الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج33

                                  ـــ 32 ـــ

انقطعت أصوات قذائف الهاون التي كانت تتساقط على المدينة في البعيد، طوال تلك الليلة. لم يعد يُسمع أي صوت من أصوات الانفجارات، أو زخات إطلاق الرصاص المعتاد أن يأتي أزيزها غالباً من أحياء بعيدة، ولكن الحيَّ ألفَ في الفترات الأخيرة أن يهجع في ساعة مبكرة، حين انطلق فرهود الحمامجي في الليل، وقد تلثم بغطاء رأس، غطى به سائر وجهه.

كانت وجهته منزل الأرملة سعاد. ولأول مرة، شعر برهبة أن يسير متلثماً، سادلاً عن وجهه غير حاسر، ومعظم خوفه منبعه أن يتصادف وجهاً لوجه مع دورية مسلحة، فقد خمَّن توقعاً أن يطلق عليه النار بسبب هيئته الخارجية، والتي كانت كافية، كما كان يرى ويتوقع، أن ترديه، حتى دون أن يتحققوا من هويته وشخصه.

لم يكن سراً مطبقاً أن فرهود، يتردد منذ سنوات على منزل المرأة الأرملة. صحيح أن قلة من الناس كانت تعرف هذا السر، لكن فرهود ـ رغم تسرب رشحٍ طفيفٍ من سره على ملأ من الناس ـ ظل شديد الحرص على تكذيب ونفي كل ما يدور حول علاقته بسعاد. بيد انه اتخذ قراراً جامعاً وحاسماً، وهو أن يظل واقفاً، للأسف، في باب الحب.. لا أمامه ولا خلفه. ولا يخرج منه ولا يدخل إليه، كما كان يقول.

ولقد قرر في هذه الجولة، أن يُبدل طريقه المعتادة لأول مرة، خشية أن يتواجه بمسلحين، ووجد أن في هذه الإجراءات الإضافية، التي ازداد بها سرية وحرصاً هذه الليلة، كفاية أو قريباً من الكفاية التي تُحَصِّنُه، حيث لا يعرف، حتى هو، تحصنه من ماذا! والتي لا يدري المرءُ؛ ما الذي ينبغي عليه أن يفعله أكثر من ذلك.

وأثناء الطريق، قرر ـ زيادة على ذلك ـ أن يجعل طريقه من الشارع الذي تلتزمه بصطة أبو تامر الخضري، لشراء بعض الفاكهة، أو التظاهر بشرائها، وذلك تزيداً في مظاهر الاحتياطات. ثم انتابه شيءٌ من الخجل الخفيف الذي يرعش النفس من الداخل، وراح يتساءل كالمعتذر لنفسه:

ــ وما الصلة التي تربط شراء فاكهة، من بصطة أبو تامر، باحتياطات الأمان هذه؟   

وخطر بباله فجأة، من باب التزود باحتياطات أمنية إضافية، أن يمر مروراً طارئاً وسريعاً، بالمقهى الذي فقد معظم زبائنه في الفترة الأخيرة؛ وأصبح لا يغشاه إلا العدد القليل من الأشخاص في ليل أو نهار، فقد بات الناس يرتابون من مجرد قضاء وقت طويل في المكوث في المقهى، دون جلاء سبب واضح، يفسر كل هذه الخشية، وهذا الارتياب. فجلس على إحدى الطاولات، ثم راح يصغي دون قصد ولا اكتراث، إلى حديث ملول بين مجموعة من رواد المقهى، على الطاولة المجاورة له:

ــ يقال بأن الرئيس أوباما لن يقف مكتوف اليدين، ولن يسكت على ما أصابنا من قصف الطائرات.

ــ صحيح. إنهم يتحدثون بهذا الأمر كثيراً. وكثيرون يظنون بأن أصوله المسلمة قد تكون سبباً في تدخله.

ــ بل سمعتُ أكثر من ذلك.. إذ يقال بأنه يضمر الإسلام سراً في نفسه، ويبطنه خشية من مساءلة الكونغرس والنواب.

لكن فرهود، ما إن تغشى المقهى لبعض الدقائق، حتى انتابه شعور طاغٍ باحتقار نفسه. فلقد كان يتحدث في نفسه، وهو في الطريق إلى المقهى؛ بأن هذه الزيارة هي مجرد محاولة إضافية بلهاء لإثبات حضوره على ملأ من الناس، في هذا الوقت المتأخر من الليل. فتعاظم احتقاره لكل هذا الخوف والريبة التي وجد فيها مبالغة. وقال أخيراً يحدث نفسه:

ــ يا للأسف. بل يا للعار. إثبات حضور لمن؟ وخوفي هذا كله من ماذا؟

ثم تابع الطريق.

