الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج34

                                  ـــ 33 ـــ

في هذه الأيام، توقف الطيران عن قصف الناس قصفاً عشوائياً لأكثر من أسبوع. حتى الاشتباكات المتفرقة، والرشقات النارية العشوائية وإطلاق الرشاشات التي تُسمع أصواتُها في أماكن بعيدة، كانت حِدَّتها  تتخافت بعض الشيء، فوجد الأهالي بعض الراحة، وانصرف كثيرون منهم إلى إصلاح ما قد أعطبه الطيران من بيوتٍ ودور، وانشغل بعضهم في تجريف أنقاض البيوت التي تحولت إلى ركامٍ بكاملها. كما وجدوا فرصة سانحة لدفن أعداد جثث الموتى، التي تراكمت منذ وقت طويل، والتي منعهم قصف الطيران من الخروج لدفنها في المقابر.

لكن المشاكل الجديدة التي لم يكونوا قد ألفوها في الماضي، كانت المعاناة من شبكة الصرف الصحي التي دُمرت بالكامل، فاستحالت الفضلات والقذارات تطفو ـ كالسواقي السوداء اللون ـ في كل الشوارع الضيقة والأزقة، والتي تنبعث منها روائح كريهة لا تطاق.

كما أن شبكة خطوط الماء قد توقفت هي الأخرى، مما جعل أكثر الناس يضطرون إلى شراء الماء من صهاريج محملة على سيارات شاحنة، يدور أصحابها على الأحياء لبيع الماء بمكاييل مخصصة وأسعار محددة، وكما تباع الخضروات في الأسواق. حتى أن سائر القوم طفِقوا يخططون لحفر آبار سطحية لاستخراج المياه من جوف الأرض، وذلك توفيراً على أنفسهم من مشقة إنفاقات أخرى، بعد أن أوشكت أكثر مدخراتهم المالية على النفاذ. وما بقي لديهم من نقود، قد لا يكفي مستقبلاً لشراء حاجاتهم، من أجل شراء الطعام والماء.

وكان دحام قد رحل بعد يومين من تلقيه رسالة زوجته بانة. ودّع زيدان قبل رحيله، وأوصاه بأن يظل دائم المراقبة والانتباه لابنه عبود، كلما عاد عبود من دار العمة ليلى إلى بيت والده، كما هو حاصل عادة كل يومين أو ثلاثة. وحين سأله زيدان:

ــ هل لديك فكرة أين ستسافر؟ ومن أين سوف تبدأ في البحث عن الخاطفين؟


أجاب:

ــ حتى الآن.. لا.

فقال زيدان في نفسه:

ــ ها قد أصبحتُ اليوم وجهاً لوجه، ولوحدي، أمام عدوي وقاتلي، مصعب أبو الحكم. بعد رحيل دحام، واضطراري للبقاء وحيداً في البيت. ها قد عادت سيرتي الأولى كما بدأتها من بداية الرحلة.  

ثم عاد يسأل دحام:

ــ فهل تخبط عشوائياً في بحثك عنها؟

ــ ليس أمامي من سبيل آخر.

ــ وما أحوجك إلى ذلك؟ إنك سوف تضيع وتُضَيّع ابنك من بعدك.!

فقال دحام:

ــ الحنين أرفع القيم في هذا العالم. ولن أبادله بالأمان.

ثم أضاف:

ــ إنه وحده الشعور الذي يرتقي بتلك الخصال الطيبة، والتي نظل نحنُّ إليها، ونركض وراءها طيلة عمرنا. دون استراحة أو شعور بالإجهاد.

قال زيدان وهو يهز رأسه موافقاً:

ــ الحنين صديق، ونحن العدو.. إنني أتَفَهَّمُ ذلك.

ثم قال:

ــ ما أطول العمر الذي قطعته، ولي فيه عدوّان اثنان.. يطبقان عليَّ الحصار منذ نشأتي الأولى: ذاكرتي وضميري. هما يرفضان أية تسوية أو مصالحة. يرفضان التخفيف عني. يرفضان أن نفترق، ليمضيَ كلٌ منا في سبيله.

ثم مضى دحام لسبيله. وفي هذه الأيام أيضاً، تأكد للجميع بأن عناصر مقاتلي داعش، قد بدأوا يتسللون إلى المدينة وإلى سائر الأحياء المحيطة، تمهيداً للاستيلاء عليها. وقبل نهاية الأسبوع، كانت

الأرملة سعاد قد حزمت بعض ما تحتاجه من أمتعة، وتوجهت مع ابنتها ناحية البقعة الاثرية، التي باتوا يدعونها محطة النزوح، والتي يتجمع فيها المزمعون على الرحيل، للسير في موكب أو جماعة، وذلك من باب التوقع أن الحواجز المسلحة التي ترابط لحراسة الطرقات، لن تقوى على منع موكب كبير من الأهالي، الفارين من جحيم قصف الطائرات.

