بيض الحَمَام …. نص ل”زيدون الجندي” عن استلاب الطفولة واغتيال الجمال..

زياد “زيدون” الجندي، كاتب سوري من مدينة السلمية، له عدد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان ( الراعي).

على إحدى نوافذ بيتنا المطلة على الشارع، و قفت أراقب تساقط المطر، متجاهلة ما قد يلحق بي من العقاب -رغم صغر سني- فيما لو علم والدي بأني أطليت برأسي  من النافذة، فضلاً عن أن يعلم أنني أطلت الوقوف إليها  …

 في الحقيقة لم أكن أراقب المطر فقط، بل كنت أستمتع بمطالعة وجوه الناس أثناء تساقط المطر .. كانت تبدو وجوههم أجمل، و هي تفيض سعادة، و كأن المطر ينظفها من زيفها .. أكثر من كان يلفت انتباهي هو حركة الحلاق، الذي يقع محله في الجهة المقابلة لبيتنا .. كنت أراقبه كيف يقضي وقتاً ينظر عبر زجاج محله إلى الشارع، يراقب المطر أكثر مما يقضي في قص شعر زبونه  .. بعد قليل أصبح الجو معتماً تقريباً، و ازدادت غزارة المطر بشكل لا يصدق، حتى أن وجوه الناس بدا عليها القلق و الوجوم، في هذه الأثناء قصف الرعد بعنف فارتديت إلى الداخل، و ركضت إلى المطبخ حيث كانت أمي غارقة قي العمل كعادتها، أنشد في حضنها بعض الأمان، ضمتني للحظة ثم أبعدتني عنها قائلة: ما هو إلا رعد و برق فلا تخافي، و تابعت عملها ….

قلت لها منبهة إلى الصوت الهائل في الخارج: اسمعي .. إنه ليس مجرد مطر .. فقاطعتني قائلة : اعطني الملح .. فأعطيتها إياه و تابعت: افتحي شباك المطبخ، و انظري المياه تجري في الشارع كالنهر، فأجابت متأففة : الله يستر .. أعيدي الملح مكانه .. و أردت أن أتابع لها شرح ما رأيت، لكنها قاطعتني مجدداً طالبة مني صحناً … ناولتها الصحن و أردت الخروج من المطبخ بعد أن يئست من اهتمامها بالأمر، فاستوقفتني ونظرت إلي للحظة، ثم أسرعت إلى الغرفة، حيث كنت أقف  قبل قليل، فوجدت الشباك ما زال مفتوحاً،فقالت مؤنبة: إلى متى سأتحمل تقريع والدك لي بسببك ؟؟!!  سأطلب منه أن يغلقه بأحجار الباطون، وأغلقته بعنف، داعية الله أن “يأخذني” لتستريح مني ومن مشاكلي، متمنية لو أنها رزقت بقردة بدلاً مني !! و عادت إلى المطبخ دون أن تهتم بما يجري في الخارج، لم يعنيها كثيراً، و لم يبد عليها أي قلق بخصوص وجود والدي خارج البيت في هذا الطقس المخيف، أودت  الفيضانات يومها بحياة ثلاثة من حارتنا وحدها، فضلاً عن الخراب الكبير الذي سببته، كل ما كان يعنيها ذلك الشباك المفتوح.

ما كان يحز في نفسي أن شقيقتي ذات التسع سنوات، التي تكبرني بعام واحد، كانت تقف إلى تلك النافذة كما تشاء،  بل حتى أنها كانت أحيانًا تنزل للعب مع رفيقاتها في الشارع، دون أي اعتراض من أبي أو أمي.

فكرت في ذلك قليلاً، و تناولت قطعة حلوى مما يسمى “بيض الحمام”، هذا النوع من الحلوى كان يعني لي الكثير، فهو الرابط الأخير بيني و بين الطفولة.

