النار، وقذائف حشيت بالموت المُمَزِق والمروِع، فتحيل السماء إلى حشوة كثيفة من شحوار أسود، وسديم من غبار جهنمي، ممزوج بكرات اللهب البرتقالية والحمراء والسوداء. يومذاك ذرف أبو الجنجل دمعة أو دمعتين، وأقبل يعانق غريب الرداد، الذي عزم القرار على أن يكف عن رحلة البحث عن ابنه الضائع منذ خمسين عاماً. فهمس له غريب الرداد بانكسار وذلة:

ــ لو كانت هذه الحرب، كما كنا نسمع عن الحروب في الماضي؛ تدور فيها رحى المعارك بالسيوف والرماح والتروس، لأمكن إذن، أن نجد أكثر من وسيلة ندافع بها عن أنفسنا. أما الطائرات والصواريخ التي ترجمنا من بعيد، فلا..

فوافقه أبو الجنجل قائلاً:

ــ مات اليوم من أخطأتهم الطائرات البارحة. سيموت غداً من أخطأتهم الطائرات اليوم. هكذا نحن، وهكذا سوف تمضي حياتنا في زمن الحرب.

بينما وشوش عبدو السكير عويصة، وهو يرتعد من هول ما رأى من الجحيم الذي صبته الطائرات:

ــ سأوصي لك قبل الموت بمجدي وشهرتي.

وفي اليوم نفسه تصارخ الناس في حارات الصفيح، وهم يسرعون راكضين:

ــ لقد مات علي عليوي من صوت هدير الطائرات.

مات الرجل الذي كانوا يشيعون عنه، لطول عمره المديد، بأنه رافق النبي نوحاً، وكان معه في السفينة، والذي لم يكونوا يتجرأون على الدخول إلى بيته، لأنهم عاشوا دهراً طويلاً وهم متيقنون بأن حجرته مرتع للجنيات، وأن في جحورها المتفسخة الواسعة كانت تعيش حياتٌ وعقارب بحجم الإنسان.

ولقد روى عويصة لسكان الحي مرة؛ كيف أبصر ذات ليل مُدْلَهِم، أحد أولئك العقارب العملاقة، وقد انسلت من جُحرها وراحت تلتهم طفلاً لقيطاً، ألقيَ به على بوابة كوخ علي عليوي، الذي لا يعرف أحد ما بداخله، إذ لم يدخله أحد في أي يوم مضى. ولقد كان المرحوم يحرص على إطعام النمل ذي الأجنحة بيديه، ويجلس طوال النهار، وهو يفرط له ذرات الخبز، لأن النمل الطائر، كما كان يقول، هو جنس من أجناس الملائكة، أو أولياء صالحين وهبهم الله الخلود، فتحولوا خلال الدهر الطويل المنصرم إلى نملٍ طائر.

في غمرة هذه الاحداث، أسرع الساحر جمعة راكضاً نحو دار دحام، وهو يلهث هلعاً، وقد اكتسى وجهُهُ بلونٍ، لو صح أن يُشتق له اسم خاص، لكان مناسباً أن يُسمى لون الخذلان والانكسار. وما إن جلس متنحياً في حجرة دحام، حتى خشي الرجلان عليه بأن يكون أصابه أمرٌ جلل، أو مصيبة هادمة. فسارع زيدان يحضر له كاساً من الماء، ولم ينفك عنه حتى سقاه الكأس بيده. بينما شفتاه تعلكان اللا شيء، وهما تترجمان عنه:

ــ عندي ثلاثة أخبار؛ أولها سيء، والثاني أسوأ من السيء. والثالث اسوأ من الخبرين الأولين.

فنطق الرجلان بوجل، وقد انطفأت في وجهيهما كل إشراقة لأمل:

ــ هاه.؟ لا تخف..! تشجع قليلاً، ولا ترتعد كل هذا الارتعاد.!

ــ كل عاقبة دون صحتك لها معالجة.. إلا أن تقع في ما أنت فيه الآن.