ولكن فرهود لم يلحق بها كما وعد سعاد، ولقد قال لنفسه:

ــ لن أستطيع اللحاق بها، للأسف. وعليَّ، مضطراً، أن أتأخر بضعة أيام أخرى.

وعلى الرغم من أنها ظلت تنتظره لأكثر من خمسة أيام، غير أنه لم يأتِ. وهي متلبثة ثمة، تنام وتقيم هي وطفلتها، في ذلك الكهف الحجري، الواسع الذي يهبطون إليه عبر درجات حجرية، والذي غدا ملاذاً لشتى الأهالي من النازحين، الفارين من جحيم الحرب وقصف الطيران، حيث يبيتون فيه ساعاتٍ أو أياماً، ريثما يتوافرون على كامل حاجتهم المُيسرة للسفر.

وبعد رحيل دحام بأيام، شوهدت سيارة بيك آب محملة بعدد كبير من المسلحين، وقد كانوا يرتدون ثياباً سوداء، غريبة الشكل، ويتلثمون بأوشحة تغطي سائر وجوههم، خلا الأعين. وقد أوقف المسلحون سيارتهم في ساحة صغيرة، ثم راحوا يختلطون بالسكان ويتقربون منهم، وهم يبدون اهتماماً وقلقاً على مصيرهم، ويظهرون تفجعاً على الإهمال الكبير الذي تعاني منه هذه الأحياء. ثم جعلوا يسألون كل فرد في الحي أسئلة، تشرح قلقهم من كل تلك الاحتياجات الكثيرة التي صار إليها الناس، والنقص المدقع الذي يُعانى منه هنا.

من الأرشيف

كانت الفكرة التي تقضُّ مضاجع سكان حي الصفيح أرادامس دوماً، هي أن الله قد تخلى عنهم فجأة، منذ ابتدأت الحرب. وحتى دون أن يترك خبراً أو قصاصة ورق، يشرح فيها سبب هذا الانسحاب المفاجئ. لكن بعضهم شعر بأن إرسال الله لهؤلاء المسلحين، قد يحمل إشارات طيبة من السماء؛ حتى الآن لم تتضحْ فحواها ومضامينها بعد. وحين تجمع عدد واسع من الأهالي حولهم، سُمِعَ صوتُ أحدِ الملثمين، وهو يسأل قائدهم الشيخ، ذا اللحية الكثيفة:

ــ يا شيخ يا شيخ.. هذه الحارة قد حَقّ القولُ عليهم وعلى آبائهم، منذ وقت طويل. إذ يبدو أنه ما جاءهم من نذير من قبلنا، ليهديهم إلى كتاب الله وسنة نبيه.

فانزعج الشيخ لهذا الخبر، وأبدى امتعاضه، واتخذ مظهر من سينحي باللائمة على نفسه وعلى مرافقيه من المسلحين الذين معه، وذلك بسبب هذا التقصير وهذا الخطأ غير المقصود. ثم التفت يسأل الناس فجأة ليتأكد من الحقيقة:  

ــ ماذا أسمع؟ أحقاً ما يقول أخونا هذا؟ ألم يأتِكُم من نذيرٍ قبلنا، يبلغكم رسالات ربكم ويهديكم سواء السبيل؟

وتساءل أحد مساعديه، والذي كان يقف بجنبه:

ــ على أية ملةٍ أنتم؟ وماهي قبلتكم ودينكم؟ وما الهدي السماوي الذي سوف تموتون وتلقون الله عليه؟

فعاد الشيخ قائدهم يقول، كمن ينهى مساعده عن توجيه الأسئلة بهذه الطريقة:

ــ التقصير تقصيرنُا نحن، ولا لوم عليهم. يقولون لك ما جاءهم نذيرٌ ولا بشيرٌ قط من قبلنا. وكان يجب أن نُبَلِّغهم هدى الله، حتى يلقوه وهم على حجة وبينة.

فقال رجل كان يقف مع الجمع الذي التف قريباً من بيكآب المسلحين:

ــ بلى لقد جاءنا. ولكن لم نفهمْ منه شيئاً مما قال.

ورد آخر:

ــ حتى أننا لا نعلم ماذا تعني كلمة “نذير”.

فصاح بهم قائد المسلحين جميعاً، وهو يمضي أمامهم:

ــ هيا اتبعوني جميعاً إلى المسجد، حيث سوف أبلغكم رسالة ربكم، وأهديكم إلى طرق الإسلام وإلى سواء السبيل. لن نغادركم إلا وأنتم على محجة بيضاء، ليلُها كنهارِها.

