الشَمَرْدَل…. قصة طويلة ل”معبد الحسون”..ج2

الرسالة السادسة:

عزيزتي ماريان العسالية:

حسناً.. فأنا أعيش في هذا البيت الذي ورثته عن والدتي رحمها الله، مذ رحلت قبل أكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً. رحلت أمي وكان آخر كلماتها لي: لست راضية عليك.. ولكني مع ذلك أحبك يا ابراهيم. وبيتي يا ماريان، هو غرفتين، أو كوخين من اللبن، تداعى السقف فوق إحدى تلك الغرفتين، فلم تعد من زاوية فنية صالحة للسكن، ولا هي آمنة من أن تؤول إلى السقوط. أما الأخرى، التي أنام فيها وأقضي جلَّ وقتي، فهي ماتزال جيدة وصامدة في وجه الزمن وتقلب السنين. وهنالك فناءٌ أو حوش عربية كما يدعوها العامة. وهو فسحة صغيرة مسورة بسور من الفخار والطين، تتصل مباشرة بالشارع الترابي القديم في حارتنا. حتى غرفتي هذه، قلّما أفتح نافذتها الوحيدة على الشمس والهواء، فأنا ـ أصارحك بهذه الحقيقة يا ماريان ـ أبغض أشعة الشمس والهواء النقي.. خاصة هواء الصباح المنعش، إذ أنني أكرهه كراهية لا أعرف بواعثها.

ولكن أتدرين ماذا يشيع عني أيضاً هؤلاء الأوغاد يا ماريان؟

يشيع عني الأوغاد من سكان حارتنا شائعات. ويتهمونني بتهم كثيرة.. أعترف لك صراحة يا ماريان العسّالية بأنّ ثلاثاً من تلك التهم كاذبة وملفقة، وليس لها نصيب من الحقيقة، أما الثلاث التهم الأخرى، فهي صحيحة. ولست من ينكرها أو يجادل ويتكاذب في صحتها. أما الشائعات والتهم الكاذبة فهي أنني زنديق ملحد، ومارق من الدين والعياذ بالله؛ وحاشا ربنا عز وجل أن أكون كذلك. وأنني فاجر فاسق لا أحلُّ حلالاً ولا أحرمُ حراماً، ومعاذ الله أيضاً أن أكون بهذا الطبع الدنيء. وأما ثالثة الشائعات الكاذبة التي أرمى بها، فقد نسيتها يا عزيزتي ماريان ولم تعد ذاكرتي تستحضرها. وأقسم لكِ بالله على ذلك يا ماريان العسّالية.. وما نسياني لتلك الشائعات إلا لأنني لا أكترث البتة بما يقول الناس عني.. أهلكَ اللهُ الناسَ جميعاً، ولتأخذهم الصيحة التي أهلكت عاداً وثمود.. وأما الشائعة الأولى الصحيحة التي يرمونني بها، فهي أنني لا أصحو من خمر ولا أفارق تعتعة السكر.. وهذا صحيح، عفا الله عني يا ماريان العسّالية.. ولكن ربَّنا عز وجل، الذي وسِعت رحمتُه كل شيء، يعلم أن الخمر والسكر لا علاقة لهما بطيب القلوب ونقاء السريرة، وشرف الخلق وصلابة الكرامة.. نحن فقراء يا ماريان، لكننا أغنياء بالعفة والرضى والقناعة بما قسمه الله لنا في صفحة الأقدار. أما الشائعتان الثانية والثالثة الصحيحتان يا ماريان، فإنني أعتذر إليكِ؛ إذ لم أعدْ أتذكرهما على وجه اليقين، فأنا، والحقُّ أحقُّ أن يقال، لا أكترثُ ولا أعول كثيراً على ما يقوله عني العامة، وما يتداوله سوقةُ الناس ودهماؤهُم من أهل مدينتنا وحينا.

                        الرسالة السابعة:

عزيزتي ماريان العسّالية:

اليوم أخبرني أحد أصدقائي ـ ويدعى ممدوح ـ وهو موظف في مديرية الثقافة في مدينتنا، خبراً طريفاً، لا يخلو من فكاهة. قال لي بأن الأستاذ “عبد الستار” وكيل وزارة الثقافة في مدينتنا، كان يتأمل في التقرير الموضوع على طاولته كشاهدة إدانة، أو حكم نهائي مجحف ظالم.

