حجر الذاكرة وماؤها … بين تجربة السجن والكتابة السيكولوجية

بسام يوسف، كاتب سوري من مدينة اللاذقية، مقيم في السويد منذ عام 2015، يحمل إجازة في الكيمياء الحيوية، اعتقل لمدة عشر سنوات في سجون النظام السوري ( 1987 -1997) بسبب انتمائة لحزب العمل الشيوعي، وهو كاتب وصحفي، ورئيس تحرير جريدة “كلنا سوريون”.
 

كُتب في العقد الأخير الكثير عن تجارب السجن والاعتقال، من الخبرات الشخصية والجماعية، وخاصة من قبل السوريين، والذين أصبحت تجاربهم هذه علامة فارقة، تبرز للواجهة أمام أي كتابة، أو حتى حديث عن علاقة الشعب السوري بنظامه السياسي، نظام الأسدين ( الأب والابن)، وبعد الثورة السورية التي تمر ذكرى انطلاقتها بشهر آذار الجاري، يبدو للوهلة الأولى لكل متابع لأحداثها، أن ما من سوري ولم يختبر تجربة الاعتقال القاسية، تلك التجربة التي دمرت حياة آلاف العائلات السورية، وأخذت الكثير من أعمار الشباب السوري.

إضافة لكل ما تم توثيقه من هذه التجارب، كان لأدب السجون أيضاً نصيباً لا بأس به من النتاج الأدبي والفني للسوريين، وفي كتابه ( حجر الذاكرة … بعض من جحيم السجون السورية / مذكرات)، يبدو الكاتب “بسام يوسف” وهو يكتب ما سماها ب “المذكرات”، متنقلاً بين كتابة تجربة اعتقاله، وظروف تنقله بين السجون المختلفة مع عدد من سجناء آخرين، وبين الكتابة الأدبية الإبداعية، إذ تنساب غالبية النصوص بأسلوب السرد القصصي والروائي، والكثير من جماليات الإبداع الأدبي، وما بين هذه وتلك، تبدو لي هذه الكتابة، كنمط من الكتابة “السيكولوجية”، وبالمعمار ذاته الذي تُبنى عليه العديد من الكتابات السيكولوجية في دراستها ل”الأنا” و”النحن” و”الآخر”، إضافة إلى اهتمام الكاتب الكبير في ترسيم حدود ذاكرته الحالية، وتداخلها مع ذاكرة الماضي البعيد التي تمت استعادتها خلال وجوده لمدة عشر سنوات في السجن، ومن ثم خلق “جديلة/ ضفيرة” من الأحداث تتشابك وتتعالق معها، من خلال رواية أحداث كانت تدور في السجن، فتقدم صورة متكاملة عن تجربة شخصية وعامة في آن، وإن بدت بعض تفاصيلها مُبعثرة أحياناً، لكنها تعود لتنتظم ضمن عُقد الضفيرة، والناظم الأهم لكل هذا، هو “الذاكرة”.

الذاكرة كأداة للحفاظ على البقاء

تحت عنوان ( حجر الذاكرة وماؤها)، يوّصف الكاتب بدقة أهمية حضور ذاكرته، وحتى ذاكرة الآخرين، للحفاظ على وجوده الشخصي، وسلامته النفسية والعقلية وحتى الجسدية، وهنا تحديداً يظهر “السيكولوجي”، الذي تمت الإشارة إليه سابقاً، فالذاكرة هنا هي الحجر الثقيل الذي بإمكانك أن تستند إليه، وتركن لوجودك وإمكانية استمراره، وهي في الوقت نفسه ذلك السيل المتدفق من الأحداث والتفاصيل التي تجتاح كيانك، وعليك ألا تغرق، فما من أحد يُسلِّم نفسه للذاكرة إلا وقد انتابه الجنون، فكان على السجين – الكاتب هنا – أن يُحسن التعامل مع ذاكرته، ومع هذا التدفق الهائل للصور والأحداث والأزمنة المختلطة، ليستطع الحفاظ على توازنه، وخاصة في البدايات الأولى، وبدايات رحلة السجن التي لم يكن يعرف لها آخر، وهذا عامل آخر من عوامل الضغط النفسي والعقلي والمرتبط أيضاً بالذاكرة بشكل مباشر، ففي السجن يختلف الزمن، ويختل الحس بالزمن لدى السجين، ومما يزيد الطين بلة، هو عدم معرفته بالمدة الزمنية التي ينبغي عليه أن يقضيها في هذا المكان، الذي يعزله عن العالم الخارجي، وعن كل ما يمت للحياة الحقة بصلة، وهذا التأرجح بين الزمن والذاكرة بتداخل أزمنتها العديدة، يترك في النفس المئات من الانفعالات التي يصعب وصفها، ويدفع بالعقل وآليات تفكيره تحو الهاوية، وبالرغم من ذلك كانت تلك الذاكرة تُشكّل حالة إنقاذ حقيقية للسجين / الكاتب.

