سِفْرُ الهداية ….

كان أحدهم يمضي نهاره ينحت تمثالاً لحبيبته، ثم يمضي ليله في تحطيمه، في الليل يجعل منها لقيطة، عاهرة، مومس، بنت شارع، غبية، حيوان وضيع، كائن بائس …. وفي النهار يتوجها ملكة، وبل يعلنها نبية، أو آلهة أحياناً، كلّما اقتضى أمر انتهازيته أن يفعل!

كانت المرأة بالنسبة له كالحذاء الرث، ينتعله متى شاء ويرميه متى شاء، و يصبُّ عليه جام غضبه إذا ضاق عليه، ويحمّله مسؤولية فشله في كل المهام التي كان ينبغي أن ينجح في أدائها، وفي هذا كله صادف سوء حظها أن تكون تلك المرأة…. زهرة، زهرة الهاربة من أعباء القبيلة، والباحثة عن سندٍ، وعضد، المتلهفة للحب والمقبّلة على الحياة بقلب مفتوح، وروح شفافة، وفكر لا كلمات تصف مدى غناه وثرائه.

حيناً يُعلن نفسه صمام الأمان لحياتها المتعثرة، وأحايين كثيرة يجعل من نفسه فضيحتها الكبرى، فتكون قرص العسل، أو السكر الذي يملأ به إناءه، منادياً كل الذباب لينال منه نصيب.

كانت أحياناً مهرته الأثيرة، والتي يُفضلها عن بقية الأتان… إناث الحمير في حظيرته، فهي سليلة الخيول الأصيلة التي لا مثيل لها، معلناً نفسه فارسها الأوحد، وبلحظة سكرٍ بعد صحو، أو صحوٍ بعد سكر، يُصبح العَلقة التي تمتص دماءها، وتقض مضجعها، فتصمت صمت الخيول، بينما يملأ ضجيجه العالم كعواء كلب مسعور .

بلا هوادة، كان ذلك الأخرق يستبيحها، يستبيح كل ما فيها، جسداً، وروحاً، ونفساً، جاهداً بكل هذا في تعطيل قدرتها على التفكير، تماماً كما تفعل تلك الحشرات، أو ذاك النوع من الأفاعي، الذي يبث سمومه في جسد ضحيته، ليشل حركتها، و تُصبح عاجزة عن أي ردة فعل حيال افتراسها لها.

في كل هذا كانت الأقنعة تفعل فعلتها، أقنعة الحب، أقنعة الوفاء للعائلة، أقنعة الثورة، أقنعة المجتمع الرث الغارق في بحر الوضاعة، أقنعة الرجولة التي تخفي وراءها قبح الذكورة، وشراسة الفحولة الطاغية.

وكان على كل ذلك أن يتوقف..

*مُقتطف من ( جسد الخرافة)، رواية قيد النشر لخولة حسن الحديد.

*الأعمال الفنية للفنانة المصرية دينا يسري.

Leave A Comment

You May Also Like