القلق المعرفي … إيجابية وإبداع

عشرة سنوات مضت على إصدار كتاب (قلق المعرفة) للناقد والمفكر السعودي سعد البازعي، وما زالت الطروحات الواردة فيه طازجة، ولكأنها بنت لحظتها، وذلك لطبيعة المعرفة ذاتها، وقضية القلق المعرفي الذي ارتبط بوجود الإنسان منذ طفولته الأولى لليوم.، إضافة إلى تنوع القضايا المعرفية التي ينتاب الإنسان القلق حيالها، والتي فصّل فيها المؤلف بشكل ممتاز، وشامل، وبعين نقدية ثاقبة، وهو الخبير في قضايا المعرفة الإنسانية، والمتمرّس فيها.

الناقد والمفكر السعودي “سعد البازعي”

في القلق المعرفي

لازمت الإنسان الأسئلة الوجودية منذ وجوده على هذه الأرض، فمنذ بواكيره الأولى كانت هذه الأسئلة الدافع الأساسي وراء تطوير كل معرفة إنسانية، من سؤال (من أنا ومن أين أتيت)، إلى الأسئلة المُرتبطة بالخالق والإله: من خلق الكون وخلق الإنسان؟

إلى محاولات تفسير الظواهر الطبيعة، والتي بدأت بأزمنة انتشار الخرافات والمعارف البدائية والأنماط الأولية للمعرفة الإنسانية، مروراً بالأساطير والسحر، والإيمان بالقوى الغيبية وتعدد وتنوع الآلهة، إلى الإله الأوحد الذي طرد الإنسان من جنته بسبب فضوله المعرفي، وصولاً إلى عصر العلم والمعرفة، وما نشهده اليوم من انفجار معرفي هائل، بقي القلق المعرفة يُلازم الإنسان ويحثه لاكتشاف المزيد.

علم النفس والقلق المعرفي

يُميز علم النفس بين القلق المعرفي وغيره من أنماط القلق التي يدرسها، وتسبب اضطراب بالشخصية – وهو أحد أهم مجالات دراسة علم النفس المعرفي- وذلك من خلال عدة نقاط تجعل قلق المعرفة مُتفرداُ، وإيجابياً، إلا في حال تحول إلى حالة من التطرف الذهني تجاه قضية من القضايا، ومن هذه النقاط يُمكن أن يُذكر:

– غنى القلق المعرفي وثراؤه، يبعث في الإنسان روح الانفتاح، ويضفي على شخصيته الجاذبية، وتنوع الرؤى تجاه مختلف قضايا الحياة، مما يُساهم إيجابيا في حل أزماته الشخصية والأزمات العامة أيضاً، ويخلق نوع من التوازن بين ذاته والمحيط ، مما يُعينه على الاستمرار بحياته نحو الأفضل دائماً.

– الدافعية والتحفيز أهم ما يميز القلق المعرفي، فهو ليس من نوع القلق المُثبط والمُحبط، والذي قد يتسبب بعطالة نفسية واجتماعية، بل هو من النوع الذي يحث على العمل والكشف والابتكار.

– الهدف والغائية، أو ما يُسمى ب”القصدية” من أهم ما يُميز القلق المعرفي، فهذا النوع من القلق يمنح صاحبه ثقة كبيرة بالنفس، ووضوح الأهداف والغايات لديه، وبالرغم من طبيعة الشك والحيرة التي تميز الشخصية القلقة معرفياً، فغالباً ما تكون شكوكها وحيرتها نوع من الإيجابية، والدفع باتجاهات محددة المسارات، تصل بها إلى تحقيق أهدافها وغاياتها.

– يُساعد القلق المعرفي على النهوض بالذات، وزيادة الثراء الإدراكي، وتوجيهها نحو كل ما هو مفيد ونافع، كما يُساهم في اتساق الشخصية وصمودها أمام ما يعترضها من عقبات، ويرفع لديها الوعي بذاتها، ويُحسّن من أساليب تعاملها مع الآخرين، ويُهذب من تذوقها للجمال، وتمثلها للقيم الأفضل، والأكثر إيجابية لبناء مستقبل الإنسان.

