الشَمَرْدَل…. قصة طويلة ل”معبد الحسون”..ج1

                       الرسالة الأولى:

عزيزتي ماريان العسَّالية:

أقسمُ لكِ بالله الذي رفع السموات بغير عمدٍ يا ماريان؛ أنني طالما كنت براً رحيماً عطوفَ القلب على جيراني جميعاً. خاصة هذا الناكر للجميل “مختار”. وما أكثر ما استنجد بي لأن زوجته “أم وحيد” تعاني من آلام لا تنتهي. إنها دائمة الشكوى والآلام من هذا الذي لا أدري ما هو. وما أكثر ما حملناها في منتصف الليالي إلى المشفى، وأنا أهدئ من آلامها وأطمئن زوجها مختار بأن الأمر بسيطٌ جداً، ولا يستدعي كل هذا القلق عليها.

كنت أقول له: سنصل وشيكاً إلى المشفى، وسيعطيها الدكتور “شوكلاطة” بعض النقاط والبلعات وحقنة من الإبر المهدئة، تلك التي يسمونها…. المهم.. ولسوف ترى أن الأمور ستكون على ما يرام. ستتعافى “أم وحيد” سريعاً. مع أن “أم وحيد” أنجبت بعد بكرها “وحيد” هذا تسعة أطفال، فهو ليس وحيداً كما يُظن، مع أنها ظلت تحتفظ بلقبها “أم وحيد”.

والدكتور “شوكلاطة” يا ماريان ليس طبيباً في الحقيقة. إنه مجرد ممرض لا أكثر. موظف في قسم الإسعاف، ولا أدري كيف أسبغ عليه الناس خلال هذه السنين الطويلة لقب دكتور. ولست أدري أيضاً أي فاجر لعين ممن يحبون أن ينبزوا الناس بالألقاب سماه هذا الاسم القبيح؛ “شوكلاطة”. لعل مرجع ذلك إلى وحمة سوداء بحجم حبة الشوكولاطة، التصقت بأعلى خده ولزمته منذ الولادة.

ومن أكبر مفاخر هذا اللعين “شوكلاطة” وأبرز حسناته التي يمتدحه من أجلها الناس، أنه يعرف الناس جميعاً في مدينتنا. لا.. بل وأكثر من ذلك، هو يحفظ أمراضهم وأمراض آبائهم وأبنائهم عن ظهر قلب. فهو يعالج الإنسان بمجرد أن يراه، ودون الحاجة لأن يفحصه كالأطباء، أو حتى لسؤاله عما يشكو منه وما يعاني من مرض. ويا طالما شُفِيَتْ أم وحيد من مجرد إعطائها تلك البلعات والنقط والحبوب والإبر، من يد الدكتور “شوكلاطة”. ودائماً كانت تذهب عنها تلك الآلام التي لا أدري ماهي حتى اليوم.

آه يا ماريان العسالية.. لو تعلمين عدد الليالي التي قضيتها وأنا طاوٍ من الجوع، لم أذق لقمة واحدة. وكم بتُّ خاويَ المعدة فيها. أتخيل الطعام في أحلام يقظتي وأتذوقه في مخيلتي فحسب، ثم أغفو، وأنا أردد في نفسي بأنّ ربَّنا الغني، القادر على كل شيء، سوف يغير هذا الحال ما إن يطلع عليَّ الصباح. لا أكذب عليكِ ولا أغشُّ.. حتى أنني في إحدى المرات التي كنت أتضور فيها من الجوع، طبخت حساءً، استعنت على صنعه بواحد من الكتب الكثيرة التي تملأ غرفتي.

نعم يا ماريان، إن غرفتي محاطة بالكتب في كل مكان على الجدران. وتحت السرير، وحتى صندوق أحذيتي لا يخلو من كتب. وقد انتقيت كتاباً من مكتبتي، (كان طري الغلاف والورق، كأنه حبات بطاطا غضة)، وقمت بتقطيعه وإضافته إلى مزيج الماء الساخن مع بعض حبات العدس.. ياله من شقاء، ويالها من أيام.

