الحرب… رواية للكاتب السوري “معبد الحسون”…ج38

                    ـــ 37 ـــ

في نفس الليلة التي غادر فيها عبود منزل والده، شعرت العمة ليلى بفقده، فأسرعت مهرولة تركض نحو البيت الذي خلا إلا من زيدان، وهي تصرخ وتنوح وتعول، بينما عباراتها المتسخطة تصدح في كل مكان. حتى باتت تُسمع في البيوت المحيطة المجاورة. ولم تَكُفَّ للحظة عن استمطار اللعنات، وصب جام غضبها ـ الذي خرج هذه المرة عن كل حدٍ وطور ـ على زيدان ودحام على حد سواء، ثم على المسلحين والحرب، وعلى الناس جميعاً والعالم بأسره.

 فكانت تبحث في فناء الدار، ثم ترجع إلى زيدان مهددةً له بأن يبادر إلى إيجاد الطفل الذي “ضاع منّا إلى الأبد”، كما كانت تصيح. أو تأمر زيدان بأن “يخلقه من العدم”، مثلما كان هو السبب في خروجه، وعدم قدرته على صدِّه وردعه عن الذهاب. ولقد حاول زيدان أن يشرح أو يفسر لها ما الذي جرى بدقة وتفصيل، لكن محاولته باءت بالفشل، وذهبت كل جهوده في تهدئتها أدراج الرياح.

في تلك الليلة، قررت العمة الرجوع إلى بيتها، لكي تتهيأ وتجهزَ نفسها وثياب خروجها كما ينبغي، وبعد قليل خرجت من منزلها وهي تندب وتعول، وتشتم الحرب والمسلحين. ولم تستثنِ من لعناتها أحد.

وقبل بزوغ الفجر، عُرِفَ بأنها ذهبت إلى أحد مقرات مسلحي داعش، وهناك طفقت تشتم وترعد وتزبد مطالبة إياهم بأن يعيدوا لها الطفل الذي “ماتزال حتى اليوم، تناوله الطعام بيديها لأنه لا يحسن حتى الآن أن يتناول طعامه بنفسه كما قالت”. فما كان من المسلحين إلا أن ألقوا القبض عليها، واختفت بعد ذلك الحادث الأليم إلى الأبد، حيث لم يُعثَرْ لها فيما بعد، على أثر ولا خبر.

أحس زيدان بأن أحدهم يحوم حول البيت. نهض وسط الظلام وأشعل شمعة. ثم خرج من حشوة فراشه وجعل يدور حول المنزل الذي خلا إلا منه، وبات في كوخه تلك الليلة وحيداً. وحين بات أكيداً بأن هواجسه حول وجود أحد ما، يراقبه من خارج البيت، بذل

جهداً إضافياً لكي يُطمْئِنَ نفسه من جديد. ثم رجع إلى فراشه، لكنه لم يعد بمقدوره أن يستأنف نومه ثانية.

أعاد إطفاء الشمعة في كوخه وإشعالها أكثر من أربع مرات خلال ساعتين، وهو ينهض ثم يعود إلى تحت لحافه. وظن لوهلة بأنه سمع صوت الغريب الذي يرقبه عن كثب، وهو يصدر نحنحة مكتومة. فهمس لنفسه بخوف:

ــ أيكون هو؟

لكنه عاد يدفع الأفكار مرة أخرى، كما يحاول إنسانٌ أن يهدم جداراً عبر دفعه بأكتافه. ثم همس ثانية:

ــ أتراه وصل في هذه الليلة الاستثنائية؟ 

وحاول زيدان أن يتذكر أين تلقى مثل ذلك التعليم، لكن المحاولة فشلت. إذ كل ما يتذكره اليوم أن وصفة دقيقة تعلمها، على الأرجح أثناء الاعتقال، عن شيء يُسمى “رائحة الفكرة”. يتذكر اليوم أن رائحة الفكرة هي بعضُ مزيجٍ من أفكار مصفاة، أضيفت إليها رائحة زمن محيطٍ بتلك الأفكار، لم تألفها الكائنات العضوية بين روائح الطبيعة. أو هي تركيب يطابق عكس ذلك؛ رائحة من الروائح التي تهبُّ فجأة دون إنذار، وتنتثر كغبار كوني، وقد تعززت بإضافة قليلة من أملاح فكرةٍ ما، أو أفكار خفيفة.

