سِفْر البياض……

كعادتي كنتُ سألعب دور الغبية “البلهاء”، وأكتب لك قصيدة حُب، أو لربما نصاً ما، كوني لستُ شاعرة، ولا أتقن اللعب بالكلمات، كما لم أتقن أية ألاعيب نسائية تجعلك تُحبني من قلبك – لا كما ادّعيت -، وكما فشلت في لعب أدوار تعشقها في كل خليلاتك، وكنتُ تلك الصريحة بمشاعري، والتعبير عن نفسي لحد الفجاجة، فشلتُ أيضاً هذه الليلة بتحمل ترهاتك، ولم يقوَ قلبي على الاستمرار في النبض، وخانني فجأة، قلبي هذا الذي طالما تواطىء معك، خانني وترك لعقلي وفكري الحبل على الغارب، فاغتالت الأفكار كل المشاعر الطيبة التي كانت تُبرر لك، وتغفر كل شيء، ولكأن جِراب قلبي قد امتلأ عن آخره، وفاض، فقال: كفى .

في الوقت الذي كان يجب أن أخط لك الكلمات، وأذوّق الحروف لتليق بمقام هذا اليوم، وبما كان لك من مقام في قلبي، كان عقلي ينبش في تفاصيل الذاكرة، ليرمِ  في وجهي كل ما كان، و ليتضافر هذا كله مع فيض من العبارات التي كنت تلقيها على أسماعي، فانهار كل شيء بلحظة واحدة، وبالضربة القاضية، وكادت حياتي كلها أن تنهار.

حتى اسمك، الاسم المحفور على شغاف القلب، والمدوّن في أقاصي ذاكرتي، بدأ يتلاشى: م… ظ…ف… ررر…ولم أعد قادرة على لململة حروفه لأناديك به كالمُعتاد: مُظفر .. وبات يُثير ذكره على أسماعي شعورٌ بالغرابة لا أدرك كنهه، ولا أستطيع تفسيره.

كنتُ أبتسم للممرضات وهنّ يرتبن سريري، ويحملن إلي باقة القرنفل الحمراء، ويتغامزن بأن أحدهم قد أرسلها، لم أُعر اهتماماً كبيراً لهذا الأمر، ولما أطلب البطاقة لأقرأ اسم المُرسل، ولوهلة اخترعت كذبة ما وصدقتها، أنك أنت من أرسلها، مع معرفتي باستحالة هذا الأمر، راقت لي كذبتي، ولكن مهلاً… مهلاً… هذه الأنابيب الموصولة بكف يدي، وتلك الدوائر التي تلتصق بصدري فوق مكان القلب تماماً، تخبرني أن تلك النقاط التي كنت أراقبها من كيس السيروم لتجري في الأنانبيب، وتُشق طريقها في أوردتي، وتتوغل وتتوغل لتنتزع وجعك من عروقي، وتحاول إعادة النبض لقلبي، والهواء لرئتي، النبض الذي توقف تحت وقع كلماتك القاسية، والأنفاس التي سرقها صوتك الهادر، المزمجر بأقبح العبارات.

الغرفة بيضاء، جدرانها بيضاء، وملاءات السرير بيضاء، والوسادة أيضاً، وملابس الممرضات ووجوهن، وحتى النبتة المعرّشة خلف زجاج نافذة الغرفة، كانت مثقلة بزهور بيضاء، كل هذا البياض كان قلبي إذ خلا منك!

I

كلُّ شيء حولي كان يشي بالبياض، ويشدني لأنتزع السواد، والقيح المتعفن في قلبي، وروحي، وعقلي، وفجأة كل طاقات العالم الإيجابية حلت بنفسي، وهاتفٌ هتف بي: عليكِ أن تغادري هذه الغرفة ومعك كل هذا البياض، على هذا النقاء أن يملأ قلبك، ويُضيء روحك، ويكون قنديلاً لعقلك، فلا أحد في هذا العالم يستحق كل هذا الانهيار، ولا حتى أنت، وبدأت تصغر وتصغر وتصغر في عيني وقلبي، وكلما تضاءلت أكثر ازدادت ابتسامتي توهجاً، وفجأة وبعد دقائق من دخول الطبيب، يقرر أنه علي المغادرة، ولا داعي للمبيت ليلتان كما كان قد أصّر قبل ساعات، و قال لي باسماً، ملتفتاً إلى باقة القرنفل: يبدو أن أحدهم قد أحسن العلاج أكثر مني !

غادرت ُمع ضحكات أطفالي وضجيجهم، دون أن يَشدني الفضول لمعرفة حتى من أرسل باقة القرنفل، و التي تركتها بجانب السرير الذي غادرته.

أتعرف؟

لم أترك هناك باقة القرنفل فقط ، تركتك أنت أيضاً، أنتَ مع كل الأوجاع والآلام التي سببتها لي، تركتك هناك في الغرفة التي لن أعود إليها أبداااً، وخرجت منها محملة بكل ذاك البياض الذي كان فيها، لا أريد لباقة قرنفل أن تجرني إلى ورطة أخرى، ومتاهة أخرى، في الوقت نفسه الذي أغادر فيها ورطتك ومتاهاتك، فأنا لستُ مجرد رقم، لستُ رقماً من أرقام خليلاتك، ولن أكون يوماً كذلك.

أغادرك ببياض قلبي، وبلا ندم… ولكَ خساراتك الفادحة، إنه يوم عيد الحب، وما أبهاه من عيد! بدون نار الكراهية والحقد منك، يومٌ خالي من نفاقك، وهذيانك، وبذاءتك، خالي من كل ما كنتَ ترسله لي لينهش قلبي، فقد كنتَ وهماً كبيراً، وقد سقط مع سقوط آخر قناع من طبقات أقنعتك، والتي كنت تنزعها أمامي واحداً تلو الآخر، كلّما خانتك انتهازيتك، ومع آخر قناع منها قد انتهى الأمر …………….. *زهرة  

*مُقتطف من ( جسد الخرافة)، رواية قيد النشر لخولة حسن الحديد.

*الأعمال الفنية، للفنان المصري محمد الطراوي.

Leave A Comment

You May Also Like