لكن الأمور تغيرت بعض الشيء يا ماريان. لا، ليس بعض الشيء، بل لأتجرأ وأقولَ إنها تغيرت كثيراً يا ماريان. ومنذ أن طلب مني الأستاذ طارق، وهو كاتب كبير معروف ومشهور في مدينتنا، بأن أعاونه على تصحيح مخطوطة من إحدى إبداعاته الأدبية. ولا تسأليني كثيراً عن تلك المخطوطة الأدبية المليئة بالأغلاط والـ.. والـ.. لقد استغرقت مني أكثر من يومين متعبين جداً، فقد أجريت لها ما يشبه العمل الجراحي، الذي اقتضاني أن أستبدل كثيراً من النص، وأن أعيد صوغه وكتابته كتابة لائقة وجديرة.. نفحني على إثرها الأستاذ طارق بمبلغ صغير، أكاد أخجل حين أتذكر الأجر الذي تقاضيته منه.. لقد كان خمساً وعشرين ليرة يا ماريان.. وأقسم بعظمة ربِّنا وجلاله أن نفسَه لم تجُد بعد كل ذلك العناء والشقاء، بأكثر من خمس وعشرين ليرة..

لكن تلك الذكرى المؤلمة، والتجربة المحبِطة والمخيبة لآمالي لم تكن كلها مرارة وخيبة. أعترف بذلك يا ماريان.. فقد عرَّف الأستاذ طارق زملاءه من الكتاب والشعراء علي فيما بعد، حتى صار بيتي قبلتهم، وغرفتي التي تفوح منها رائحة العطونة والقذارة محطتهم الدائمة. ومن فضل الله علي.. (لا يجب على الإنسان أن يتنكر لفضل الله عليه يا ماريان، بعد أن يفتح له باب الرزق وطاقة السعد وشيئاً من بحبوبة العيش). لقد باتت كراسات أولئك الأدباء والشعراء تبيت إلى جانب فراشي أياماً، حتى يحين دور إحداها، لأبدأ به تصحيحاً وتدقيقاً. ولكن لم تنته الأمور إلى هذا المنتهى، فبعد قريب من وقت تلا ذلك، عزفت عن أن أستقبل أحد أولئك الأدباء والمبدعين من شبابنا الموهوبين، وصرت أعتذر لهم بقلة الوقت وضيقه ونفاد المواعيد.. وسأحدثك بكل ما جرى لي بعد ذلك يا ماريان، ولكن ليس الآن، بل في وقت لاحق ورسالة أخرى..

 بعد سبعٍ مضين على هذا التاريخ، أعني منذ أن كان الناس ينادونني باسمي الحقيقي، ابراهيم. (وبالمناسبة أقول؛ كثيرون من أهل مدينتنا لا يعلمون حتى يومنا هذا أن اسمي الحقيقي هو ابراهيم). فالجميع تقريباً في الحي كانوا ينادونني أو يسمونني “الشمردل”، حتى حسب كثيرون أن هذا هو اسمي الذي حملته منذ ولادتي، ومنذ أن فطرني الخالق عز وجل، وأوجدني في هذه الدنيا الفانية..

أجل يا ماريان.. فحين تطرأ سيرتي في المجالس، وحين يأتي الناس على ذكري، لكأن السخرية مني وتعابير الاحتقار كانت شيئاً مفضلاً ولازماً لدى القوم. حتى كادت أن تغدو عرفاً اجتماعياً، بل هي أكثر من مجرد عرف؛ إنها دِيْنٌ يدين به الجميع تقريباً. فالنظرة المشمئزة والمتعالية التي تحيط بسيرتي الشخصية، تترقى لأن تكون دينَ الجميع وديدنهم. فبعضهم يرى إشاعة المشاعر المقرفة بحقي فريضة، لابد للإنسان الكامل والطبيعي أن يلزمها. وآخرون يرون أنها واجبة كالفريضة الدينية، وجماعة ثالثة تنزل بها تقديراً إلى مجرد أنها سنة مؤكدة، ليس أكثر.

                        الرسالة الثانية:

المهم يا ماريان العسّالية..

كنت أقول بأن بعض أصدقائي وجيراني، يتهمونني دائما بأنني أهدر عمري وأضيع حياتي عبثاً بالسكر ومعاقرة رخيص الكحول. وهل امتلكتُ حياةً حقيقية يوماً ما، حتى يحق الوصف بأنني أضيعها؟ لا أعرف كيف يصنعون البهجة في هذه المجتمعات، مثلما أني لا أفهم كيف يرون الخير والشر. يلومونني كثيراً يا ماريان لأنني مولع قلبي كثيراً بشرب الخمر. مع أنني أتعجب كثيراً؛ كيف هم متدينون جداً وفاسدون جداً. لقد قرأت مئات الكتب خلال رحلة حياتي الطويلة، مع هذا فهم يعدونني نكرة لا أساوي شيئاً من وجهة نظرهم، رغم أنني أعرف رجالاً مشتهرين، ويكنُّ لهم الناس كل الوقار والاحترام، وأنا على بينة أكيدة أنهم لم يقرؤا طيلة حياتهم كلها إلا القرآن. أكثر من ذلك، فهم يتلونه تلاوة دون فهم ولا تدبر.. مثل سقسقة العصافير في الصباح.