قلق المعرفة، إشكاليات فكرية وثقافية

في مقدمة كتابه ( قلق المعرفة، إشكاليات فكرية وثقافية)، والذي يضم مجموعة متفرقة من المقالات والدراسات، تناول “سعد البازعي”، قلق التأليف والكتابة، وقلق المثقف كما تُعبر عنه كتابته، ويتعرض إلى موضوع ( الهدف المعرفي من الكتابة)، ومدى اتساقها أو تناقضها مع التصورات المُسبقة المُتضمنة في ذهن الكاتب قبل الكتابة.

في فصول الكتاب يتطرق”البازعي” إلى العلاقة بين الكاتب والجمهور، ومدى تفكير الكاتب بجمهوره واتساقه مع ما يرغب، ثم تتنوع محاور الكتاب وتتنوع لتتحدث عن قلق المعرفة والانتماء كإشكالية ثقافية، اجتماعية، معرفية، فإلى من ينتمي الكاتب؟ هل ينتمي إلى ذاته أو مجتمعه وثقافته وقضاياه؟ وهل يُمكن الفصل بين الذات الشخصية والمجتمع؟

كما يتناول الكتاب قلق المعرفة فلسفياً وفكرياً وشعرياً، ويدرس العلاقة بين هذا النوع من القلق وبين نتاج بعض المفكرين والفلاسفة والشعراء، ضارياً أمثلة عديدة، ومنهم:( ادوارد سعيد، محمد عابد الجابري، عبد الوهاب المسيري… وغيرهم)، لينتقل إلى ما سماه ب(قلق المُعاصرة)، وهو القلق الذي ينتابنا جميعاً في عصر الانفجار المعرفي، وتدفق المعلومات الكبير، وتطور وسائل نقل المعلومة وسرعتها، والوعاء الذي يحتويها، سواء كانت وسائل التواصل الحديثة وأوعية المعلومات، أو اللغة الناقلة، ليبرز لدينا في عالمنا العربي قلق آخر، هو (قلق اللغة العربية)، ثم قلق التنوير، وأهميته ونوافذه، ومصادره وأساليبه بالنسبة لعالمنا العربي، متطرقاً إلى بعض الأسئلة التي باتت تسود العالم الغربي حول الإسلام و الثقافة الإسلامية والعربية، وثقافة أمريكا وقراءة الرئيس الأمريكي باراك أوباما فلسفياً، ليختم فصول الكتاب بما سماه ب” القلق اليهودي”، وخاصة في مجال الكتابة والتأليف، والأزمة التي يلمسها القارىء لدى بعض الكتّاب اليهود بشأن أسئلة الهوية والانتماء، وغيرها…

بالرغم مما تثيره كلمة”قلق” من انفعال في النفس، وما تُمثله من دلالة، فإن القلق الذي تحدث عنه “البازعي، ليس ذاك القلق المرضي الذي يُفكك الشخصية، بل هو القلق المُغاير تماماً، وهو الدافع الأساسي للمعرفة، وبهذا الصدد يقول:

(الاطمئنان الداخلي هو نقيض القلق، والقلق هو مصدر المعرفة، والناتج عنها في الوقت نفسه، فالعلاقة جدلية أو دائرية يفضي آخرها إلى أولها.

بالتأكيد فإن القلق المقصود هو ما ينتج عن عدم الاطمئنان إلى الجاهز، والسهل من الأجوبة والحلول، وليس القلق المرضي الناتج عن خلل نفسي، إنه إذاً القلق المبدع والفاعل في حياة الفكر والثقافة، القلق الذي لا تدّعيه هذه المقالات صفة لها بقدر ما تسعى إلى إبراز بعض تمثلاته).

*الكتاب المذكور صادر عن المركز الثقافي العربي، عام 2010م، وجدير بالقراءة، ومتوفر على شبكة الانترنت بنسخ بي دي اف.

*د.خولة حسن الحديد.

Leave A Comment

You May Also Like