اعتصم الأستاذ عبد الستار بالصمت ووجوم التدبر قليلاً، وغرق في التفكير. ولم يجرؤ للحظات أن يرفع عينه إلى مستوى عين الأستاذ ممدوح، نائبه الذي دخل عليه بالتقرير، ولم يزد بعد قليل على القول:

ــ هذا التقرير فضيحة لنا جميعاً.. فضيحة للوزارة والثقافة والمثقفين.

لم يحرْ الأستاذ ممدوح جواباً، هيبةً ومداراةً لمشاعر الإحباط والخيبة، التي وصلت بالأستاذ عبد الستار إلى حدود بالغة الذروة. فأرجع ممثل الوزارة بصره كرتين، قبل أن يرتد إليه بصره خاسئاً وهو حسير.. رجع به ثانية نحو التقرير، كمن يعاود الالتداع بالنار بعد أن ذاق شواظها الأول. وسأل صديقي الأستاذ ممدوح متسائلاً:

ــ ما رأيك؟

أجاب الأستاذ ممدوح:

ــ أرى بأن الأمر ليس بتلك الخطورة التي تحتسبها.

فضحك الأستاذ عبد الستار، وكيل وزارة الثقافة، ضحكة صفراء كالموت، وبشفتين خشنتين فقدتا حتى طراوة الحروف، رد مجابهاً بسخرية:

ــ ليس بتلك الخطورة؟ الوزارة تقدم هدية كبيرة لشاعر مغمور، وتحتفي به في مهرجان بولغ فيه وفي إنفاقاته، أذيع على ملأ من جميع الناس، ثم تأتي الأيام لتؤكد بأن الشاعر “عارف الأزهري” الذي بالغنا في تكريمه، ومنحه جائزة الشعر كان يرجع الى شاعر متشرد ومتسول يدعوه الناس باسم الشمردل، كما يؤكد التقرير، وهو يكتب القصيدة التي لا يشق لها غبار، لمن يدفع له عشر ليرات أو عشرين ليرة، وينجز أبلغ وأجمل ديوان شعري بخمسين ليرة..؟

ــ ما زلت على رأيي حتى اللحظة.. فالصيدُ لمن صاده، لا لمن أثاره.. والموقف لا كما تتصوره حضرتك.

ــ ماذا تتوقع أن يقول الناس عنا؟

ــ الحق أنني لا أتوقع شيئاً. ولست في وارد أن ينتبه الناس لهذا الخطأ في المستقبل.

ــ أن ينتبهوا..؟ يا رجل هذه فضيحة على جميع الجبهات. فقط تخيل أن يصل الأمر إلى الوزارة، والى المؤسسات الثقافية الأخرى الحاقدة.. داخل البلد وخارجه.

ــ مرة أخرى لا أملك إلا أن أقول: من جهتنا سنتظاهر بأننا لم نسمع، ولا علم لنا بشيء..

ــ ونأخذ وضعية الميت الذي لا يحس بشيء مما يجري حوله؟

ــ تماماً.. نحن في نهاية الأمر لسنا سوى موظفين نعمل على ما يجب العمل به. والخطأ الذي هو ليس خطأنا واردٌ تماماً، في مثل هذه الظروف والأحوال.

ثم بلل وكيل الوزارة، الأستاذ عبد الستار شفتيه المتحطبتين برشف بلعة من كأس الماء الموضوع على مكتبه. ورفع نظره نحو الأستاذ ممدوح مخاطباً:

ــ تفضل بالجلوس قليلاً، أستاذ ممدوح. حدثني في شيء من التفصيل عن كل ما بلغك وما تعرفه عن هذا المتشرد الذي يسمونه الشمردل.