والناس في مجتمعاتنا يا ماريان العسالية، حريصون على مطابقة الخطأ والصواب، انطباقاً على الحلال والحرام، كما يحرص البَنَّاءُ على مطابقة قرميده على الجدار، مستعيناً بالزئبقية والمسطرة. والشرف والعار هي مجرد أشياء تتبع للثياب وللأعضاء التناسلية وتتفرع منها لا أقل ولا أكثر. الناس هنا يا ماريان، لست أدري.. هل يسخرون من الحياة ويضحكون عليها؟ أم أن الحياة هي من تسخر منهم وتضحك عليهم..! ولو سألتني يا ماريان العسّالية سؤالاً محرجاً.. بلى أعتبره محرجاً بعض الشيء.. هل لدي مانع من أن ينهار نظامنا الاجتماعي انهياراً تاماً، وأن ينفرط عقد الأسرة والعشيرة والجماعة والدولة؟ ثم تعمَّ الفوضى حضارتنا هذه..؟ لو سألتِ مثل هكذا سؤال محرج، يستثير القشعريرة في الجسد، لأجبتكِ في شيءٍ من التردد والأسف، بل وبشيءٍ من الأسى والحزن الكسيف: لا مانع عندي من ذلك.. فلست أتلمس خسارة شخصية ولا اعتبارية ولا حتى أخلاقية من أن ينهار كل شيء.. بل وأعزز بالقول، وأنا في منتهى الحزن والأسف، إن ذلك قمينٌ بأن يسعدَني، فهو ما يجب أن يحدثَ بالضبط!

 في أحايين كثيرة، كنت أدسُّ يدي بين تلك الطبقة السفلية من تلك الخزانة الخشبية المتآكلة. أخرِجُ منها ذلك الشيء الوحيد الذي “يثبت أنني كنت موجوداً ذات يومٍ في هذا العالم”: الجريدة المطبوعة منذ قرابة 38 عاماً، والتي كَتَبتْ في صفحتها الثانية خبرَ زيارة السيد محافظ المدينة لإحدى المدارس، حيث تفقد أوضاع المدرسة والمعلمين والتلاميذ. ولم ينسَ كاتبُ الخبر أن يذكر بأن السيد المحافظ قد دخل أحد الصفوف، وبدأ بإلقاء الأسئلة على التلاميذ، إلى أن انتهى إلى تلميذ نجيب يدعى ابراهيم، والذي هو أنا يا ماريان، (والجريدة لم تنسَ أن ترفق الخبر بصورة السيد المحافظ، وهو واقف يسأل التلميذ البارع الذكاء، والتلميذ يجيب بمنتهى الذكاء والفطنة)، حيث ألقى عليه عدداً من الأسئلة الامتحانية في قواعد اللغة والشعر والأدب والأناشيد القومية، فأجاب التلميذ أحسن جواب، وألقى أمام السيد المحافظ نشيداً وطنياً مشهوراً في تلك الأيام.

في كل مرة أستخرجُ تلك الجريدة، وأستعرضها وأنا أمسدها بأصابعي برفق وأناة، تُذَكِّر بعلماء الآثار وهم يترفقون في بسط مخطوطة أو بردية أثرية، وقلوبهم خاشعة من أن يصيبها مزق أو تلف أو تصدع. وكنت أتمتم وأبسمل وأحوقل وأنا أستعيد ذلك الخبر، كأنني أرتله ترتيلاً قدسياً، متمتماً لنفسي: 

ـ إنها الشيء الوحيد الباقي.. ليذكرَ العالم بوجودي وبنبوغي منذ كنتُ طفلاً.    

                        الرسالة الثالثة:

عزيزتي ماريان العسّالية:

دائماً ما تظل هنالك مسافة من الأحاسيس بالعنف الحقيقي، والعنف المشاهَد على التلفزيون وفي المسلسلات. إذ مهما بالغت مشاهدُ الفن والسينما والمسرح في مناظر العنف، يظل الإنسانُ مسكوناً بمسافة فاصلة من التأثر بين ما يحس وما يشاهد.

