الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج36

                    ــ 35 ــ

بعد مرور أسبوعٍ هادئٍ، عاود الطيران القصف بوحشية منقطعة النظير على الحي، وعلى بقية أحياء المدينة بلا استثناء. بالرغم من أن من بقي في الأحياء والحارات من السكان، باتوا يُعدون أقل من ربع عدد الأهالي؛ إذا ما قورن العدد بما كان عليه قبل الحرب. حتى أن بعض الناس تعالت أصواتهم بغضب واستنكار؛ عن بواعث كل هذا القصف الجنوني المستمر في الليل والنهار، دون مغزى أو سبب، وعلى امتداد هذه الأشهر الطويلة.

وبمرور الوقت وتتابع الأيام، باتوا يعرفون أنواع الطائرات التي تقصف الناس وتقتلهم من أصواتها، ومِن مواعيد إلقاء حممها المدمرة فوق بيوت الناس ورؤوسهم. فكانوا يميزون كل غارة بنوع طائراتها، وطريقتها في تقطيع الأجساد إلى أشلاء، وجنسية الدول والحكومات التي تشارك في الحرب عليهم وقتلهم، وموديل كل طائرة والعام الذي صنعت فيه.

كانوا يشعرون ببعض الراحة النفسية من طائرات التحالف التي تعد صديقة للشعب، لأنها لا تقتل أكثر من ثلث الضحايا، في كل مرة يبدأ فيها القصف عليهم، بينما يجتاحهم الهلع والخوف أكثر من الطائرات العدوة، وطائرات السلطة الحاكمة، لأن حصتها من القتل تصل إلى الثلثين، أو في حدود الثلثين تقريباً. مع أنهم لم يستشعروا قط، ولو لمرة واحدة، أن طعم الموت بقذائف الطائرات الصديقة، أفضل من طعمه بقذائف الطائرات العدوة.

وتساءل  رجالٌ في الحي مستنكرين:

ــ لماذا يرمون بكل هذه الحمولات المتفجرة فوق بيوتنا ورؤوسنا؟ أنحن من أشعل هذه الحرب؟ أم نحن من كان على علم بها أصلاً؟ أم كنا من جُناتَها؟

فقال أحدهم:

اللوحة من الأرشيف

ــ مستحيل أن يكون هذا الطيران على خطأ، لأن كل الدول المتقدمة والمتحضرة تشارك وتشترك فيه.

فأجابه آخر:

ــ ومستحيل أيضاً أن يكون هذا الطيران على صواب، لأنه يقصف أهدافاً لا علاقة لها بالحرب. أهدافاً وجودُها وعدمُه سواءٌ عند تلك الدول.

ــ نحن إذن مَصَارِعُ المستحيلين وضحاياهما: إن كان هذا القصف صديقاً وعدواً في الوقت نفسه.

وتدخل رجل آخر في الحديث قائلاً:

ــ يزعمون بأنهم لا يقتلوننا، وإنما هم يقتلون إرهابيين.

ــ ما معنى إرهابيين؟ لم نرَ إرهابياً واحداً قد استهدفته الطائرات. إنما نحن فقط من نُقتل بهذه القذائف والحمم الملتهبة.

فقال أحد طلبة العلم في الحي:

ــ لا تنسَ أيضاً؛ أن صناعة وتخريج إرهابي واحد، تكلف من الوقت والمال والكادر المشغل المسؤول عنه، أضعاف ما تكلفه صناعة وتخريج عالم فيزياء.

ــ بيوتنا أصبحت مقابرنا، وأحياؤنا باتت أطلالاً.

كانت صيدلية أبو فريد أول الأهداف التي استهدفها الطيران ودمرها، و كان أبو فريد الصيدلاني هو أول ضحايا القصف، وقد تمَّ سحب جثته من تحت ركام وأنقاض الصيدلية، عقب أيام عديدة مضت عليها بعد تعفنها. ولولا روائح كثير من الجثث التي كانت تدل على مكان أصحابها، ربما لمضت شهور طويلة، وما كان بالإمكان معرفة مكان بعض الموتى، عقب كلّ قصف للطيران.

