الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج37

                    ــ 36 ــ

وذات مساء، رجع عبود بن دحام الى منزل والده، لكي يبلغ زيدان رسالة. فوجئ زيدان بالطفل ابن الثلاثة عشر ربيعاً وقد حمل كيساً صغيراً، فيه بعض ما لا يُدرى من متاع وأغراض. وهتف الطفل في وجه زيدان، كأنما هو يوجه إليه إنذاراً أخيراً:

ــ بلّغْ أبي إذا عاد إلى بيتنا هذا، أنني لن أعود إليه بعد اليوم. فقد التحقتُ بصفوف الدولة الإسلامية.

ثم استدار نحو سيارة كانت تقف في الشارع، وهي تنتظر خروجه وانضمامه إلى ركابها المسلحين بداخلها. صاح زيدان به:

ــ عبود.. عُدْ.! لأن ما تفعله خطأ، لن يرضى به والدك.

فوقف الفتى قليلاً في مكانه، ثم ألقى نظرة أخيرة على البيت، ثم على زيدان، دون أن يضيف أو يُعَقِّب على ما قال زيدان، الذي استأنف يقول للطفل بغضب ممزوج بالتوسل:

ــ ستغضب العمة ليلى من فعلك هذا. وسوف يغضب والدك غضباً شديداً.

فما كان من الطفل إلا أن صاح بزيدان من بعيد:

ــ زيدان.. أنت تكذب.

ــ أنا أقول الصدق والحقيقة.

ــ بل إنك تكذب.

ــ عبود.. تذكر للمرة الأخيرة: أمك مخطوفة، ووالدك رحل يبحث عنها.

ــ أنت تكذب يا زيدان.. تكذب.. تكذب.

ــ عبود.. تذكر للمرة الأخيرة. هؤلاء الذي ترحل معهم اليوم، هم من خطفوا والدتك، وهي بين أيديهم حتى الساعة.

 ــ أنت تكذب يا زيدان. ولن يثنيني كذبك عن هدفي. أنا رجل، ولم أعدْ طفلاً كما كنتُ دائماً في أنظاركم جميعاً.

ــ عبود.. هؤلاء اغتصبوا والدتك. وقد يقتلون…..!!

لكن عبود كان في تلك اللحظة، قد وصل إلى السيارة المنتظرة في الشارع، بعيداً عن المنزل بقليل، وما إن دلف داخلها، حتى انطلقت به مسرعة، كريح الهبوب في أعاصير الخريف.

ولقد أصاب فرهود الحمامجي أرقٌ من الحيرة التي استبدت به. إذ ظل يجلس طوال اليوم، ولساعات طويلة، مقابل منزل سعاد الذي خلا منها ومن ابنتها، ولم يعد يأكل إلا القليل من الطعام. ولا ينام إلا بعض ساعات من الليل، كما أنه لم يعد يختلط بالناس أبداً، فلا يكاد يكلم أحدهم، إلا مكرهاً على الحديث.

أما طيور الحمام، فقد أهمل أمر متابعتها والعناية بها إهمالاً شديداً. حتى أن بعض أهل الحي، قد تشككوا بأن فرهود ربما يمضي في بداية الجنون، وظنَّ بعضُهم بأن الساحرة حليمة قد “عملت له عملاً ما”، قبل أن تهجر الحي. أو أن حمود الأغواني قد أصابه بعينه، في لحظة تجلٍ قاتلة لعينيه.

وأكثر من لاحظ هذا التغير الكبير الذي طرأ على فرهود، هو الدرويش ملّوح، فكان يمرُّ به في أغلب ساعات النهار أو الليل، فلا يكادان يقولان لبعضهما شيئاً، إلا ما صدف من عبارات ضرورية. وكان الدرويش مَلّوح أحياناً يجالسه، ليؤنس وحدته دون أن يتحدث إليه.

وفي إحدى الليالي، بينما كانا يجلسان صامتين وحدهما، بعد الهزيع الأخير من الليل، تجرأ مَلّوح وسأله:

ــ أتظل متلبثاً مقابل بيتها لتتذكرها؟ أإلى هذه الدرجة بلغت بك الحال؟

أجاب فرهود:

ــ الأشياء التي تبقى ذكرى تذكرنا بمن نحب، نوزع عليها الحب، بنفس القدر الذي كنا

نهبه للأحبة.. للأسف.

فهمس الدرويش موافقاً بصوت خفيض:

ــ صدقت.

ــ .. وذلك حين لا يبقى لنا من الحب، إلا أن نبذره فوق كل غرضٍ أو حجرٍ أو شيء خلَّفَه الراحلون.. للأسف.

ثم طال الصمت بينهما، حتى قطعه فرهود يقول للدرويش:

ــ أريد أن أوصيك، إن أنا استشهدتُ في وقت قريب بعد اليوم، أن تطلق جميع الحمام من أقفاصه وأعشاشه.. ذره يحلقْ في السماء.. وليرحل أينما أراد.

فصمت ملّوح، ولم يُعَقِّبْ على قوله بشيء. فرجع فرهود يقول، ليشرح الفكرة أكثر:

ــ ذلك لأنني أخاف، إن أنا نجوتُ من الموت، أن أتراجع عن قراري هذا، وأن لا أقوى على تنفيذ ما أوصيتُك به.. للأسف.

وبعد ثلاثة أسابيع مضت على هذه التوصية التي زوّد بها فرهود الدرويشَ ملّوح، أصاب صاروخٌ موضع جلوسه المستديم ذاك، والذي بات كأنه مسكنه الجديد، الذي قرر أن يثوي فيه ما أتاحت له البقية الباقية من أيام. فدمر الصاروخ منزل سعاد وكل ما يحيط به من أكواخ ودور، ضمن دائرة يفوق قطرُها الستين متراً.

أما جثة فرهود المتفحمة والمقطعة، فلم ينتبه أحدٌ إليها، إلا بعد أن فاحت منها الروائح تحت ركام المنازل الغضارية، والصفائح وأعمدة الخشب.

كما أنه لم يُعثرْ إلا على ربع أشلاء جسده قبل دفنه. 

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like