سقوط الحلم ومرارة الخذلان في نص “شهداء على الطريق” لزيدون الجندي

لبنان، 2015م.

الكاتب زياد “زيدون” الجندي

كنتُ ألتقيه كل صباح لدى مغادرتي بيتي إلى العمل، يدفع بالجهد عربة ذات عجلة واحدة، تملؤها أكياس القمامة مصدراً صوتاً أشبه بالنعير، يلتفت إلي و يرفع حاجبيه مسلّماً دون أن يقطع نعيره.

كان ذلك الكهل الستيني أقرب إلى الآلة منه إلى للإنسان، من حيث ملامح وجهه الخالية من أية تعابير، ومشيته، وأنينه المستمر، والدقة في موعد مروره اليومي من أمام بيتي.

بعد أشهر من لقاءاتنا الصباحية المنتظمة، سمعت صوته للمرة الأولى، وذلك عندما كنت واقفاً أمام بيتي أتصفح هاتفي، ففاجأني بقوله بعد أن رفع حاجبيه مسلّماً: (الله يفك أسرك).

تساءلت ما إذا كان هذا الرجل يعاني من خلل ما، أو ما إذا كان وراءه حكاية أخرى …

ثم أجبت نفسي: من منا نحن السوريين بدون خلل سببته حكاية ما !؟

مرت الأيام و فضولي يزداد للتعرف بهذا الرجل، وأبحث عن ذريعة لزيارته حيث يعمل كحاس لعمارة قريبة .. خصوصاً  أنني  عند مروره اليومي حاولت أكثر من مرة التودد إليه لأفتح حديثاً معه لكنه كان يتجاهلني .. فقط يرفع حاجبيه مسلّماً و يتابع سيره المصحوب بالنعير ..

أخيرًا قررت التذرع بالبحث عن شقة للإيجار، وتوجهت على الفور إلى العمارة التي يعمل فيها ..

كان جالساً أمام باب العمارة على كرسي قديم، أمامه طاولة بلاستيكية صغيرة عليها صحن سجائر فاضت منه الأعقاب، و تناثرت حوله .. و قدح من الشاي القاتم .. بادرته بالسلام: السلام عليكم ..

فرد: وعليكم الكلام .. وتابع يدندن موالاً بلحن حزين، و كلمات مبهمة، كأنه يغني من صدره لا من حنجرته ..

استوقفني رده لحظة .. قبل أن يشير لي بكفه مستفسراً عن غايتي .. فسألته ما إذا كنت أجد شقة للإيجار في العمارة .. فأرجع رأسه إلى الخلف نافياً ..

و لما يئست من أنه سيضيف، أو يدعوني للجلوس سألته: أين يمكن أن أجد شقة ياعم ؟

فلوى شفته السفلى أن لا يعلم ..

قلت: لقد بحثت طيلة اليوم لكن لم أوفق .. هل لي أن أجلس لأستريح قليلاً؟

فأشار لي بالجلوس على  حافة حوض الأزهار قربه، فجلست .. وأشعلت سيجارة، وثبتت عينيّ على  قدح الشاي، فنجحت بالتلميح، إذ قام و غاب لحظات،  وعاد وفي يده قدح من الشاي، قدمه لي ..

تساءلت كيف يمكن أن يُستجر مثل هذا الرجل إلى الكلام!؟

و بعد صمت سألته 

من أي منطقة أنت يا عم؟

فقال دون أن يلتفت إلي: من بلاد الله الواسعة .. و تابع يدندن مواله المبهم ..

صمتت لبرهة ثم قلت: حياة قاسية ..

فالتفت إلي بعصبية قائلاً : عمو .. الله يخليك .. أنا لا أحب كثرة الكلام..  اشرب الشاي بصمت، واسترح  قليلاً، ثم امض إلى شأنك ..

فانتفضت واقفاً، وغادرت المكان معتذراً..  و بعد عدة أمتار ناداني، فلم ألتفت إليه، بل استعجلت السير، إلا أنه هرول خلفي حتى أدركني، وأمسكني من يدي و شدّني قائلاً: تعال أكمل شرب  الشاي .. أردت أن أسحب يدي منه، لكن وجهه الذي تحول من وجه جامد، إلى وجه أبوي يفيض ندماً، منعني من ذلك، فاستسلمت لرغبته وعدت، وبقي ممسكاً يدي حتى وصلنا إلى  حيث كنا نجلس، فأقعدني بحنان وقال لي: لم نسئ لضيف في حياتنا يا بني .. اعذرني الله يرضى عليك ..

قلت: لا داعي للاعتذار يا عم ..

قال : أنت قلتها ..زمن قاسي، و أيام أقسى، إنها قسوة بالغة يا بني  .. ذلك الرجل غريب الأطوار، بدا كطفل حزين، كل شيء فيه يبكي عدا عينيه.. 

و عاد بعد صمت يدندن  بكلمات مفهومة هذه المرة:

” حمص دار السخا يا خلتي واهلا

قوماً يرو الضيف قالو مرحبا واهلا

من يوم فارقتهم دمعي طفح وهلا ..