ــ هوِّن عليك قليلاً، ولا تتحدث إلا بعد أن تسترد نفسك.   

استرد الساحر جمعة أنفاسه خلال دقيقة أو دقيقتين، إلى الحد الذي يسمح له أن يباشر الحديث بوضوح واتزان، دون هلع شديد ولجلجلة في الكلام. فابتدر بالقول:

ــ أول الأنباء السيئة التي سوف أزفها اليوم، هي أن الشخص الذي أتعامل معه منذ سنين، في صيد الضباع واستجلاب فروج الضبعات، قد ألقي القبض عليه هذا الصباح، أثناء عودته من سفره البعيد إلى المدينة. اختُطِف في منتصف الطريق من قبل دواعش. وتم تفتيشه؛ فأقر تحت التعذيب بأنه كان يحمل بضاعة خاصة بأعمال السحر. وأنه يبيع فروج الضبعات هذه لي أنا، ومنذ وقت طويل. فتم قطع رأسه وصلبه في ساحة عامة. هكذا فقدنا اليوم كل أمل في أن نُحضِّر سحراً أسود، لكي نضبع ذلك المدعو مصعب أبو الحكم.

تلبث الرجلان صامتَين، لا يبديان أية ردة فعل. وظلت الوجوه ساجمة تتأمل بصمت خاشع. فتابع الساحر جمعة يقول:

ــ لكن الأسوأ في الأمر، هو أن الدواعش قد توعدوا بإلقاء القبض علي، ووعدوا بأن ألقى نفس مصير ذلك المسكين، تاجر فروج الضبعات. بل أكثر من ذلك أرسلوا لي

رسالة بأنهم سوف يصلون إلي، وأنهم سوف يُقطعونني قطعاً صغيرة، أكبرُها بحجم رأس العصفور. وليس هذا هو أسوأ ما في الخبر الثاني؛ بل إن الأسوأ هو أن هذه الحرب لن تنتهي في وقت قريب.

فانشدت أبصار دحام وزيدان نحوه، وقد علاهما الذعر والتيقظ والانتباه. فأرسل بالحديث يقول:

ــ لقد حسبت كلمة “حرب” بحساب الجُمَّل، وطابقتها مع جدول فترة حكم الرئيس الأمريكي “باراك أوباما”، وبحساب الجُمَّل أيضاً. فتبين لي بأن “أوباما” سوف تنتهي ولايتاه، الأولى والثانية، قبل نهاية هذه الحرب بكثير.

غرق المجلس في صمت ويأس. وانقضت بضع دقائق لا يجد فيها أيٌّ من الحضور ما يقوله أو يعلق عليه. حتى نطق الساحر جمعة أخيراً، وكأنه كان يلقي بآخر طلقاته المحبطة في الأنفس والقلوب:

ــ أما الخبر الثالث، وأحسبه هو الأسوأ، فهو أن صديقي الوَسَخَة، قد قتل منذ يومين برصاص حرس الحدود، حين كان يحاول الفِرار من الحرب وعبور الحدود.

حاول زيدان أن يهتدي الى مشاعره وما يفكر فيه تلك اللحظة، فلم تسعفه المحاولة. فقط اكتفى بالتصريح أمام جليسيه قائلاً، حتى دون أن يهتدي إلى معنى ما يقول:

ــ انقسمت الأفكار في رأسي بضعاً وسبعين فكرة، كلها في النار إلا فكرةً واحدةً.

