الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج35

                    ــ 34 ــ

في هذه الأثناء، كان عباس القرباطي يدور على كل من يعرفهم في الحارة، ليودعهم قبل رحيله، وهو مستغرق في تقديم شروح طويلة مسهبة، وتبرير الأسباب التي أجبرته على الرحيل أخيراً، بينما الدموع تسيل من عينيه، معتذراً أو كالمعتذر من جيرانه وأصدقائه المقربين.

كان سبب رحيل عباس القرباطي، أن آخر قافلة من الغجر الراحلين قد جاؤوا اليه، وأفهموه بأنه لم يبقَ من الغجر أحدٌ غيرهم، وأنهم يتجهزون للرحيل عن الحي بعد ثلاثة أيام. وقد خيروه؛ بين أن يرحل معهم، أو أن يبقى وحده، لا أهل له هنا ولا أقرباء. وأنه لن يجدَ عوناً ولا رفيقاً، ولا أحداً سوف يُعينه على السفر، فيما لو رحلوا بدونه، وفيما إذا ما قرر لاحقاً أن يسافر لوحده. ثم ختموا بالقول:

ــ فكرْ جيداً؛ بعد ثلاثة أيام، وعند فجر اليوم الرابع، إما أن تغادر معنا، أو أنك سوف تبقى لوحدك. ولن تجد عوناً من الغجر على السفر، وقد تضيع وأسرتك في البراري والحقول، ولن تستطيع النجاة. 

فقال أخيراً، وهو يجهش بالبكاء المرير:

ــ آفة الحرب ليس في كونها تدفن من مات فيها. بل أشد قسوتها، أنها تفرق الأحياء، وتنثر الأحبة والخلان في كل الأصقاع.

وقبل أن يمضي الشيخ الداعشي، ومن معه من المسلحين مغادرين الحي، تهامس بعض عناصر داعش ممن كانوا برفقته، ثم تركوه يلقي بخطبه على المتجمهرين في الجامع، وانسلّوا دون أن يلحظهم أحد، في حركة التفاف وانقضاض قاموا بها في الشارع الآخر، والذي يحتوي بصطة أبو تامر الخضري، وراحوا يملؤون البيكاب بالبطيخ وصناديق الخضار والفواكه. فجعل الخضري يبكي ويلطم، ويرجوهم بحرارة أن يكفوا ويذروا رزقه وبضاعته. ثم هرول نحو الجامع يبحث عن شيخهم ليبلغه قائلاً:

ــ سيدنا الشيخ. يا شيخنا. لقد سرق بعض الأشرار رزقي وبضاعتي.

فامتعض الشيخ أيما امتعاض للخبر، وتبدى الغضب في وجهه، حيث قال متفاجئاً:

ــ ماذا تقول؟ هل يوجد أيضاً في هذا الحي أشرار وسُراق؟ وفوق ذلك، تجرأوا على الظهور دون خوف أو خشية منا، أثناء مروري، أنا ومن رافقني من الأخوة إلى هذا الحي، لنبلغ الناس رسالات ربهم؟

أثناء ذلك، سقط صاروخٌ كبير الحجم فوق المقهى، فزُلزِل الحيُّ زلزالاً شديداً، وبدد انفجارُه كل انشغال للناس، وهرع الجميع ينظرون موقع الصاروخ وما الذي أحدثه من دمار. فهالهم مشهد المقهى، الذي بدا وكأنه تبخر معظمه في الفضاء من حوله، وقد حُفِرت في وسطه حفرة كبيرة هائلة المنظر، بينما تناثرت الجدران والأسقف في كل الجهات، كما تتناثر كومة من الحبوب أو الطحين، فتملأ السماء، وتسد الهواء.

اختلطت أشلاء القتلى بأثاث المقهى وطاولاته ومقاعده الخشبية، حتى لوّنت الدماءُ التي تناثرت من أجساد مرتاديه؛ ممن كان موجوداً من رواد المقهى ومن عماله، لونت دماؤهم بلون التراب والرُكام، وخضَّبت خيوطُ الدماء المنظر بخضابٍ قانٍ، كأنما تحاول أن تعيد دهن اللوحة من جديد بلون أحمر.