هنالك دوماً صوتٌ خفيٌ يهمس للإنسان همساً، كالبوح الخفي: عزيزي المشاهد؛ أُقَدِّرُ حماسك ودموعك. أتفهم اغتباطك واحتقارك. وأحترمُ دائماً رغبتك المحمومة بالتدخل لصالح هذا الطرف أو ذاك. ولكن مع كل حمولة هذه المشاعر الثمينة، فإن ما تراه لا يعدو كونه سيوفاً من خشب مطليٍّ بلون الحديد. أو مسدساتٍ تصدر أصواتاً لا تختلف كثيراً عن أصوات المسدسات الحقيقية، بيد أنها ليست كذلك، فكل ما تراه هو مجرد مفرقعات.. وأنت تعلم ذلك رغم فورة الحماس. وتعلم أكثر؛ أن هذه الرؤوس المتطايرة هي مجرد رؤوس دمى، تمت صناعتها ضمن خطط الحيل السينمائية، والدماء المتناثرة هي أصبغة حمراء، ولربما كانت عصارة بندورة لذيذة الطعم.

الدماء والرؤوس المتطايرة في عتبة أوهام الدماغ الإنساني، كلها لا تساوي قلع أظفر أو قطع إصبع في الواقع الحقيقي يا ماريان.. وما نحن إلا نسخة غير سينمائية عن العالم والواقع يا ماريان. نسخة منقحة وملطفة ومخففة لا تشبهنا ـ كتلك التي نراها على المسرح أو السينما ـ ولا تشبه عالمنا. فإننا في وضعنا هذا كأناس فقراء، علينا دائماً أن نتصرف إزاء كل ما يجب أن نفعله لكي نعيش..

الأغنياء يا ماريان لا يتصرفون؛ وإنما يعيشون حياتهم بتلقائية وسعادة ولا يفكرون في يومهم وغدهم. بلى.. إن الفقراء وحدهم من يتصرفون يا ماريان.. فنحن الذين لا ينفكُ عنا الجوع، ولا تفارقنا الآلام والهموم، مطالبون ـ مكرهين ـ أن نتصرف دائماً لكي نستطيع أن نستمر في العيش.. لكي نتمكن أن نعبر هذا الممر الإجباري الذي يسمونه الحياة. وكل ذنبنا يا ماريان أننا مجردُ أناس فقراء، بؤساء.. ومواطنون نسيتهم الحكومة. وقبل ذلك، نسيهم الله تعالى أيضاً، وخرجوا من دائرة اكتراثه بهم إلى الأبد..

مباركٌ ربُّنا الذي يحمل عرشَه فوقهم يومئذ ثمانية..

مباركٌ ربُّنا يا ماريان..

                       الرسالة الرابعة:

عزيزتي ماريان:

كنت أحدثك في رسالتي الأخيرة، كيف عرَّف الأستاذ طارق زملاءه من كبار الكتاب والموهوبين من الشعراء على منزلي، ولم أعد أجدُ وقتاً كافياً وفسحة عيش أرتاح فيها من تدقيق كل ذلك الخراء الذي يسمونه أدباً وشعراً وما لا أدري أيضاً.. إلى أن جاءت اللحظة التي لم أكن أتوقعها. نعم يا ماريان. أقسم أنني لم أكن أتوقع، ولست على معرفة مسبقة كيف جرت الأمور هذا المجرى الذي سأحدثك عنه..

فلقد استدل أحد الناشرين اللبنانيين، بالصدفة، عليَّ. وعرفتْ قدماه طريقهما إلى جُحري، هذا الذي يشبه كثيراً جحور الكلاب والثعالب.. أتوقع اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الذكرى المؤلمة والمخجلة حقاً يا ماريان، أن شيطاناً لعيناً من أولئك، لا من أولئك الشياطين الذين يجرون من ابن آدم مجرى الدم، بل من أصدقاء الأستاذ طارق وزملائه، هو من نصحه بزيارتي، وقرع بابي.