                       الرسالة الثامنة:

عزيزتي ماريان العسّالية:

البارحة دخل علي فجأة صديقي مختار. هو صديقي وجاري في نفس الوقت. وهو، أي مختار، يقطن مع أسرته في الحوش الملاصق لغرفتي. رآني أذرع الغرفة جيئة وذهاباً، وقد زعم أنني كنت أتحدث مع نفسي كما يكلم المجانين أنفسهم. أقسم لك يا ماريان العسالية، أنني لم أكن أحادث نفسي كالمجانين، كما افترى عليَّ مختار، وأن المسألة برمتها اختلاق في اختلاق.. تهيؤات وتخرصات من عقل جاري مختار، الذي يهوى المبالغات كثيراً. وحتى على فرض أنني كنت أتكلم مع نفسي، كما زعم هذا الأفاك؛ فما الضرر من ذلك، وهل يعيب الإنسان أن يحادث نفسه، حين لا يجد آخرين يتحدث إليهم؟.

تعلمين يا ماريان العسّالية أنني أعيش بين هذه الجدران الأربع منذ أكثر من ثلاثين عاماً. والمرء يحتاج أحياناً لأن يفتش عن أشخاص يكلمهم ويبوح لهم.. أحياناً وليس دائماً، فنحن معشرَ البشر مفطورون على غريزة الحديث مع بعضنا بعض. وذلك لأن الخالق الذي برأنا قد أودع فينا غريزة الثرثرة والكلام مجاناً، فلا أحد يتقاضى منا ثمناً عن الكلام، أو يحق له أن يطالبنا بفاتورة كلماتنا التي نطقنا بها..

ولكن ليس هذا أوقح ما زعمه جاري وصديقي الطيب جداً مختار. (فهو رغم وقاحته وكلامه الغبي، وغير المهذب، يتمتع بطيبة لا حدود لها، ويمتلك قلباً كالذهب من شدة نقائه). فقد عثر على إحدى رسائلي إليكِ، فوق الطربيزة الخشبية في غرفتي، وسألني بلهجة لا تخلو من مكرٍ وقحة واحتقار:

ــ ومن هي ماريان العسّالية.. هذه التي تكتب لها هذي الرسائل؟

وحين لم أشفِ تطفله وشغفه بالمعرفة أكثر، راح يزعم بأنك يا ماريان، لست سوى شبح من تخيلاتي وبنات أفكاري. وأنك كائن لا وجود له البتة.. ههههه .. أو… في أحسن الأحوال أنك، ربما كنتِ جنيةً من الجن.. هههه.. يا لوقاحة وسذاجة هذا المختار. فهو يظن ظن المستيقن؛ أنكِ من عالم التهيؤات وأحلام اليقظة، ولا يدري المسكين أنكِ.. المهم.. ما علينا من كل هذا.. فقد تكونين حقاً غير موجودة يا ماريان العسّالية. كل أمر جائز اليوم. ولكن كيف لا تكونين موجودة، وأمامي رسائلك وأجوبتك على رسائلي التي أرسلها لك؟ هل يعقل أن تكون هذه الرسائل قد وصلتني من كائن لا وجود له، إلا في سُبُحاتِ عقلي الشيطاني وتخيلاتي؟ هل أنا من يكتب لك هذه الرسائل، ثم أنا من أكتبُ الردود على رسائلي إليك أيضاً يا ماريان؟

إن جاري مختار له نزوعات وتصرفات غير مقبولة ولا محتملة. وأنا أعتذر له عن سخافاته، لكونه جاري وصديقي منذ زمن طويل. مع هذا فقد يكون لشكوكه نصيب من الحقيقة. لا أستطيع أن أجادل في هذه النقطة. وأن تكوني موجودة أو غير موجودة، فهذا تفصيل تافه لا أقيم له وزناً، ولست بعابئ..   

                             الرسالة التاسعة:

عزيزتي ماريان العسّالية:

لعل كلمة واحدة كافية لتلخيص فترة عمري الذي تجاوز الثالثة والخمسين، على ما أظن منذ أيام. كلمة وحيدة هي “المنبوذ”. فهي عنوانه السهل الذي يدلّ عليه، وهي أسهل تعريف في حَيِّنا يختصر سيرتي الشخصية كإنسان. يجب أن أعترف بشيء آخر يتصل بشخصية ابراهيم ـ وهذا هو اسمي الحقيقي كما تعلمين، وكما يعرفه كل أهالي الحي، وكما كنت أنادى به من قبل ـ فلقد مرت أجيال من أهل الحي، كانوا ينادونني ابراهيم في الماضي. واليوم لا أتذكر متى لقبوني بهذا اللقب الذي أكرهه: الشمردل. بالأحرى كنت في البداية أكرهه. بعد سنوات تصالحت معه، فلم أعد أحبه ولا أبغضه. ثم بمرور الوقت، لم يعد يعنيني أن أكترث به أصلاً، إذ ما قيمة الأسماء في حياتنا يا ماريان العسالية؟ وهل تغير الأسماء من حياتنا شيئاً ذا معنى، أو تضفي بهجة على حياتنا؟ لو كان الأمر كذلك، لرأيت أبناء شعبنا يستبدلون أسماءهم أسبوعياً، لو كان للأسماء أي معنى في حياتنا.

لكنّ أكثر المرات التي أشعرتني بالخطر، حين تورطت….. بلى، تلك هي الكلمة المناسبة التي يجب أن تقال في هذا المقام. لقد تورطت على وجه من وجوه الحقيقة ذات مرة يا ماريان، وقاربتُ حداً من حدود الخطر والمواجهة القاتلة مع الحكومة وأهل السلطان. ففي زحمة نشوتي بالكسب الذي أتقاضاه من وضع الكتب وتأليفها، طلب مني بعض المعارضين السياسيين، أن أكتب لهم مبادئ أحزابهم التي تنشط ضد الحكومة والدولة.. أي نعم يا ماريان. حتى هذه فعلتها، فكتبت مبادئ نظرية وأنظمة داخلية لتلك الأحزاب.. بل لأكثر من ثلاثة أحزاب سرية كانت قيد التأسيس. بعضهم نقدوني مبلغاً تافهاً يسيراً من المال، أجرة تلك المبادئ. فغضبت منهم غضباً شديداً، لكنهم اعتذروا عن قلة حيلتهم بأنهم سوف يضاعفون لي المبلغ عشرة أضعاف، حين يستولون على السلطة ويؤول سلطان البلاد إليهم. ما شأني أنا بانتصارهم السياسي واستيلائهم على ذلك الخراء الذي يسمونه السلطة. إنما كنت أطالب بمبلغ لا يتعدى الثلاثمائة ليرة فحسب. فنظر بعضهم في وجوه بعض، ثم رموني بنظراتهم المزورَّة المحتقرة، وتساءل أحدهم:

ــ هل تصدق بأن هذا الشمردل.. هذا الإنسان، انما هو ابن زنا لا أصل له؟

فأجابه الرفيق الآخر:

ــ سوف أصدق ذلك، لو كان جائزاً أن يدعى مثل هذا المخلوق إنساناً.

                       الرسالة العاشرة:

عزيزتي ماريان العسّالية:

أفكر كثيراً في هذه الأيام، بأولئك الأشخاص الذين يسمونهم مزوري اللوحات الفنية. وأتعجب كثيراً؛ لِمَ يُدرجونهم في حقل المجرمين والأوغاد الخارجين على القانون؛ تماماً، ووفاقاً مع المنحرفين والقتلة وسفلة القوم واللصوص. أدرك تماماً أن ثمة فارقاً لا يستهان به بين من يبدع في رسم لوحة فنية عظيمة وخالدة، وبين من يقلدها إلى درجة التطابق المذهل، ذلك التطابق الذي يمحو كل صفة مفارقة بين البديعتين، مالم يخضع لشروط فحص مخبرية علمية دقيقة، قادرة على التفريق والتمييز. بل أكثر من ذلك، فحتى مزوري النقود والعملات هم في النهاية أناسٌ مبدعون وفنانون عظام. ولا ينتقص من قدرهم وإبداعهم أن يدعوهم الناس مزورين.

أتدركين الفرق بين من يبدعون اللوحات الفنية، وبين من يزورونها لكي يبيعوها للمتاحف وهواة المقتنيات الفنية؟ ألا إن الفارق هو أن الرسامين المبدعين يحرصون على ظهور أسمائهم وذيوع شهرتها، بينما المزورون يحرصون على تعتيمها ومجهوليتها. كما أن الرسامون لا يبتغون من وراء لوحاتهم إلا المجد والشهرة وذيوع الصيت، بينما المزورون ليس من دافع ورائهم إلا تحصيل المال وزيادة الربح. وهي فوارق تافهة جداً، ولا تستحق حتى التذكير بها يا ماريان..