علمياً، ووفق المنظور النفسي والطبي، تُعتبر الذاكرة أحد أهم العوامل في بناء الشخصية ووحدتها وتماسكها، فالجميع يعرف ماذا يحدث لفاقد الذاكرة، أو للمصاب ب”الزيهايمر”، لكن حضور الذاكرة الكثيف أيضاً مشكلة أخرى، فالنسيان إحدى النِعم والهبات التي ينتظرها الإنسان، ولكن في السجن وبحثاً عن التوازن عليك أن تتذكر وأن تنسى أيضاً، فإذا نسيت كل شيء فلن تبقى موجوداً، وإذا تذكرت كل شيء ستُصاب بالجنون، وبين التذكر والنسيان يلجأ السجين/ الكاتب إلى استحضار الماضي المرتبط بالتفاصيل، والتي لا يُعنى بها كثيراً أو يأبه لها من هو خارج السجن عادة، فغالباً ما نهتم خلال أحداث حياتنا اليومية بالقضايا المهمة والعاجلة، بينما يهتم السجين باستحضار تفاصيل دقيقة قد تكون الأكثر حميمية إلى نفسه وروحه، كتذكر تفاصيل طريقة ابنه بالمشي مثلاً، وتأهبه لاحتضانه، واستحضار هذه التفاصيل يستند بشكل أساسي على “المخيلة”، وكلّما كانت القدرة على التخيّل أكبر، كلما انتزعتك الصور من واقع السجن إلى واقع آخر مُتخيل، واقع تتضافر في صنعه العديد من البنى الذهنية والانفعالية، كالأحلام الليلية وأحلام اليقظة ومشاركة الآخرين انفعالاتهم …الخ.

في حديث الكاتب عن ذاكرته، يذكرنا ببطل قصة “الإله” للكاتب الأرجنتيني “خورخي لويس بورخيس”، والذي استخدام  ذاكرته لمعالجة الملل والسأم، من أجل تجاوز أيام السجن ولياليه الطويلة، وملء الوقت والتخلص من الرتابة، وتكرار اللحظات ذاتها مئات المرات، كما استخدم ذاكرته لاستدعاء أحداث من الماضي، وقام بمعالجتها بشكل مختلف في المرحلة التي يعيشها الآن (الحاضر) عما كانت عليه في ( الماضي)، وهذه الصيغة من استخدامات الذاكرة من الجدير التوقف عندها مطولاً، لأنها على صلة وثيقة بالزمن، فكيف تعيش الزمن الحاضر وتجعله يمر وأنت تعيش في الماضي؟ والحياة أيضا تستمر بإعادة اختراع الماضي، فكما يقول “بورخيس”: (نحن دائماً نخترع الماضي، وهل نستطيع أن نفعل شيئاً آخر ما دمنا نحن من صلب الماضي – نصفنا اختراع والنصف الآخر ذاكرة).