لقد جاءني وهو يتلفت يمنة ويسرة، خلسة كاللص، ودخل بيتي مرتعشاً من رعبه كالحرامي. ومنذ اللحظات الأولى وقبل أن نكمل تعارفنا، وقبل أن يبدأ بشرب كأس الشاي الذي صببته له، أعلن بأنه سوف ينفحني بجائزة نقدية مهولة. مبلغ لم أرَ مثله في حياتي كلها يا ماريان. هل تستطيعين أن تحزري أو تتوقعي شيئاً من ذلك، وكم هو مقدار الجائزة التي عرضها ذلك الشيطان عليّ؟ لن تستطيعي أن تحزري يا ماريان.. لقد عرض علي مبلغ ثلاثمائة ليرة دفعة واحدة. وهو مبلغ كنت أسمع به كما يسمع الناس بالأساطير والوشايات، والوقائع التي نعلم يقيناً أنها حوادث كاذبة لم تقع يوماً..

ولكن هل تعلمين يا ماريان ما هو المطلوب مني، مقابل هذا المبلغ المسرف في ضخامته، بعد أن كنت ألتقط رزقي ـ كالعصافير ـ من تنقيح تلك التُرَّهات والدفاتر والمخطوطات؟ لقد طلب مني أن أكتب له روايات ذات مقاصد جنسية فاضحة، وملأى بالأوصاف الفاحشة والمخلة بالآداب العامة والخادشة للحياء العام. وأنبأني بأن أطمأنَّ بالاً، لأنه سوف يطبعها ويوزعها في لبنان، تحت مسمى “كاتب حر”، وأنَّ اسمي لن يذكر في تلك المخطوطات التي تعج بالسفاهة والقذارة التي يسمونها أدباً جنسياً حراً. ولقد كتبت له، ومنحته ما أراد.. كتبت له خلال بضعة أشهر، عدداً من تلك الروايات القصيرة والمثيرة، التي توزع على الطلبة والمراهقين سراً كالحشيش، في حانات بيروت وعلى أرصفة شوارعها وبسطات الكتب السرية المعروضة على الأرصفة. وما أزال حتى يومنا هذا أتذكر عناوين أشهر تلك الروايات التي نحلتها ووضعتها، ومنها رواية بعنوان: “شاطئ السعادة”، و “خطيئة امرأة”، وغيرها.. وغيرها مما لم تعد الذاكرة تسعفني على تذكره..

لقد كسبت من المال بعد تلك الفعلة الشنيعة التي لا تليق برجل شريف مثلي، معتدٍّ بأخلاقه وإبائه، وجنيتُ ربحاً كان كفيلاً بأن لا أعود مرة أخرى إلى طبخ أغلفة الكتب وورقها المفتت مع حساء الشورباء، الذي كنت أُضطرُّ أن أتذوقه أحياناً.. بل لقد كثر اللحم والدسم في هذا الجحر الذي أثوي فيه، إلى الحد الذي باتت تأوي إلى ركني المهجور هذا بعض القطط الجائعة، التي تشم رائحة الطعام من بعيد، وفاض النبيذ وزجاجات الخمور فيضاً لئيماً، كطوفان نوح، حتى صرتُ لا أصحو من سكري لا في ليل ولا نهار.

لكنني مع هذا يا ماريان، صممت تصميماً لا رجعة عنه أن أكفِّرَ عن خطيئتي وجنايتي بمثل جنسها. وحقاً واتتني الفرصة ذات يوم.. بل لأقل لقد انقادت الفرصة وجاءتني تحبو حبواً حتى عتبة غرفتي، حين طلب مني نفس الناشر أن أضع له كتبا دينية. فقلت في نفسي: فلتكن آثام تلك، كفارةً لتلك الخطايا والآثام، التي اجترحتها بسبب وضعي لتلك الروايات التي تعج بالفواحش، وتحض الناس على الفجور واغتراف الملذات..

هكذا يا ماريان العسالية، عكفت على وضع كتابي الضخم، الذي ما أزال إلى يومنا هذا أفتخر به، أعني كتابي الذي وضعت له عنواناً: [ المعارج السماوية في الشرح والتعليق على حاشية العقيدة الطحاوية]. نسيت أن أذكر لك بأن ذلك الناشر اللعين قد وهبني مكافأة على جهدي في وضع الكتاب مبلغ أربعمائة ليرة. لكنه عاد إلى تنقيص المبلغ واقتطاع نصف الأجر، حين ألفت له كتاباً سخيفاً بعنوان: [ كتاب المُمُغ في كيفية صناعة الصُمغ]. وحين اعترضتُ مستنكراً مجابهاً بأن الأجر كان أقل مما كنت أتوقع، لم يزد عن أن أجابني بأن القراء من أبناء شعبنا غير مكترثين كثيراً بكل هذه العلوم المتعلقة بصناعة الصمغ. فألفتُ له كتاباً يثير شهية القراء واهتمامهم، ونسبته لأحد شيوخ فارس وشياطينها من الشعوبيين الحاقدين على العرب. فكان بعنوان: [خلاصة الطلب في ذم الترك والعرب]. ثم أتبعته برد مفحم مقذع على ذلك الشيخ الفارسي، والذي هو أنا كما علمتِ يا ماريان، وجعلت له عنواناً واسماً آخر مبتكراً يثير لعاب القوم: [ تحبير الطروس في ذم الفرس المجوس].

