تلة العاقل… نص ل”زيدون الجندي” عن القطيع الجاهل وسهولة قيادته..

زياد “زيدون” الجندي، كاتب سوري من مدينة السلمية، له عدد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان ( الراعي).

رغم حداثة سن تلاميذ الصف، استطاعوا فهم ما كان يرمي إليه الأستاذ منذر، عندما كان يشرح درس القومية مبتسماً ابتسامة ساخرة، يفهمون عندما يجوح برأسه وهو يحدثهم عن ثورة الثامن من آذار، و يفهمون حركة يده وهو ينقل لهم ما في الكتاب عن منجزات الحركة التصحيحية، و يدركون جيداً لماذا يختم الدرس بضحكة طويلة لا تنتهي، إلا مع قرع جرس الفرصة.

 تلك  الحركات اللا إرادية الناكرة لواقع الحال، التي كنت تصدر عن منذر خرّيج العلوم السياسية، والذي جرى تعيينه كأستاذ لمادة القومية، عقاباً له، بعد تقرير أمني من أحد زملائه في الجامعة، أودت به مجدداً…. 

فَهم تلاميذه لما كان يرمي إليه، دون أن يفصح صراحة عما يجول في أعماقه، كان السبب في عقابه ونقله من مدرسة  بلدته إلى مدرسة قرية تلة العاقل، وهي قرية تبعد مئات الكيلومترات عن بيته.

اكتشف منذر منذ اليوم الأول لوصوله إلى تلة العاقل، أنها لا تبعد مئات الكيلومترات عن بيته فقط، بل تبعد عن كل مكان، لا بل عن كل زمان حتى. 

ربما تمر هذه التسمية قرب الأذن دون أن تلفت الانتباه، و سيقدّر الدماغ الذي تشرّب ثقافة شرق المتوسط، حتى و إن لم يسبق له أن سمع بها، أنها عائدة لتجمع سكني صغير/ قرية أو بلدة ارتفعت عن محيطها قليلاً،  قلة من غير سكانها يعرفونها، و إذا كان أياً من تلك القلة لا يعلم من أين اكتسبت اسمها،  إلا أنهم – تلك القلة – يعلمون أن ليس لها من اسمها أي نصيب.

لم يتفاجىء الأستاذ منذر أن ليس في القرية ولا محيطها أية تلة، لكنه تفاجأ أن ليس بين سكانها عاقل واحد، كما كان يقول تندراً في إجازاته التي كان يقضيها في بلدته، هم ليسوا بالمجانين بالمعنى المعروف، لكنهم يعيشون نمط حياة مختلف عما يعيشه الآخرون في هذا الزمن.

حتى وقت ليس ببعيد لم تعرف التكنولوجيا طريقها إليهم، و كأن الزمن وصل بهم إلى أربعينيات القرن الماضي ثم حرن رافضاً التقدم، حتى عبود صاحب الدكان الوحيدة في تلة العاقل، بقي حتى آخر أيامه يذهب إلى المدينة في عربته التي يجرها حصان ليتسوق لوازم دكانه، ذلك الدكان كان يبيع  فيه كل شيء بما في ذلك الأدوية، و لم يتوقف عن بيع الأدوية، إلا بعد أن افتتح في  البلدة نقطة طبية في منتصف التسعينات.

 يُقال أن أغلب سكان تلة العاقل لم يغادروا قريتهم أبداً، و أن القلائل الذين غادروها كانت مغادرتهم لها اضطرارية جداً و لفترة وجيزة، يمضون بقية  حياتهم بعدها يقصون على الآخرين مشاهداتهم في المدن أو البلدات التي زاروها، مضيفين إليها الكثير من المبالغات، لكن رغم ذلك قلّما  تحرك كل تلك الحكايا فضول أي أحد لاستكشاف المدينة.

  يُقال أن عدداً لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة غادرها إلى غير رجعة، عدا سطام الفرج، الذي قذفته الظروف إلى أرض الحرمين، فقد زار البلدة  مرة واحدة بسيارة فارهة بعد غربته الطويلة، و لكنه لم يصبر لأكثر من ساعتين أمام جنون الأولاد، الذين كان يدورون حول السيارة، ثم بدأوا بالقفز عليها حتى كادوا يحطمونها، فاستقل سيارته وولى الادبار …. سطام الذي تحول بقدرة قادر من “تلعاقلي” بسيط إلى حرباء مدنية لا يعرف له لون، كان دائم التندر بأهل بلدته، و لا يكف عن رواية الطرائف لأصحابه في الغربة عن بساطة أهله وسذاجتهم، روى ذات مرة أنه و قبل أن يغادر القرية، اقترح على الناس أن يبنوا جداراً يفصل بين مكان منامتهم ومكان منامة الحيوانات، إذ كانت بيوتهم عبارة عن غرفة طويلة لهم ولحيواناتهم، و عندما طرح فكرته، صار محط سخرية الناس هناك، حتى أنهم أطلقوا عليه لقب “الأفندي”.