فهتف لضيفه الطارئ بصوت حاول أن يكون طبيعياً، وقد حاول أن يصفيه من كل شائبة اضطرابٍ أو خوف، أو ارتعاشة وجل:

ــ لماذا لا نفعل ما يفعل الآخرون حين يتعارفون لأول مرة؟ نتصافح، ونسلم على بعضنا، كما يتقابل عادة كل الرجال؟

كان قد نذر يومه ذاك خلال النهار للتجوال. اقترب من النهر أكثر فأكثر، وحاول أن يتحسس الأمكنة التي لم يطرقها أيُّ إنسان قبله منذ أزمنة طويلة. ثمة عشبٌ نهريٌ. ضفادع. أوراق شجرة الزلِّ التي يتَيَبَّسُ أسفلُها بينما يبقى أعلاها مخضوضراً. ونسيسُ حشراتٍ وهوامٌ منتشرٌ كالجراد الترابي اللون. وحصى ملونٌ يعشق الشمس والهواء

وماء النهر. حيّاتٌ صغيرة تلوب في مسامات الرمل وثقوبه. طحالبُ المستنقعات المجاورة، فضلاً عن دِمنِ الرمل والحجارة اليخضورية التي تكاد أن تنطق بكلمات غير مفهومة كالوشوشة. ومنسرَب كائنٍ حي يفوق النمل عدة مرات في حجمه وكينونته. لا شكل محدد، ولا اسم له. وهو يشق خيوطاً متعرجة تصل الصخور البالغة الهشاشة، بشقوق الطمي التي تيبست تحت الشمس. وجدولٌ من جذور أشجارٍ يُفَتِّق الطميَ ويحيا تحت غطائه، وهو يمارس أسرار الحياة بعيداً عن كل عين باصرة. ثم يغمز سلسل الماء بعينين مكسرتين، بينما يغطي الحصيات الناعمة التي تنسدل طياً ثم تنطوي سدلاً.

عندئذٍ سمع صوته لأول مرة:

ــ فلنفعل. هلمَّ إذن يا زيدان. لترحب بي كما ترحب عادة بضيف طارئ.

تولد رائحة الفكرة، أول ما تولد كحبات رملٍ لا قوام لها. تسعفُها موجودات الحياة المحيطة بقوام جديد، فتَشِفَّان عن ولادة مخلوق جديد. هذا الخلق الجديد الذي انفطر من العدم، هو ما سماه زيدان رائحة الفكرة. بات الآن يعلم يقيناً أن مسألة مصعب أبو الحكم هي رائحة فكرة، تطيفت حول قوامٍ متماسكٍ داخل النفس. ثم ظلت تشتد وتتصلب ويتقوى بعضُها على بعض، ثم انفـثأ كل ذلك كبركانِ الوهمِ والذكريات الملجومة بأمراس الماضي وأغلاله. تماماً، وكما الحياة والموت ينبثقان من خضاب المفاجأة وإرهاصات الأفق العاشق. ثم هوَّمت رائحة الفكرة، حتى نفذت في مسامات القلب وخياشيمه التي تَشْتَمُّ الوجود، دون أن ندرك على وجه اليقين بأي آلةِ شمٍ يستطيع القلب أن يشْتَمَّها أو يتنفسَها، فينفذَ في شغافه كل هذا الهبوب الذي يتغشانا، ونحن سادرون معرضون عن الفكرة ورائحتها.  

ــ متى وصلت؟

ــ قبل خروجك في المرة الأولى إلى الشارع، وقبل أن تدور حوله بحثاً عني.

ــ نحن مجرد فقراء أشقياء. نذبح بعضنا بلا شفقة ولا مسؤولية. أنهكتنا الحرب، وقتل الحرمانُ والخوف والجوع كلَّ رغبة للحياة في داخلنا.