أما شجرة الزيزفون، التي تفحمت واستحالت إلى كتلة متداعية من الرماد والفحم، فيبدو أن لا أحد في حارة الصفيح، قد اكترث لها، أو انتبه أو شعر بها.

اللوحة من الأرشيف

في هذه الفترة، حدثت في الحي حادثتان مروعتان أثارتا ذعر الناس، وجعلتا الجميع يرتجفون هلعاً ويتحسبون من مستقبلهم في الحي. فلقد تفاجأ الناس في ظهيرة أحد الأيام، بأعداد من مقاتلي داعش وهم يلقون القبض على عبدو السكير، بعد أن أوهنوه ضرباً بأعقاب البنادق، حتى غطت الدماء سائر بدنه. ثم جرّوه وهو لا يقوى على السير معهم إلى ساحة الحي الرئيسية. وهنالك تمَّ ربطُه إلى شاحنتين متعاكستين في الاتجاه، بينما وقف أحد المقاتلين يذيع على السكان المتجمعين، أو من تجرأ منهم على الخروج ومتابعة ما يحدث، بياناً قصيراً، لم يفهم منه أحد شيئاً، من جمهور الحي الذي شهد الحادث، وكان الملثم الذي تلا البيان، يشرح فيه للجمهور أسباب وظروف العقوبة وحكمها ومسوغاتها.

ثم أعقب المسلحون الملثمون، بعد قراءة ذلك البيان، بأن أوثقوا عبدو السكير إلى الشاحنتين المتخالفتين في الاتجاه بحبال قوية، وربطوا سائر جسمه، من رأسه إلى أسفل رجليه، حتى تغطى جسده بالحبال أو كاد. ثم انطلقت الشاحنتان مسرعتين، في توقيت واحد. فتمزق جسد عبدو نصفين على امتداد طوله، وتقطع الجسد شلوين، نصفه الأول ذهب مع الشاحنة اليمنى، بينما راحت الشاحنة الأخرى تسحل بقية البدن سحلاً، وقد خطَّت الشاحنتان خلفهما خطوطاً من الدماء، ترسم مساراً لكل واحدة يعاكس الأخرى.

وحين تجرأ أحد المتجمعين على أن يهمس في أذن جاره، مستفسراً عما حدث:

ــ ما الذي يجري؟ لماذا كل هذا؟ وماهي الجريمة التي فعلها لكي….. ؟

أجابه جاره بقربه همساً:

ــ سمعه أحدهم وهو يصيح غاضباً في وجه رجل من أهالي الحي: “اتركني وعيف ربي”. فقالوا بأنهم حكموا عليه بالردة والموت.. من أجل قولته هذه.

أما الحادثة الأخرى، فقد جرت في مساء ذلك اليوم نفسه، الذي قتل فيه عبدو. إذ انتشر خبر سريع راح يتناقله الجميع بذهول ورعب واستغراب. حيث أقدم فتى دون الرابعة عشرة من العمر، على أن يخط بالدهان على أحد الجدران، عبارة كان قد سمعها أثناء المظاهرات: “إحنا ما نحتاج النيتو. إحنا نجيبو من نص بيتو “. بينما كان يراقبه مقاتل من داعش، كان يقف متلطياً في زقاق فرعي، وهو متلثم، ورشاشه بيده بينا هو يراقب الفتى.

اللوحة للفنان أحمد ظاهر

وقبل أن ينتهي الفتى من خط عبارته على الجدار، فتح المسلح الرشاش عليه حتى أفرغ كل مخزن ذخيرة رشاشه في جمجمة الفتى، الذي انكب بجسده على العبارة المكتوبة انكباباً قوياً، بينما أوشكت الدماء المتناثرة أن تمحوَ بعض كلماته وحروفه التي خطها. والتي انطمست بما فاض فوقها من الدماء.

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like