فيهم الذي احبهم اهل الجميل وشان

اسداً كواسر مافيهم خسيس وشان

عاشرتهم شفتهم اهل نخوة وشان

راياتهم بيضا تلمع كالشمش وهلا . ”

قلت: أنعم و أكرم بحمص وأهلا ..

فلم يُعلق .. بل صار يتحدث وكأنّه يتحدث إلى نفسه :

القدر أكثر قسوة منهم .. منحني حياة جديدة  ليقتلني كل يوم ألف مرة .. قتلوهم قدام عيوني ..

ثم فتح عينيه، وعدّل جلسته، كما لو أنه شعر بأنه قال ما لا ينبغي أن يقوله أمام شخص غريب ..

في هذه الأثناء ناداه شاب عن شرفة منزله قائلاً: أبو الخير .. هات لي علبة معسل تفاحتين بسرعة ..

استأذنني الرجل، طالباً مني أن أبقى، لكنّ ما إن أدار ظهره حتى غادرت مسرعاً  ..

  توطدت علاقتي بأبي الخير، وصارت زياراتي له شبه يومية، وفي كل زيارة كانت تتكشف لي جوانب جديدة في شخصيته .. عدا عن خفة الدم التي تتحرك فيه بين دمعة و أخرى، فقد كان واسع الثقافة، ومتابع للأحداث بشكل يمكنّه من استقراء الأمور بشكل دقيق ..

روى لي مرات ومرات كيف ذُبحت عائلته فرداً فرداً أمام عينيه، قبل أن يُعملوا حرابهم به حتى ظنوا أنه مات فتركوه .. وفي كل مرة يُقسم أنه لو سارت الأمور كما ينبغي، ووصلنا لهدفنا الذي خرجنا لأجله، لاعتبر أن كل ما أصابه، ثمن يستحق أن يدفع ..

  كان يتأوه بحرقة وألم، وهو يقول: والله يا بني إن الخمول الذي أصاب السوريين، خصوصاً أولئك الذين في المهجر، يؤلمني بمقدار ما يؤلمني فقداني لعائلتي، وتهجيري من بيتي .. ولا تزعل إذا قلت لك إن معظمكم، أو ربما جميعكم بتّم أسرى هذا القيد الأزرق .. – وأشار إلى هاتفي الذي أحمله -.

فشعرت بالخجل، وتوقفت عن العبث به ..

ثم أشعل سيجارة وأضاف: ما لم نكسر هذا القيد الأزرق، لن نتمكن من كسر قيودنا السوداء .. الله يفك أسركن حتى تفكوا أسرنا .. قال ذلك، وبدأ ينعر بموال حزين مبهم الكلمات ..

 قلت في سري: ما أصعب أن تقنع عجوزاً بمواكبة العصر ..

في إحدى جلساتنا حول مائدة الشاي أمام مدخل البناء، قال لي أبو الخير، و قد أشعل ولاعته، وتأملها طويلاً، دون أن يشعل السيجارة التي كانت بين شفتيه:

أحلم بطوفان بشري يجتاح الحدود السورية .. طوفان من السوريين، لا يحملون أي سلاح و لا أي راية، يسحق في طريقه  كل ما يعترض سبيله، حتى يصل ساحة الأمويين، فيقلب الدنيا رأساً على عقب.. 

وظل يراقب ولاعته المتقّدة، وهو غارق في حلمه، لدرجة أني خشيت عليه من مصير يشبه مصير بائعة الكبريت ..

 انطفأت الولاعة، ووجه أبو الخير لايزال يتوقد سعادة، ولم ينطفئ إلا عندما سألته :

وهل تعتقد أن النظام سيتورع عن قتلهم جميعاً، حتى و إن كانوا بالملايين؟!

قال: هتفنا يوماً “الموت ولا المذلة ” .. ولكنا نحصد المذلة ثم يحصدنا الموت .. فما المانع من الموت مع الاحتفاظ ببقايا كرامتنا؟!!

قال ذلك، وقام بعصبية، ودخل غرفته دون استئذان .. و أنا غادرت إلى بيتي ..

غادرت، بعد أن أصابتني حمى هذا الحلم الجميل .. حمى تملكتني، حتى سيطرت على كل لحظة  أعيشها .. يتراءى لي ذلك الطوفان الذي تحدث عنه أبو الخير في نومي وفي يقظتي .. حتى أصبح هاجساً يمنعني من النوم .. و لم أجد سبيلاً  للتخلص من هذا الحلم إلا بالعمل على تحقيقه .. عندما  خطرت لي هذه الفكرة المجنونة، لم أنتظر أن يسخر مني أحد، بل بادرت بالسخرية من نفسي .. تذكرت في تلك اللحظة إحدى عجائز قريتنا .. كانت تلك العجوز تردد كلمات كلما جاء ذكر العرب على مسمعها:

(والرمل ما ينعجن.. والبعر ما ينحزم ) ..

لكن كل ذلك لم يرحني من تلك الفكرة، التي بدأت تنخر حتى خلايا دماغي  ..