أشعل الشمعة وقربها أكثر. حتى توسطت المسافة الفاصلة بينه وبين مصعب أبو الحكم.

كان هذا الأخير يفترش صندوقاً خشبياً متداعياً، والذي يُعدُّ الكرسي الوحيد في كوخ زيدان. وبعد مضي هنيهة طويلة. (لا يمكن الجزم إن مضت طويلة أم خاطفة). قال مصعب أبو الحكم:

ــ هل أنت جاهز الآن لكي نمضي؟

ــ مه..؟

ــ يجب أن نرحل عن هذا المكان قبل بزوغ الفجر.

تذكر زيدان وقتئذٍ، ذلك الرجل الجريح الذي التقاه في زنزانات التعذيب، التي تقع تحت الأرض، وفي شبه العتمة المطبقة في قلب تلك الزنزانات، والتي لا تنفتح حتى يصُرَّ حديدُ أبوابِها صريراً يبعث القشعريرة في الأبدان. كان الرجل الجريح في النزع الأخير، ولقد استمر أياماً في الاحتضار، وهو يحاول أن يساعد روحه التي علقت ببدنه على الخروج، لكنها أبت بعنادٍ أن تخرج. فقال له ذلك الجريح، صديق الزنزانة الذي يُحتضَر، بعد أن تأكد وبات مستيقناً من أنه بلّغ زيدان رسالته السرية. والتي لا يفهمها أحد من البشر:

ــ انتبه جيداً. إن رائحة الفكرة، حين لا نحسن دركَها باستحواذ واقتدار، نساعد على ابتذالها، وولادتها مولوداً مسخاً.

ثم أضاف الرجل المحتضَر:

ــ رائحة الفكرة تنجدل في ثلاثة حبال، كلُّ واحدٍ منها يسير بالفكرة في سياق مختلف عن الآخر، وهي مثل أوتار الآلة الموسيقية؛ كلُّ ملامسة لها، قد يهبط بروح الجملة الموسيقية أو يترقى بها. حبل الفكرة الأول، هو انطباع سريعٌ، سرعان ما يزول، ولا يستمر أكثر من بضع دقائق. وحبلها الثاني هو حزمة من الملاحظات المسرفة في هوسها ووساوسها، والتي تهبط متفرقة، لا مودة بينها ولا مواءمة دائمة. أما حبلها الثالث فهو خصيصتها الموجعة، وأرقُها الذي لا يفارق.

وحذَّره الرجل الذي كانت نفسُهُ تتقعقع، وروحُه تصعد قليلاً قليلاً، فكانت تلك آخر

وصاياه وكلماته لزيدان:

ــ واحذر كثيراً أن تنسُلَ الخيوطَ أو تبعثرها، فتضيع رائحة الفكرة كما يضيع شذى قارورة عطرٍ، أريقت في جدولِ ماءٍ يتدفق كالغضب. جدولٍ هجرته الطبيعة الهادئة، وكرهته الكائنات الحية.

وانطفأ الرجل، رفيق الزنزانة المحتضَر، وقد أسلم الروحَ مرتداً إلى سكون الموتى، لكن كلماته الأخيرة ووصاياه، ظلت تهيم في الوجود، وتسري في هذا الكون على اتساعه. فسأل زيدان مصعب أبو الحكم:

ــ المدانُ بريء حتى تثبت من هي طائفته؟

ــ لا.

ــ أو عشيرته؟

ــ لا.

ــ هو مدان قبل براءته وبعدها. أليس كذلك؟

ــ …………………………..

ــ هو متهم. بوسيلة من الوسائل متهم. وإن كان لا يعرف بدقة ماهي تهمته. كم أنا ظل بارد. تسقط الأنفس كلها مُتَفَطِّرةً في دامس عتمتي المخفية. وتظل ملتاعةً تلهج بالأسئلة الظمآنة إلى صريح حقيقتها المخبئة خلف قشرة وعيها الزائف.

ــ …………………………..

ــ هيا نذهب. أنا بتُّ جاهزاً منذ الآن لكل ما سوف تقرر.

ونهض زيدان.

…..يُتبع في القسم 38 من الرواية

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment

You May Also Like