كل تلك التفرقة بيني وبين شقيقتي، كانت بسبب الجمال المفرط الذي ابتلاني الله به، و لا أعلم إذا كان يمكن وصفه بـ “الجمال المفرط ” فحسب، نظراً لما سببه لي من مأسٍ، حتى في المراحل المبكرة من طفولتي، إذ أن أمي كانت ترفض اصطحابي معها في زياراتها، خوفاً من “الحسد و صيبة العين .”!! ، و قد كان هذا الجمال أيضًا، هو السبب بقرار أبي بمنعي من متابعة الذهاب إلى المدرسة، بعد شهرين فقط  من السنة الأولى لدراستي،  بناء على نصيحة الشيخ طاهر، الذي أقنع أبي أنه من الأفضل إرسالي إلى بيته لتلقي “العلوم الدينية”، على يد الحاجة بهية زوجة الشيخ طاهر، مع مجموعة من طفلات  الحي، ممن لم يرغب أهاليهن إرسالهن إلى المدرسة “المختطة ” !!

لم أكن أكره مخلوقاً كما كنت أكره الشيخ طاهر هذا، فهو منذ بدأنا نتلقى “العلم” على يديه عن طريق زوجته، لم يتوقف عن تصوير الله على هيئة وحش، لا عمل له إلا شي وسلق وقلي النساء اللواتي يخرجن عن طاعة الرجال، و تعليقهن من شعورهن في قعر الجحيم، بينما لم يخبرنا يوماً عما تلقاه النساء “العفيفات “، الطاهرات – حسب معاييره – في الآخرة.

كنتُ أزداد حقداً عليه، كلّما تذكرت الفترة القصيرة التي أمضيتها في المدرسة، و كيف كان الجميع يعاملني معاملة خاصة، من المدير إلى المعلمات إلى التلاميذ، كان الأطفال يتحلقون حولي ويتنافسون في التحدث إلي، وأنا بينهم كالحمل بين صغار الذئاب، فلا هم تعلموا الافتراس بعد، ولا هو يعلم أنه قد يكون على قائمة طعامهم يوماً.

ولم أتخلص من الشيخ طاهر، حتى عندما أكون في البيت، فقد كان غالباً ما يأتي لزيارتنا، و أول شئ يقوله عندما يدخل: أين الصغيرة ؟؟ فيناديني أبي لأدخل وأسلم على الشيخ، الذي يبدأ لتوه بنصحي وبحثي على الانتباه إلى دروسي، و لم أعلم سبب اهتمام الشيخ بهدايتي من دون الأخريات، إلا بعد عدة أعوام، وكنت قد بلغت الرابعة عشر من عمري، عندما تقدم لخطبتي

لم يكن موضوع تقدم الشيخ الذي قارب الستين لخطبتي هو الكارثة، بل فرح أبي بطلبه، و موافقته الفورية عليه.

يومها أطلقت الـ”لا ” الأولى في حياتي، كنت أصرخ “لا “، “فيهتز الكون لصرختي،  و أصرخ ” لا ” ثانية فيخرج من صدري دخاناً قاتماً، و أكرر الـ”لا ” تلو الأخرى، فلا أشعر بالضرب الذي أتلقاه من حزام أبي الجلدي، و أصرخ ” لا ” فتؤنس وحشتي في الغرفة التي رميت بها، وأقفلت علي لمدة شهر كامل عقاباً على عنادي، في أحد الأيام علمت من شقيقيتي التي كانت تحدثني من خلف الباب، إن أمي ذهبت برفقة زوجة الشيخ وشقيقته لشراء الذهب، ومستلزمات الخطوبة، فكدت أفقد الوعي، ولكني تماسكت، عندما فهمت أننا في البيت بمفردنا ؛ فكرت في سري:  لا بدّ أن أمي تركت المفتاح مع أختي تحسباً لأي طارئ في غيابها، فادّعيت الحاجة الملحة لدخول الحمام، فأجابت أختي بعد تردد: سأفتح لكِ، و لكن لا تخبري أمي، وخرجت بهدوء من الغرفة، ورسمت أثناء تواجدي في الحمام خطتي للهروب، خرجت من الحمام، ومشيت بهدوء صوب الغرفة السجن، فاطمأنت أختي، ثم طلبت منها أن تأتيني بأي شئ آكله، وتابعت الطريق إلى غرفتي، آملة أن تذهب إلى المطبخ دون أن تقفل الباب، بعد دخولي إلى سجني، وهذا ما حصل فغافلتها وخرجت من البيت.