ثم انقلبت نفسه تنطوي على داخلها بتكتم وحيرة مريرة. لقد غدا عارياً اليوم أمام الحقيقة؛ حقيقة مواجهته لمصعب أبو الحكم، الذي بات يعتقد أنه في الطريق إليه لامحالة، طالما أن هذه البلاد التي يهجرها، فتهجرَه. ويفرُّ منها، فتفرَّ منه هي أيضاً، ولا تني ولا تفتر تسافر في داخل الحقيقة المعتمة. هذي البلاد التي تَعَرَّفَ عليها منذ نعومة الأظفار، متشابهة كالأحلام التي ننساها عادة حالما نستيقظ من رقاد لا راحة فيه. وطالما أن كل الأحلام التي ننساها بعد الاستيقاظ، تظل صلدة مثل حجر الصوان، رغم أننا لا نتذكرها بعد، ففيمَ نسافر إذن؟ ومم نختبئ وعلامَ؟

ثم ثبت تأملاته على جسد الفكرة التي رآها تخطر أمامه وكأنها مكتوبة أمامه. أو كأن لها قواماً تتحسسه الباصرة والبصيرة معا:

ــ نحن لا نسافر في الطرقات لنصل، ولا نهتدي إلى الوصول بالخرائط وإشارات المرور، وباللوحات الطرقية التي تهدي غيرنا من المسافرين. إنما نحن نهتدي بإشارات وإيقاعات القلب وحدها، ونتَّبعها. فنبضاته الداخلية هي الطريق، وهي الأسهم وهي اللوحات الهادية.

ثم استأنف يهمس لنفسه:

ــ هناك من يفضل أن يتناول وجبة الموت، دون مقبلات ومنكهات. وهناك من يفضل الموتَ، مرشوشاَ عليه بعض السكر وبعض المنكهات. فهل علينا إذن، أن نطرح القصعة أرضاً؟ أو أن نصوم عن وجبة الموت.!؟ بلى، أن نصوم عن تناول قصعة الموت حتى الموت صوماً.

وانتبه زيدان إلى صوت الساحر جمعة، وهو ينتشله من غيبوبته تلك، حيث كان يقول:

ــ هذه الليلة، سوف أتجهز أنا أيضاً للرحيل، ولسوف أذهب إلى حيث لا تمتد إلي قبضة الحرب، أو تصلني أصابعها ذات الأنياب الحديدية القاتلة. لن أموت، ولن يقطع لحمي قطعاً بحجم رأس عصفور. سأمضي إلى حيث لا يراني أحد، ولا يعرفني أحد.

فأضاف دحام إلى قوله، وهو مطرقٌ في الأرض، وقد غرق في التفكير:

ــ لن تستطيع البقاء. لا أنت، ولا كل أهل هذه الحارة . السفر قانون الراحلين جميعاً من غياهب الحياة إلى فجر الخراب. جميعكم سترحلون سواي. ولسوف تبدأ دورة الحياة في هذه البقعة، التي سوف تسوى بالأرض كما بدأت في الماضي. لقد بدأت الحياة تنبض فيها، وكنت مُستفرَداً هنا وحدي، ولسوف أرجع وحيداً كما كنت، بعد أن يهجرها الجميع.

فألفى زيدان نفسه، وهو يضيف إلى حديث دحام:

ــ دائماً هنالك في نهاية الظلام فجر. وليس ذكاؤنا هو من يُجَلِّيه ويُطلعه على الدنيا.

ذكاؤنا لا يفعل سوى المفاخرة بكل ما هو ليس من حقه. وادعاء ما لا فضل له فيه أيها الصديقان.

قال الساحر:

ــ امضوا بعيداً بعيداً. تواروا حيث لا تصل إليكم الحرب. ذلك ما أنصحكم به، وأنصح نفسي.

فجاوبه زيدان:

ــ طالما أننا لا نفر من الحضيض إلى الأوج، ولا ندرأ سقوطنا من الأوج آخر الأمر، ونحن في الحضيض، فلماذا يجب علينا أن نسافر إذن؟ وفيمَ هذا السِفار الذي لا معنى له ولا نهاية؟

ــ ربما يكون هذا هو آخر لقاء يجمعنا ـ قال الساحر جمعة، وهو يلتفت ناحية زيدان ـ ولسوف أوصيك بالمحافظة على صداقة دحام، فهي فرصة لا تحدث في العمر إلا مرة واحدة، ودحام كنز ثمين، لا يَختَبِرُ قيمتَه الحقيقة إلا رجلٌ ذو عقل لبيب.