أحياناً أقضي شطر الليل كله وأنا مستلقٍ على الفراش، لا أفعل شيئاً، سوى أن أظل محدقاً في سقف الغرفة. أُثَـبِّتُ نظراتي مثلاً في ذلك السواد الذي يُنَقِّط سقفَ حجرتي، والذي يشبه فضلات ذباب، أو بقايا عنكبوت، وأظل اتأملُهُ حتى أُعيدَ اختراع العالم بأسره من ذلك اللا شيء.. ذلك الغير محدد.. ذلك الذي لا يعني شيئاً. وأسائل نفسي: لقد عشتُ عمراً مديداً، عمراً أطول بكثير مما ينبغي وأكثر مما أطمع بكثير. إذ ما فائدة أن نحيا لكي نمررَ الأيام ونعدِّدَها، دون هدف يا ماريان؟

أُثَـبِّتُ نظراتي مثلاً في ذلك السواد الذي يُنَقِّط سقفَ حجرتي، والذي يشبه فضلات ذباب، أو بقايا عنكبوت، وأظل اتأملُهُ حتى أُعيدَ اختراع العالم بأسره من ذلك اللا شيء..

اليوم أنا لست متأكداً من أي شيء يا ماريان العسالية .. فقط أنا متأكد من حقيقة واحدة: وهي أنني خسرت عمري الجميل، وفشلت تقريباً في كل شيء، ما عدا شيئاً واحداً؛ وهو أنني مازلت واقفاً.. تنتصب قامتي بعنادٍ مجنون، ولدي توقٌ لا يقاوم لأن أعاود تجربة كل شيء من جديد، والسير على حافة كل الأخطار التي مررت عليها واجتزتها بفشل مؤكد.

المهم يا ماريان العسالية…

ويا طالما ظللت أهمس في نفسي: كلُّ ممثلٍ موهوب، خلقه الله أسود البشرة.. لن يحلم يوماً بالنجومية على المسرح، بأكثر من دور البطولة في …..

ثم أحدق في سقف غرفتي المتقشر من الرطوبة والعفن. وأزدرد ريقي بحرقان وأنا أقول:

ــ أن يعطى دوراً على المسرح، مثل، أو أعلى شأناً من دور “عُطيل” في مسرحية شكسبير..

ولكي أشيع في نفسي بعض المرح الساخر، الذي يجدد شباب النفس وتدفق طاقتها مرة أخرى، أشرع في الإنشاد، وكأنني أؤدي الدور، متخيلاً نفسي على المسرح. متوهماً أنني أبرع في تمثيله، منشداً شعراً من تأليفي:

ماذا جنت يمناك يا “أوتيللو” … حتى قتلتَ اليوم “ديدمونه”؟

الدمُ في العروق ثمين يا ماريان العسّالية. يُشترى بالغالي والنفيس. جواز عبور نحو الحياة والعافية. وهو سجلُ الصحة والأمل بالعيش. ووثيقة انتقال السلالات من الآباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد.. أما الدم خارج العروق فكريه بغيض. يثير الخوف والقشعريرة، ويذكِّر بالجرائم والموت والتلاشي. وهو عنوان الآلام الأكيدة، ونذير رمزها الذي يقبض النفس، ويذكر بالموت والقبر. الدمُ في الحالين لا علاقة له يا ماريان، ولم ينظر يوماً في مرآةٍ ليرى مسيله القاني الحمرة، ولا فكرة لديه عما نشعر به حياله. فنحن وحدنا من يسرد حكاياته ويتوهم أسراره الدفينة. و{يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً}.. يا ليتني مِتُّ يا ماريان..

وداعاً يا ماريان العسّالية.. وداعاً لا يرتجى لقاءٌ بعده أبداً.

المخلص لك إلى الأبد: الشمردل

                                           تمت

معبد الحسون    

كتبت في “كليرمون فِرّان”/ Clermont-Ferrand ـ 21 / 9 / 2020

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

*لوحة الغلاف للفنان العالمي “بول سيزان”.

Leave A Comment

You May Also Like