الذاكرة الجمعية

يتساءل الكاتب عما إذا كان علماء النفس والفيزيولوجيا قد تحدثوا عن ذاكرة جمعية، ومن هذا السؤال ينطلق للحديث عن مشاركته الآخرين من السجناء ذاكرتهم، فلكل منهم أيضاً ماضٍ وتفاصيل يقوم باستعادتها ويتشاركها مع الآخرين، ويتسرب هذا الماضي ليصبح جزء من ذاكرة الآخر المستمع له أيضاً، وبالطبع توجد ذاكرة جمعية، وإن كان الحديث عنها في العلوم النفسية وسيكولوجيا الجماعات يختلف عن الآلية التي تحدث عنها الكاتب، لكنها تؤدي الوظيفة ذاتها، وتتكون بالآلية ذاتها أيضاً، فالمُشترك بين المجموعة (الكل) والذي يُشكل  ذاكرة الأفراد مجتمعين، يُصبح جزءاً من ذاكرة كل فرد، وبهذا يُصبح “الكل” أكبر من مجموع الأجزاء، ودائماً يتم استحضار الذاكرة الجمعية عند شعور الجماعة بالتهديد وغياب الأمان، فتصبح الذاكرة الجمعية آلية دفاع عن الجماعة، وهذا تحديداً ما كان حاضراً في كل لحظة ببيئة السجن، وكلّما كان التهديد أكبر، تصبح الذاكرة الجمعية قابلة للتوسّع والتمدد لما يُضاف إليها تلقائياً، أو بالعكس قابلة للتقلص، لصالح ذاكرات أشمل، وتشكل مظلة واسعة لخلفيات من ذاكرات عدة، متجاورة في المعيشة، أو تجمع بينها تجارب وحيوات مشتركة.

ذاكرة السجين وتفاصيل المعتقلات

تمتد ذاكرة الكاتب على مساحة الكتاب، ليحدثنا في عدد من النصوص عن تفاصيل المعتقلات التي مرّ عليها بين مختلف فروع الأمن، وعن السجناء الآخرين الذين عاشوا التجربة ذاتها، وإن لم يستفض في وصف أساليب التعذيب والحرمان، وطرق الإذلال وامتهان الكرامة الشخصية، والطرق المُتّبعة في التحقيق مع السجناء، فإن كل نص من النصوص كان يُعبر عن تجربة مريرة، بقدر ما هي واقعية، فإنها تقارب الخيال، لتبدو وكأنها من عالم آخر، وكانت تجري في عالم آخر، وإن عنوّن الكاتب عدد من النصوص باسم “سرياليات”، فالحقيقة أن وصف “السريالية” ينطبق على كل ما ورد في النصوص، فإذا كان جمع السجناء لإرغامهم على الهتاف للرئيس الديكتاتور وافتداء الطاغية بالدم، وهو الذي زج بهم بالمعتقلات، أو لمشاركتهم بالاستفتاء واختياره كحاكم بالتوقيع بدمائهم، هي أمور سريالية، فإنها لا تقل سريالية أيضاً عن “الوليمة” التي تم الإعداد لها وانتظارها بفارغ الصبر، فإذا بها ليست أكثر من علبة سردين كانت طعاماً لمهجع كامل من السجناء، لتستمر السريالية بإصدار فرمان في السجن بعدم الكلام إلا باللغة العربية، وبعد طول انتظار يلتقي السجين “الكردي” بأمه وأخته ويعود إلى زنزانته دون أن يتكلم معهما كلمة واحدة، فهما لا تعرفان العربية، وهو غير قادر على الكلام بالكردية، أو وجود الباكستاني السجين كأجنبي دون أن يعرف لماذا هو هنا وإلى متى؟ أو قصة الطفل المُعتقل بسبب “حلم”، وهكذا تشعرنا السرياليات كلها بالاختناق، وترفع من وتيرة الغضب إلى أقصاها، ليعود بنا الكاتب إلى بقع ضوء لا بدّ من استحضارها كونها نافذة أمل تتكرر على فترات متفاوته، رغم ندرتها، من خلال التحضير لوجبة طعام، أو إعداد فنجان قهوة، أو صنع نوع من النبيذ وتخميره وما يبعثه ذلك من بهجة في النفوس، أو انتظار زيارة أحد أهالي المعتقلين، مما يعني شيء من المونة والوفرة ببعض أنواع المأكولات والفواكه، أو إتاحة فرصة القراءة من خلال توفر مكتبة التي أصبح الكاتب أمينها….. وغيرها من نوافذ أمل تساعد على البقاء.

الأم الحاضرة دائماً

على مساحة النصوص كلّها، تحضر الأم ببهائها وصبرها، سواء أم الكاتب أو أمهات السجناء الآخرين، إذ يتناول الكاتب “الأم” بالكثير من البساطة والواقعية المليئة بالألم والحزن، ومرارة الخذلان، وشعور الأمهات بالوحدة وثقل غياب الأبناء، ومصيرهم المجهول، ومحاولاتهن الحثيثة القيام بأي فعل ممكن، ولو تعرضن للخطر من أجل فتح نافذة أمل ما يطل منها أبناؤهن مرة أخرى على أبواب الحياة، وكان لأم الكاتب الحضور الأكبر في ذاكرته وفي النصوص أيضاً، مع الكثير من التفاصيل التي تُشكل مفردات حياة كاملة، وهي التي يُهدى إليها الكتاب وإلى جميع الأمهات اللواتي انتظرن عودة أبنائهن من سجون الأسد، وإلى أمهات الشهداء أيضاً.