كنت أمشي بسرعة باتجاه وسط المدينة، والذي يبعد عن حينا مسافة كيلو مترين على الأقل، و لم أكن أعلم إلى أين سأذهب، كنت هاربة فحسب .

ساعات من السير في شوارع المدينة، عنوانها الخوف من كل شئ. من أبواق السيارات، من الناس في الشارع، ومن المجهول الذي ينتظرني، وكل ذلك لم يدفعني للتفكير في العودة إلى البيت، عند حلول الليل كنت قد أوشكت على الانهيار، تعباً وجوعاً، وعطشاً وخوفاً، كنت أعتقد أن كل من في الشارع يبحث عني، و لم أجد أخيراً ما أفعله، إلا الجلوس على حافة سمنتية، و أنفجر بالبكار المر.

واصلتُ البكاء، غير مهتمة بفضول المارة، حتى توقفت قربي سيدة، و قالت لي بهدوء وحنان : لن أسألك عما أنت فيه، تعالي معي فأنت ضيفتي اليوم، وأمسكت بيدي، وساعدتني على النهوض، ومضينا معاً إلى بيتها.

ما كنت في حالة تسمح لي بتصفح وجوه الموجودين في البيت، أو أية تفاصيل أخرى، تناولت القليل من الطعام الذي فدموه لي، و خلدت إلى النوم .

 صباح اليوم التالي، استيقظت وكأن كل ما جرى معي في اليوم السابق كان مجرد حلم مزعج، فبالرغم من وجودي في بيت أناس لا أعرفهم، كنت أشعر بالأمان.

كانت السيدة تشرب القهوة مع عدة فتيات يكبرنني قليلاً، و يدخن السجائر، دعتني لشرب القهوة، فقلت: لم أعتد عليها، ثم جلست أراقبهن كيف يدخن السجائر بشراهة، بينما كن يتفحصنني باهتمام بالغ، ولم تسألني أيٌ منهن عن قصتي، قالت السيدة لإحداهن: اذهبي أنت للتسوق، فأنا لن أخرج اليوم، وسألتني: هل تريدين أن تحضر لك أي شئ معها ؟ لا تستحِ اطلبي ما تشائين، فقلت بعد تردد: قليلاً من بيض الحمام، فضحكت الفتيات مني، نظرت إليهن السيدة بحزم، طالبة إليهن السكوت فاستجبن على الفور.

ومرت الأيام، لأكتشف أنني أقيم في بيت تسكنه مجموعة فتيات يعملن بالدعارة، بإدارة السيدة التي أخذتني من الشارع، أيُ قدرٍ هذا!!

 فكرت طويلاً فيما يمكنني فعله، لكن دون نتيجة، كنت ضعيفة عاجزة لا حيلة لي، فاكتفيت بمراقبة ما يجري حولي، مقاومة كل الإغراءات التي كانت تأتيني من السيدة و فتياتها، كانت السيدة قادرة على فرض ما تريده علي بسهولة، أو تطردني من بيتها لكنها لم تفعل، واستمرت تعاملني بلطف على مدى الشهور التالية، حتى أنها تظاهرت بتصديق قصتي التي نسجتها من خيالي، حول سبب وجودي في الشارع عندما التقينا لأول مرة،  تلك القصة السخيفة التي لا تمر حتى على طفل ساذج.

ذات مساء فيما كنت منزوية في غرفتي،  كعادتي عندما أعلم أن ضيفاً “زبونا” سيأتي، سمعت صوت السيدة ترحب بضيفها بحفاوة، صوت ذلك الضيف لم يكن غريباً عني، بل أنه كان يرافقني في كل لحظة من لحظات حياتي، لم يكن إلا صوت أبي!!  قالت السيدة: مالذي قطعك عنا يا رجل ؟؟ ما كل هذا الغياب ؟؟ فرد متأوهاً: خليها لربك،  فقدت شيطانة من بيتي، و أمضيت كل هذه المدة باحثاً عنها، لقد جلبت لنا العار بين الناس، ليتني أجدها لأغسل عني العار بدمها، كدت بعد نوبة الفزع التي ألمت بي أن أضحك، أب يتحدث في بيت للدعارة عن العار الذي جلبه له ابنته الهاربة !!