كان الكرسون نوري، أول من أخرجوا أشلاءً من جثته من تحت الركام، بينما توزع جثمانه المتناثر في كل اتجاه، وغدا عديده فتاتاً من قطع اللحم التي يصعب لملمتها كلها، فجمعوا منها ما أمكن تجميعه، ثم لفُّوا كل تلك الأكوام من اللحم المختلط بغطاء. وخلفوا الجثامين جميعها وراءهم منصرفين، عسى أن يطلع الصباح عليها، فتجد لها فرصة سانحة للدفن.

بعد حادثة الصاروخ الذي أحدث كل ذلك الدمار بالمقهى، وصلت إلى حي الصفيح أرادامس امرأة، عرّفت عن نفسها بأن اسمها “الحاجة هدية”. يشيع منظرها المكتهل بأنها تجاوزت الستين عاماً، وإن كانت في الحقيقة، أصغر من ذلك بكثير. سألت عن منزل الساحرة حليمة، واتصلت بها، ثم ألحت في طلب لقائها حتى فرغت حليمة لها. فانطلقت تشرح لها تفاصيل حكاية طويلة ومعقدة، وكثيرة الحواشي، تتعلق بابنها الشاب المخطوف على طريق لبنان، أثناء عودته بعد أربع سنوات من انقطاعه للعمل هناك.

ثم قالت أخيراً بأنها سوف تطلب مقابلة خليفة المسلمين، لتطلب عونه ومساعدته في تحرير ابنها من الخاطفين، الذين ذكروا لها بأنهم هم من أعوان الخليفة وجنوده أنفسهم، وأنهم بعض المقاتلين باسمه. وشرحت بإصرار، أنها إذا لم تتمكن من مقابلة الخليفة، فقد ترسل خطاباً مطولاً “تشرح فيه كل شيء” ـ حسب تعبيرها ـ توصله إلى الخليفة شخصياً، كما قالت، وقد عزمت أمرها بتصميم لا تراجع فيه. وذلك بناء على نصيحة زَوَّدها بها أحد مقاتلي داعش.

طلبت منها الساحرة حليمة أن تمنحها فرصة للتفكير ملياً في الموضوع، لكن الحاجة هدية ألحت وألحفت في الطلب، وكان أهم ما يعيقها عن رفع الطلب، كما شرحت ذلك للساحرة حليمة، أنها أمية، لا تجيد القراءة والكتابة. ولذلك لجأت إليها تستعين بها، وتسألها النصح، وتتوسل أن تجوِّد لها الرسالة، التي تشرح كل التفاصيل فيما يخص ابنها الشاب المخطوف.

وأمام إلحاحها المفرط، اضطرت الساحرة حليمة أن تستمهلها لمدة يومين فحسب، ووعدت بأن تكتب لها خطابها المفصل الذي تشرح فيه كل شيء للخليفة. ثم قامت بإكرام العجوز، وأفردت لها حجرة خاصة بها في منزلها، لكي تمكث فيها خلال يومين، ريثما تنتهي من مشاغلها بعد يومين، ثم تتفرغ لها، وتشرع في كتابة الخطاب.

لكن المفاجأة التي صدمت العجوز، الحاجة هدية، جاءت عقب اليومين. لتكتشف بأن الساحرة خلال فترة انتظارها وضيافتها في بيتها، إنما كانت تستمهلها، بينما هي في الحقيقة كانت تتحضر وتعدُّ عدة سفرها للمغادرة والنزوح من الحي. وحين بحثت عنها  

بعد مرور يومين، وجدت البيت فارغاً من كل قاطنيه، وفاجأها أنها ألفت نفسها وحيدة بين الغرف والجدران، وفي فناء ذلك البيت الرحب.

اضطُرت الحاجة هدية إلى ترك بيت الساحرة حليمة، ومعاودة البحث والسؤال عمن يمكن أن يجيد الكتابة، كي يساعدها على كتابة الخطاب وتجويده، لإرساله إلى خليفة المسلمين كما قالت، عسى أن يتدخل ويأمر بإطلاق سراح ابنها الشاب العامل في لبنان.

    

*الأعمال الفنية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

                                   

Leave A Comment

You May Also Like