وحين وصل بيت الأرملة، مد يده، كما اعتاد في كل مرة، إلى حوض الزرع القديم المركون في جانب الباب، فأخرج من أسفله مفتاح الباب، وكان هذا اتفاقاً قديماً منذ سنوات، قد جرى بينه وبين سعاد، حتى لا يقرع بابها في الليل. وفتح الباب. ساعده على ذلك أن فترة ما بعد منتصف الليل، هي فترة انقطاع الكهرباء عن كامل المدينة وأحيائها

وضواحيها، وذلك من باب تقنين الطاقة الكهربائية، التي أصبحت نظاماً صارماً، يتم العمل به حسب أوقات محددة في الليل والنهار. أما فترة ما بعد منتصف الليل، فقد أصبحت منذ أشهر خارج نظام التقنين، وهي الفترة المخصوصة بالانقطاع التام للتيار الكهربائي، لثماني ساعاتٍ متواصلة على الأقل، وأحياناً إلى ما بعد الصباح بوقت طويل.

كان من عادتها أن تنسل كالهرة الضالة من غرفة نومها، كلما سمعت صوت قفل الباب وهو يفتح بهدوء، ثم يطبق بهدوء؛ فتعرف الشبح الداخل إلى بيتها في الظلام الدامس. ثم تتفقد في أولى حركاتها غرفة ابنتها دعد، وهي تغط في النوم في فراشها الصغير. ولقد اعتادت على هذه الحركة، بآلية تكاد تشبه الرتابة أو العادة المستحكمة. ثم توقد شمعة أو ضوء مصباح في الغرفة، حتى قبل أن يكون فرهود قد دلف إليها بعد، بحيث تكون حصتها من الرقاد ليلاً قد انتهت عملياً، أو شارفت على الانتهاء، قبل الاستيقاظ واستقبال صباح اليوم التالي، خلافاً لفرهود، الذي كان يحتاج إلى أربع ساعات أخرى، على الأقل، حتى تبدأ رحلة نومه اليومية المعتادة.

شيء ما قد تغير هذه الليلة. لم يستطع فرهود أن يستبين ما هو بالتحديد، كما أن سعاد هي الأخرى، لم تكن قد وطنت النفس لكي تعيَ؛ ما الطارئ الغريب المخوِف الذي اقتحم تلك العلاقة بينها وبين فرهود فجأة، وفي هذا اللقاء بالذات.! وإن أدرك الاثنان بحدس مبطن، أن كل هذه المشاعر الطارئة المستبدة قد صنعتها الحرب. حتى العشاق تشاركهم الحرب نشوة اللقاء وسكرة الوصال. فسألته أخيراً، بعد أن مضت بضعة دقائق على جلوسه بقربها:

ــ هل تعشيتَ، أم أحضر لك طعاماً؟

فأجاب بلهجة، تكشف عشوائية المشاعر التي كانت تضغط عليه في تلك اللحظة:

ــ ما تعشيت، وليس بي رغبة بالطعام.. للأسف.

ــ تشاجرتَ مع أحد اليوم؟ أم خسرت أحد الطيور؟

ــ لا هذا ولا ذاك حصل.. للأسف.

ــ كل شيء في خرائط وجهك ينطق بالحزن والخوف..!

ــ كنت أفكر طيلة اليوم بقرارك الأخير. بشأن جمع متاعك والسفر مع المسافرين.

ــ لا مندوحة عن ذلك، إن أردتُ أن لا أختطَف من قبل بعض المسلحين، أو أتحول، أنا وابنتي، إلى كومتين من الفحم المحترق تحت أنقاض بيتي.

ــ لن أحتمل فكرة ابتعادكِ عني بكل أسف. تحت أي ظرف يمكن أن يحدث.

ابتسمت ابتسامة رقيقة، وكأنها تصغي إلى مشاعر خبيئة، كان فرهود قد نسيها في أعماق نفسه منذ وقت طويل، فلم يعد يكترث بها مهما تقادم الزمن بالعلاقة التاريخية التي أسرتهما معاً. وبخبث ودلال، كأنما كانت تفتش عن مزيد من هذه الاعترافات، التي لا تُستفرغُ عنوة، إلا تحت وطأة الحرب وقسوة ظروفها التي أحاطت بالجميع، همست تقول:

ــ هل ما تقوله صحيح حقاً؟ ولديك الساحرة الثرية الشمطاء؟ ألا تكتفي بها؟

ــ لا أكتفي من شيءٍ في هذه الحياة للأسف. ما لم نتزوجْ أنا وأنتِ، ونبقى معاً تحت سقف واحد.

ــ تحت سقفٍ واحد؟ وإلى متى؟

ــ إلى الأبد.

