في أسباب الاحتراق النفسي1

أسهب المتخصصون في دراسة وتقصي أسباب الاحتراق النفسي الوظيفي، المرتبط في بيئة العمل، وقلة من تناولوا الاحترق النفسي وأسبابه في الحياة الشخصية للأفراد، فكثير من الناس تستنزف أنماط حياتهم اليومية وعلاقاتهم بالآخرين كل طاقاتهم الإيجابية، وتحولهم بالتدريج إلى أشخاص سلبيين ومنسحبين اجتماعياً بسبب ما تعرضوا له من ضغوطات نفسية هائلة، أدت إلى إشعال الحريق في دواخلهم وحولتها إلى رماد.

من أهم أسباب الاحتراق النفسي للأفراد في حياتهم اليومية، هو أنماط تلك الحياة التي تمنح مساحة كبيرة للآخرين والاهتمام بهم وبمصالحهم، على حساب الذات، دون تلقي المثل من الاخرين، ويدأب هؤلاء انطلاقاً من تصورات ذاتية وقيم معينة يؤمنون بها، على العطاء المستمر للآخرين دون التوقف عند ما يتعرضون له من مواقف مًحرجة وقاسية يضعونهم فيها، والتجاوز المستمر لأخطاء الآخرين وعدم التوقف عندها – لدواعي متعددة – والعطاء من طرف واحد دون تقدير هذا العطاء من قبل الآخر، يصل بالإنسان إلى مرحلة ” التوقف” وبالتالي انهياره نفسياً، وانهيار مجمل علاقاته الشخصية، وانسحابه من البيئة المحيطة.

تتسبب أيضاً ظروف البيئة المحيطة في تعرض الإنسان للاحتراق النفسي، وقد تكون البطالة أحد أبرز هذه الظروف، فعدم الحصول على فرصة عمل مناسبة، وطول أمد البطالة، وغياب الدخل المادي المناسب الذي يكفل للإنسان معيشة كريمة، يُعرض الإنسان لكثير من المشاعر السلبية الناجمة عن الحاجة المستمرة للآخرين مادياً، ومع تكرار محاولات إيجاد فرص العمل والفشل بالحصول على أي فرصة، يتنامى الشعور بالفشل بسبب عدم التوازي بين الواقع القائم وبين الطموحات الشخصية، وتهتز قيمة الذات الفردية من خلال شعورها بعدم الأهمية وفقدان القيمة الاجتماعية التي يمنحها العمل للإنسان، وفقدان الحد الأدنى من الأمان الذي يمنحه توفر الدخل المادي اللازم للإيفاء بمتطلبات الحياة اليومية.

لا يمتلك كل الناس القدرة ذاتها على التحمّل، ولا المرونة العقلية والنفسية والاجتماعية اللازمة لمواجهة هذا المأزق الحياتي، فسمات الشخصية وطبائعها وأنماط حياتها الماضية والراهنة، كلها عوامل تلعب دوراَ حيوياً في قدرة الناس على التحمل، ففي حين يصمد بعضهم، إلا أنه كثر منهم يسقطون في بئر الاحتراق النفسي وعذاباته.

لا تتسبب البطالة في شعور الإنسان بالضغط الكبير لعدم القدرة على توفير متطلبات الحياة، فقط، بل تتسب بنوع من العطالة النفسية والفكرية بفعل القلق المستمر الذي يشتت الذهن وينهك القوى النفسية ويضعف آليات دفاعها الأولية، وبدء تكوين بنى ذهنية تعكس تصورات الإنسان عن نفسه كونه”فاشل”، وغياب القدرة على تحقيق الذات، وسيطرة المشاعر السلبية حيال المجتمع والآخرين، مما يدفع للانسحاب الاجتماعي والتقوقع على الذات، واليأس من إمكانية التغيير للأفضل، فيبدأ بالاستنكاف عن بل وبصد أي محاولة لفتح الأبواب الموصدة.

* من كتاب ( استراتيجيات التواصل الفعّال في العلاقات الشخصية ) د. خولة حسن الحديد، قيد النشر

Leave A Comment

You May Also Like