قال زيدان:

ــ لن أفرط بصداقته ما حييت. وإن كنت مازلت أبحث عن أصدقاء؛ تبلغ درجة إخلاصهم في الصداقة، أنهم يغفرون لي كلما وجدوني أتحدث إلى نفسي كالمجانين.

سُمِع صوتٌ ينادي من خارج الحجرة، فعرف فيه دحام صوت العمة ليلى، وهي تطلب أحداً تتحدث إليه. فهب واقفاً، واستقبل الباب، وهو ينادي عليها أن تدخل الحجرة. وفعلاً دخلت. وكانت في ذروة التوتر والغضب. وما إن صارت داخل الحجرة، أمام الباب، حتى هتفت تقول، كأنها لم ترَ أحداً من الرجال الثلاثة، أو هي لا تتوجه بالحديث إليهم:

ــ ألا يوجد رجلٌ عاقلٌ فهيمٌ في هذا البيت حتى أتكلم معه؟ ألا يوجد غيرُكما أنتما الاثنين؟ أراكما لستما اثنين، بل ثلاثة.. فهل انضم المشعوذ إليكما؟ يا لكم من مجموعة تستثير الإعجاب والحسد.

ثم تقدمت قليلاً، كمن يريد الدخول في مواجهة، حتى صارت في مقابل دحام مباشرة،

فمدت يدها إلى حقيبتها، واستلت قطعة ورق مطوية ناولتها لدحام، وهي تقول:

ــ خذ.. إقرأ هذا الخطاب المرسل إليك من زوجتك بانة، والدة عبود. لقد وقع في يدي صدفة. وهي متوجهة فيه بالكتابة إليك. وقد أرسلته عن طريق أحدهم، فاستلمته أنا، وعرفت مضمونه. إقرأ جيداً إن كان لك عينان. ولكن ليس هذا هو المهم، بل المهم أن لا يعرف الصبي شيئاً عن مضمون هذه الرسالة. هل تفهم وتستوعب جيداً ما أقول؟ إنني أحذرك أن تُلمح له، ولو بأقل تلميح، وإلا فانك سوف تتسبب له في صدمة لن تبارحه طالما ظل على قيد الحياة.

تناول دحام الورقة، فقرأ فيها بعينين مذعورتين ما يلي:

” دحام.. أنا زوجتك بانة. أعلم أنه لا يحق لي أن أرسل لك كي أستنجد بك، ولكن ليس مسموحاً لي، وليس لدي الوقت الكافي، لكي أشرح كل شيء. أنا الآن أسيرة ومخطوفة منذ ثلاثة أشهر ونصف تقريباً. منذ أن بدأت الحرب، وأنا بين أيدي مسلحين لا أعرفهم ولا يعرفونني. لستُ أدري أين أنا، ولا أدري ما الذي يريدون مني. إنهم يبحثون عن أي شخص يخصني، لكي يطلبوا منه أن يفتديني بفدية مالية يطلبونها. 

دحام.. أعلم أنك لم، ولن تسامحني، كما أعلم أنني لا أستحق أن تبذل أي جهد من أجلي. ولا أن تسعى لإنقاذي. ولكن كرمى لعيني عبود، وكرمى لوجه الله، لا تتخلَ عني. تذكرْ أنني أم ابنك، وهذا من حقه عليك، لا من حقي أنا عليك.

ملاحظة: دحام، انا الآن حامل. ولقد اغتصبني هؤلاء الخاطفون عشرات المرات، كما أنهم سمحوا لي أن أكتب إليك، على أمل أن تتدخل وتعطيهم فدية لتخلصني. وأنا أعرف أنك لا تملك شيئاً من المال، وليس لديك ما تفتديني به. أعرف ظروفك جيداً. ولكن ابذلْ أية محاولة من أجلي. فقط حاول، فالوقت يمضي، ومرة أخرى أناشدك لوجه الله. وداعاً، وانتبه جيداً لعبود ولا تغفل عينك عنه.. بانة”.

*الأعمال الفنية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like