                      الرسالة الخامسة: 

عزيزتي ماريان العسّالية:

حتى الشيخ جمعة، شيخ الجامع في حينا، كان يحرض الناس ضدي، مع أنه في الوقت نفسه كان يدرس كتابي الموضوع باسم وهمي، والذي وضعت له عنواناً: [المعارج السماوية في الشرح والتعليق على حاشية العقيدة الطحاوية]. فلقد بلغني عنه أنه قال، وهو الكاذب، بأنّ بعض أهل الحي يقولون عني في حيينا، أنني لا أعتقد بأن أصلنا، نحن معشر البشر يعود إلى سيدنا آدم عليه السلام، وإنما إلى كائنات هي أقرب شبهاً بالغوريلا والشمبانزي. وأنني جابهت الشائعة ولم أنكرها، مدعياً أنني قلت لسائلي: لا علم لي بما يقول الناس، ولكن شرف الانتساب إلى غوريلا وشمبانزي أعلى كعباً ومقاماً من شرف الانتساب الى حمأٍ التراب وأوساخ الطين.

ثم أتبع الشيخ كل ذلك البهتان، من على منبر خطبة الجمعة، بعد أن حوقل واسترجع، مردداً:

ــ {تعالى جدُّ ربِّنا ما اتخذ صاحبةً ولا ولداً}..

ثم أضاف الشيخ جمعة، متوجهاً بالخطاب لجمهوره من المصلين:

ــ حين أسمع قوله تعالى: “إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار”، لا أتذكر سوى الشمردل.

أصبحتُ حين تنتابني اليوم لوثة وهمٍ يا ماريان، أو شعور بأنني غدوت مُطّلعاً على كل شيء، وصرتُ فاهماً عالماً وملماً بكل شيء، تصيبني رعدة وقشعريرة من الخوف يا ماريان.. ويبدأ إحساسٌ بأن خطراً ما، لا أفهمه ولا أستوعبه قد بدأ يزحف نحوي، وهو موشك أن يقضم رأسي كما يقضم الفأر قطعة جبن. فالمعرفة المتبحرة الواسعة خطرٌ أكيد على روح الإنسان يا ماريان العسّالية.. إن إحساس المرء بأنه بات يفهم كل شيء من حوله، هو اللحظة الأولى لسقوطه في هوة العدم.. وكما قال الله تعالى في كتابه العزيز: {فكُبكِبوا فيها هم والغاوون* وجنود إبليس أجمعون}.. أجل يا ماريان العسالية.. تلك هي عينُ الحقيقة.. لقد ازدادت كراهية الناس لي، وتسخطهم على سيرتي غير الفاضلة، إلى درجة أنني سمعت مرة جاري الطيب النبيل، (وهو موظف محترم يعمل موظفاً في المحكمة، يدعى شكري)، سمعته بأذنيَّ هاتين، يجيب ساخراً شخصاً كان يسأل عني وعن بيتي، حيث أسكن.. كان جواب شكري للسائل:

ــ ما رأى الحبُّ سكارى مثل الشمردل..!

وحين استزاد السائلُ عني أكثر، وطالبه بمعرفتي أكثر، لم يفتأ الرجل أن أجاب:

ــ منذ أن خلق الله أبانا آدم، لم يعصِ الخالق مخلوق كما عصاه الشمردل.

فقال الرجل متعجباً:

ــ أإلى هذه الدرجة.؟

فعقب شكري بالقول، وانا أصغي لتحاورهما يا ماريان العسّالية:

ــ إنه حاوية قمامة تمشي على رجلين كبقية مخلوقات الله.

كنت أسمع حديثهما وأتألم منه، ويكاد يأكلني القهر والأسف من ذلك. وكنت أنبس في سري: لقد صدق الأستاذ شكري في قوله ولم يجافي الحقيقة في قليل أو كثير.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

*الأعمال الفنية للفنان العالمي “بول سيزان”.

Leave A Comment

You May Also Like