مصطلحات سجنية

ما بين السرياليات والفجائع، والخذلان والخيبات، وضياع أعمار المئات من الشباب بين جدران السجون، لم ينسَ الكاتب أن يُعرّفنا على المصطلحات المتداولة في السجن، مع توصيف دقيق لكلٍ منها، تحت عنوان “مصطلحات سجنية”:( الجناح، رئيس الجناح، المهجع، لجنة الجناح، لجنة المهجع، السخرة، البريد، الزنازين، الشرّاقة، الطمّيشة، القصعة، البلو).

في كل ما ذُكر سابقاً، يظهر الجانب النفسي طاغياً، والكثير من التوصيفات والقراءات الشخصية والرؤى الخاصة للكاتب، كانت تلبس اللبوس السيكولوجي، والعلاقات بين السجناء وأنواع التشاركية فيما بينهم، ورؤية السجين للسجان، لذلك يُمكن اعتبار هذا الكتاب كتاباً سيكولوجياً، متخصصاً في أدبيات السجون وأساليب تعامل السجناء خلال وجودهم فيها.

ويستمر الزمن….. والحياة أيضاً

الزمن الدائري /الدوري يلف مصير الكاتب، فيُصادف وصوله إلى السويد لاجئاً، تاريخ 25- 11 -2014م، واليوم والشهر هذا، هو ذاته ( 25 -11) من عام 1987م هو تاريخ اعتقاله، وإنها لمفارقة حقاَ، هي المفارقة التي يختتم بها الكتاب تحت عنوان “الغلاف الأخير”، وفي اللحظة التي يستيقظ بها طفله من نومه وهو بجانبه في الطائرة، ويسأله ( وين نحن بابا)، يستذكر الكاتب صوت أمه يوم اعتقاله، وهي تسأل من اعتقلوه ( لوين آخدينو؟)، وما بين العبارتين الكثير من التفاصيل عن الخروج من السجن، ومن ثم الثورة والمشاركة فيها وموقف الكاتب من أحداثها، وبعض تفاصيل رحلة السفر برفقة الطفل، والكثير من الدموع أيضاً، يُسميها الكاتب “حكاية وطن موجعة”، فيقول: ( ما بين سؤال أمي وسؤال ابني،حكاية وطن موجعة، حتى آخر حدود الوجع)، ونحن القرّاء لا يُمكن أن نقرأ هذه التجربة دون أن نصبح جزءاً من هذا الوجع، والذي نستشعره، و ينبغي علينا جميعاً أن نتشاركه، لأنه وجعنا أيضاً بطريقة ما.

*خولة حسن الحديد

2 thoughts on “حجر الذاكرة وماؤها … بين تجربة السجن والكتابة السيكولوجية

  1. Nabil S. Ibrahim

    بقدر ما امتعنا تحليلك للكتاب بقدر ما احسسنا او تلمسنا “هول المطلع” الذي عاناه ويعانيه من يدخل بهكذا تجربة, تحتاج لقدرة نفسية عالية-ان خرج منها بعقله او جسده او الاثنين- على مجرد اعادة استحضارها.
    انا شخصيا قد اصاب بأزمة نفسية اذا فكرت بقراءة هكذا ادب وخاصة انها حقيقية وتخص شخص عرفته شخصيا.

    1. kmarabia

      kmarabia

      غالباً الكتابة عن تجربة السجن خارج حدود الكتابة الأدبية تنشغل بالحديث عن التعذيب وأساليبه وعن تفاصيل تتكرر لدى الجميع، والجميل بهذا الكتاب أنه ذهب مذهب آخر وتكلم عن جوانب لها علاقة بالشخصية الإنسانية وعلاقاتها بمحيطها وآليات تكيّفها مع هذا الظرف الضاغط اللإنساني، ولم يغفل مع ذلك وتصلنا بقوة كل المرارة التي يعيشها المعتقل.

Leave A Comment

You May Also Like