امرأة غريبة تدير بيتاً للدعارة كانت أكثر إنسانية من أمي و أبي.. أية مفارقة هذه!! ثم خطر لي، ماذا لو أن السيدة سألته عن تفاصيل أكثر، وعرفت الحكاية كاملة، وعرفت من أكون ؟! فعاودتني نوبة الهلع.

لكن على ما يبدو أن ما تحويه جيوب والدي من المال، كان هو كل ما يهم السيدة، بعد قليل اختفى صوت أبي، فقدّرت أنه دخل إلى إحدى الغرف، ليعطِ إحداهن درساً في “الشرف” ، وعدت لأسمع صوته بعد حولي الساعة،  كنت خلال كل ذلك أستذكر كل ما مررت به منذ ولدت حتى اللحظة، ولكن شيئًا بدأ يقطع علي ذكرياتي، كنت قد أصبحت بحاجة لدخول الحمام، لكن كيف و أبي موجودد في الصالون ؟!

كنتُ أجلس في السرير، ثم أتقدم إلى خلف الباب أسترق السمع، علّني أستشف قرب مغادرته، و من ثم أعود إلى السرير، ثم أعود لأسترق السمع إلى الحديث، ولم أكن مهتمة بأي من تفاصيل الحديث، إلا بما قد يوحي بأنه يهم بالمغادرة، وكم كانت صدمتي كبيرة عندما سمعت السيدة تقول له: ما هذا الكلام يا رجل، كيف تغادر في مثل هذا الوقت ؟! البيت بيتك، ابق هنا حتى الصباح، فعدت مسرعة إلى السرير، وغلبتني الحاجة  فتبولت فيه، و أخيراً عم الهدوء المكان ،فقررت محاولة التسلل من الغرفة، فتحت الباب قليلاً، لأتأكد من خلو المكان، فرأيت أبي بغط في النوم على أريكة في الصالون، وقفت أراقبه لبعض الوقت ثم دخلت إلى الحمام و عدت  بعبوة من الكحول، أفرغتها على كنبة بالقرب من أبي، وأشعلت فيها النار، وأسرعت عائدة إلى غرفتي، بعد دفائق علت الأصوات، واستعرت النار، حتى خرجت عن السيطرة، ثم وصلت إلى غرفتي، و انتهى الأمر باصابة البعض بحروق طفيفة، قبل أن يتمكوا من الهروب بمساعدة رجال الإطفاء، باستثنائي أنا، فقد خلصتني النار نهائياً، و إلى الأبد من جمالي الكارثي.

استعدت وعيي بعد عدة أيام في المستشفى، وكان أبي و أمي واقفين قرب سريري، نظرت مطولاً في وجه أبي، و بادلني بنفس النظرة، وكأننا نعقد صفقتنا بصمت، فلم يعلم أحد أين وجدني وكيف.

 خرجت من المشفى برفقة أهلي إلى بيتنا الجديد، الذي اشتراه أبي في منطقة بعيدة عن الحارة،  ربما هرباً من العار الذي جلبته له  ..

 أمضينا في بيتنا هذا  حوالي عشرين عاماً، إلى حين وفاة والدي ووالدتي في العام نفسه، فقررت بيع البيت، و نجحت باقناع مالك بيتنا القديم ببيعه لي مجدداً، فكل ذكرياتي السيئة في ذلك البيت، لا تنغص علي متعة الوقوف معظم اليوم إلى النافذة، أتناول قطع الحلوى ( بيض الحمام ) .

*الأعمال الفنية، للفنان السوري الراحل فاتح المدرس.

Leave A Comment

You May Also Like