ــ لكن الساحرة حليمة، تملك من المال ما يضمن مستقبلك في جحيم هذه الحرب، أكثر من أن تربط قدرك بي.!

ــ ﺍﻟﺤﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻐﺬﻯ على الهدايا والهبات والمال، ﻳﺒﻘﻰ ﺟﺎﺋﻌﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﺍﻡ، كما يقولون.

تمددت على ظهرها فوق الفراش، ثم أغمضت عينيها لتسترسل في حلم خفي، قبل أن تقول:

ــ يسعدني أن أسمع منك هذا الاعتراف. بيد أن كثيرين قد يحبون امرأة لانهم عشقوا

وجهها الجميل. وهم يرتكبون خطأ فظيعاً بالزواج منها. لأنهم يريدونها كلها، بسبب ذلك الوجه الجميل.

فهتف مستفَزَاً:

ــ يالها من عصارة فلسفة، تجمع الغباء والبغاء تحت سقف الحب.

ــ خبرة جميع الناس السالفة، تؤكد على أن بقاء الحب واستمراره ﻣﺎ ﺑﻘﻲ ﺍﻟﻤﺎﻝ .

فقال فرهود متضجراً:

ــ من يهب المال لصديق أو حبيب، للاستمساك أكثر بالحب، فإنه في الوقت نفسه، يخسر الاثنين معاً.. للأسف.

ــ سيكفيني منك أنك تهدي حبَّك لي، وتهدي سرَّك للساحرة. ومع هذا، يجب علينا أن نفكر: خيرٌ لنا أن نرحل من هنا، قبل أن نتحول إلى رماد، فهذا المكان لن يقطنه بعد فترة من الزمن حتى الجراد.. إذا ما استمرت هذه الحرب.

نظر اليها بشغف خاص. كأنما هو يراها لأول مرة، أو كنظرة العاشق الذي يعشق من أول نظرة. وهمس بهدوء:

ــ وما به الجراد؟ لماذا تكرهين الجراد؟ وهل تحتقرين أن نحيا في هذه الدنيا كالجراد؟

فقالت ببساطة وتلقائية:

ــ لأنني أنتمي إلى عشيرة الأخضر واليابس. كما أنّ أمرَ خروجنا من هذه الحارة، والنجاة بأنفسنا، لن يحتاج إلى معجزة. مع أنكم، أنتم معشر الرجال، لن تُعدموا الوسيلة متى أردتم، في اجتراح معجزة.

ثم أكملت حين لم تسمع منه جواباً: ــ ومن أجل ذلك الشيء، الذي لا يتجاوز طول أصبع بنصر اليد، والذي يتدلى أسفل

بطنكم كالثؤلول، قد تصارعون المستحيل، وقد تجترحون عجائب وغرائب.. للأسف.

فضحكا معاً.

في هذه الاثناء سمع صوت الدرويش مَلّوح، الذي جرت العادة أن يبدأ بإيقاظ الناس، وحثهم على الانتباه، قبل صلاة الفجر بساعة أو ساعتين. كان الصوت يختفي ويظهر، ولم يميزا جيداً في البداية؛ هل يكون الدرويش الآن، بعيداً في زقاق آخر، أم هو متلبثٌ تحت شباك حجرتهما في الشارع نفسه. وارتفع صوتُه موسيقياً طروباً شروداً، كأنما هو ينشد أغنية عاشقة:

ياذاكرين النبي، عالنبي صلّوا… لولا النبي ما بنوا جامع ولا صلّوا

فنطقت سعاد، كمن ينحي باللائمة على الحياة نفسها:

ــ يا لخيبة المسعى! إننا نجترح الحرام وهذا الدرويش يدعونا إلى الله.

فقال فرهود:

ــ كل امرئ موكولٌ إلى ما خُلق من أجله، ومتروكٌ لقدره.

ثم أضاف:

ــ كلُ حرامٍ في زمن الحرب يغدو حلالاً. وكلُّ حلالٍ في زمن الحرب يصبحُ حراماً.. للأسف.

ثم سأل، وقد عزم على تغيير جهة الحديث:

ــ متى سترحلين؟

فأجابت بمنتهى التصميم:

ــ قبل نهاية هذا الاسبوع.

فصمت ملياً، حتى طال سكوته وتفكيره، قبل أن يقطع بالقول:

ــ إذن عليَّ أن أوْدِعَ الحمامَ عند أحد معارفي، وأتكفل بنقله إلى حيث أذهب، ثم ألحق بك. ولتكن محطة النزوح، عند الخرابة الأثرية، هي نقطة ملتقانا القادمة، قبل أن نسافر معاً.

*الأعمال الفنية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like