توارى الشيخ عبادة، إمام الجامع، عن الأنظار، ما إن سمع ورأى بعينيه هذه الجموع، وهي مقبلة تدخل المسجد دون استئذان منه. وارتاب بأن في هذه البادرة، تصرفاً لم يألفه في السابق قط. كما ازدحم عددٌ أوفر من المتجمعين حول المسلحين، وأخذ جامع الحي يحتشد ويمتلئ، كلما مضت برهة إضافية من الوقت. بينما ابتدأ الشيخ، قائد المسلحين يفسر للجمهور المحتشد من الأهالي، بصوتٍ خطابي جهوري النبرة، وكأنه يلقي عليهم خطبة الجمعة:

ــ حين سأل نبي الله إبراهيم، ربه قائلاً: (ربِّ أرني كيف تُحيي الموتى!) أجابه ربنا جل وعلا، في قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى. قال أوَ لم تؤمنْ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. قال: فخذ أربعة من الطير، فصِرْهُنَّ إليك؟ ثم اجعلْ على كلِ جبلٍ منهن جزءاً. ثم ادْعُهُنَّ يأتيْنك سعياً. واعلمْ أن الله عزيزٌ حكيم).

واندفع الشيخ يفسر الآيات، ويشرح للجمهور الذي تكاثر حوله داخل الجامع. وبدأ الملل يسري لدى أقلية كانت تنسل خلسة من بين المتجمعين، ثم تنصرف دون أن يلاحظها أحد. كما بدا الاهتمام على وجوه الكثيرين، وكأنهم يسمعون القرآن لأول مرة. وحين صار عبدو السكير وعويصة خارج الجامع، قال عبدو لعويصة، وقد بان على وجهه الاهتمام بشرح الشيخ كثيراً:

ــ ما رأيك فيما قاله الشيخ؟

قال عويصة:

ــ رأيي أنه كلام جيد. يستحق التفكير منا ملياً. فكرت كثيراً، بينما الشيخ منشغل في الحديث، عن تلك الطيور الأربعة التي ذبحها ووضعها على رؤوس الجبال، ثم دعاها، فانتفضت من الموت وعادت إليه. ياله من عمل مدهش.

فأجاب عبدو:

ــ لو أن الله يقبل أن يكرر هذه التجربة معي اليوم، وفي أيامنا هذه، لمرة ثانية فقط. إذن لقمت بتصويرها بكاميرا الموبايل، ولقمت بتوزيع هذا المشهد على سائر البشر.

فنظر اليه عويصة باندهاش:

ــ هل أنت جاد فيما تقول؟ لم يخطر ببالي شيء من هذا الذي قلته.

فرجع عبدو يقول:

ــ بلى. على الأقل سوف تكون ميزة التجربة الثانية، أن الأولى لم يحضرْها أحدٌ إلا النبي إبراهيم. بينما التجربة الثانية، سوف يحضرها مليارات البشر. وهكذا سوف يؤمنون كيف يحيي الله الموتى غصباً عنهم، وهم صاغرون. لسوف تؤمن مليارات الناس بالله، وهم أذلاء كالكلاب.

ــ صدقت يا عبدو. ألا لعنة الله على جميع الناس، وليأخذ الله تلك المليارات من البشر إلى الجحيم.

ــ أنت تقول ذلك لأنك تكرهنا، نحن جنس الآدميين من بني الإنسان. ولأنك من سلالة الأسماك والحيتان.

فقال عويصة:

ــ إذا ظل الحال على ما هو عليه اليوم، فإنني أخطط منذ الآن.. بل منذ وقت طويل، لكي أتثاءب من الملل. ولأول مرة في حياتي.

ولم يشعر أهل الحي، بأن مسلحي داعش قد أقدموا على إعدام قَتِيْلْوْهْ اليزيدي وصلبه داخل فناء داره، إلا بعد رحيلهم عن الحي. فقد انتبه بعض الجوار إلى غيابه وأحسوا بالجريمة، فانطلقت الأصوات في سائر شوارع الحارة، تنبئ بما حدث لقَتِيْلْوْهْ، حتى تقاطر عدد كبير من الناس أمام بيته، فاقتحموه، ليُصدموا بهول منظر الرجل وقد تدلى مصلوباً، ممزق الأوصال بالرصاص والسيوف، وهو معلق من يديه على جذع شجرة في بيته. بينما ألصقوا على صدره لافتة كتب عليها: “قُتِل حداً وكفراً. لأنه يزيدي. ولأنه يجاهر بالمعصية. ولأنه يحارب الله ورسوله. ولأنه يسعى في الأرض فساداً. ولأسباب أخرى كثيرة يطول شرحها”.

اللوحة للفنان أحمد ظاهر

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like