رغم عزلتها عن العالم، كان لتلة العاقل طقوساً ملفتة للانتباه، تميزها عن محيطها ، إذ كانت تشهد نشاطات موسمية نهاية تبدأ مع الحصاد، وتنتهي بانتهاء أعمال البيدر، قوامها التنافس بين الرجال في أعمال الحقل، وتختتم تلك النشاطات بسباق الحمير، لم تكن هناك جائزة مادية للفائز، بل كانت جائزة معنوية يحظى بها الفائز، شرط أن  يتفوق في جميع الاعمال، بما فيها مسابقة الحمير، دون اي خسارة فيطلق عليه “الأشبهي” طيلة العام، أما إذا خسر أحدهم خسارة مطلقة، دون أي ربح، فيطلق عليه لقب “الجحويش” طيلة العام، والطريف في الأمر أن حامل لقب “الجحويش”، هو الرابح إذا اعتمدنا منطقاً مغايراً لمنطق سكان تلة العاقل، فالـ”جحويش” لا يطلب منه المشاركة  طيلة العام بأية أعمال جماعية، أما “الأشبهي”، فيجب أن يكون موجوداً في كل عمل يستوجب التكاتف، بل و عليه أن يبذل جهداً مضاعفاً عن غيره من المشاركين، ليثبت أحقيته باللقب.

ولم يغفل الأهالي عن حجب كلا اللقبين، إذا لم يتم الفوز بأحدهما بشكل مُطلق.

منذر الذي اعتاد نمط الحياة البسيط، والغريب في تلة العاقل، أصبح مع مرور الوقت المحكّم في النشاطات الفلاحية، حتى أنه لم تعد تساوره نوبات السخرية، وهو يشرح الدروس للتلاميذ ، إذ يكفيه أنه تخلص من دروس القومية، كون مدرسة تلة العاقل، هي مدرسة ابتدائية، ليس ضمن منهاج صفوفها مادة القومية .

 لفت انتباه الأستاذ منذر كيف تكررت خسارة فارس المطلقة،على مدى ثلاثة مواسم متعاقبة فأخذته به الشفقة، وقرر مساعدته على التخلص من لقب “الجحويش”، وعندما فاتحه بنيته على مساعدته ضحك فارس، و قال له : بالله عليك لا تفعل، خلي الأشبهية تنفعهم، أنا مرتاح هكذا .

نهره منذر قائلاً : يا رجل ؟؟!! ألا يشعرك بالأذى هذا اللقب ؟؟

 لكنه لم يرد و مضى إلى سبيله، وقد لازمه لقب “الجحويش” إلى يوم مماته، ليرثه ابنه الوحيد من بعده “ابراهيم الجحويش” … ابراهيم الذي لم يكن أقل كسلاً  من أبيه، لم يكن يزعجه اللقب قبل صباح ذلك اليوم الذي استيقظت فيه تلة العاقل على جلبة، أثارها الشيخ “سطام” الذي عاد إليها مؤخراً، و قد اتشح عباءة التقى … تلك الجلبة كانت بسبب مكبر الصوت الذي ثبته على سيارته، ووقف في منتصف القرية، وبدأ يحض الناس على الجهاد ضد الكفار.

في ذلك الصباح شعر ابراهيم أن لقب “الجحويش” أصبح ثقيلاٌ عليه، بعد أن وضع الشيخ سطام أمامه حقيبة مليئة بالمال، وقال له : اذهب واشتر السلاح والرجال، فالجهاد لم يخلق إلا لأمثالك أيها الأمير.

لم يستطع منذر الذي كان يراقب ما يجري مشدوهاً، تفسير كيف التف الجميع حول سطام و ابراهيم، ولم يستطع السكوت، فقررمواجهتهما، لكنه تراجع حين وجد نفسه وحيداً، و قرر كتابة قصة تلة العاقل، علها تتعلم من تجربتها الأجيال القادمة، إلا أنه قضى رفساً بحوافر رفاق الأمير ابراهيم، عندما قال على مسمع من أحدهم : هذا الجحويش أصلح ما يكون لقيادة هذا القطيع .

*الأعمال الفنية، للفنان المصري الراحل محمد صبري.

Leave A Comment

You May Also Like