 حاولت مراراً على مدى الأيام التالية أن أستعيد اتزاني، وأفكر بالخطوة الأولى، لكن دون جدوى ، فمشهد ملايين السوريين يقتحمون الحدود، هو وحده الذي كان مسيطراً علي، فيشعلني حماساً يشلٌّ تفكيري بالمطلق ..

حتى أنني ذات ليلة بدأت أدور في بيتي كالمجنون .. أحدّث نفسي وأضحك منها  .. أقرع نفسي وأقول: لا أريد أن أكون الثعلب الذي رأى ظله في الصباح، فقرر أن يفترس ثوراً .. أتخيل ردة فعل الناس ساخرة، مني فيصيبني إحباط شديد .. وأعود فيخيل إلي العكس، فأدور حول نفسي  كالممسوس .. و استمريت على هذا الحال حتى الصباح .. و لم أطق انتظار أبي الخير حتى يمر مع عربته، بل ذهبت إليه عند السادسة صباحاً، وطرقت باب غرفته بعنف، ففتح الباب والذعر بادٍ عليه، وقال : خيراً .. ماذا هناك؟!

قلت: قررت خوض المغامرة ..

قال هل جئت في هذا الوقت لتحدثني عن مغامرات يا ولد؟!

وأغلق الباب بوجهي .. عدّت أطرق الباب باصرار، ورجوته أن يسمعني للنهاية، فوافق و سمح لي بالدخول، فجلست قربه على السرير، وقلت له : ياعم أبا الخير .. الأمر يستحق المحاولة، وإنّي طالب منك العون، والتشجيع والنصح  .. وإن تمكنّا من إقناع عدد كبير بالمشاركة، سنجذب الإعلام .. و بينما كنت أتكلم، كان يتثاءب، ويتلفت يميناً ويساراً، ثم قال بانزعاج: هذا ذنب حديث يا بني !! .. استمهلته معتذراً، وشرحت له بالتفصيل عما أفكر فيه، وهو يدوّر كفه أمام صدره، طالباً مني الاختصار .. ثم قال: بعد قليل من التفكير : حدّثني عن الخطوة الأولى .. أعطني الزبدة ..

قلت: أولاً سأنشئ صفحة على فيسبوك أدعوا… .. 

فإذا به يمسكني من يدي، ويجرني خارج الغرفة، وهو يقول: بدكم تحرروا سوريا عالفيسبوك !! يلعن أبوكم… على أبو اللي درّجه بصرمايتي .. انقلع من هون…   

ولم يعبأ بكل توسلاتي له أن يتركني أكمل الفكرة ..

  وبعد الكثير من المحاولات، قَبِل أبو الخير أن نتحدث بالموضوع، شرط أن “أكون جاداً و واقعياً بعيداً عن ترهات الفيسبوك “، كما قال ..

 قال لي: إذا أردت لهذا الأمر ألا يكون عبارة عن تفريغ شحنات غضب، ثم النوم مجدداً .. فاسعَ بين الناس المجتمعة في ساحات البؤس بانتظار لقمة العيش .. و تحت الجسور التي يشبهونها حد التطابق .. وفي مخيمات الحرمان ..

فإن تمكّنت من إقناعهم بالمشاركة بمقامرتك، يُمكنك وقتها أن تبدأ .. وإن فشلت، يُمكنك القول أنك حاولت ..

هؤلاء الناس وحدهم إذا قرروا السير معك، يُمكنكم أن تعدلوا ميلان الأرض .. إنهم على  عكس أشباح عالمك الافتراضي..

  نعم، لعلّه محق، وسأفكر بطريقة لتنفيذ ما قاله أبو الخير .. قلت ذلك و أنا في طريقي إلى بيتي .. مع أنني كنت أشعر بشئ من الإحباط، و قد قررت أن أستشير أشخاصاً آخرين حول كيفية تنفيذ مشروعي هذا .. و كان إحباطي أشدّ عندما جوبهت فكرتي باللامبالاة ممن طرحت عليهم الفكرة، هذا في أحسن الأحوال .. وفي أسوأها تحوّلت إلى طرفة يتناقلها الأصحاب .. فلم أجد أمامي إلا العودة لبحثها مع أبو الخير مجدداً .. قصدت بيته بعد عودتي  من العمل مساءً،  لكنه لم يكن موجوداً،  وقد كلّف حارس العمارة المجاورة بالقيام بمهامه نيابة عنه .. و كذلك في اليومين التاليين .. حتى ظفرت به في منتصف الليل في اليوم الثالث .. كان قد وصل للتو إلى سكنه .. سألته :

-أين كنت ؟

فنظر إلي مبتسماً :

-كنت اعمل ..

-عافاك الله  .. لكن ماذا كنت تعمل؟

-اًيا ولدي .. لم يعد لدي متسع من العمر لأحلم، لذلك أعمل على تحقيق الحلم، أما أنت افذهب إلى بيتك، واستمتع بحلمك كما تشاء ..

وتمدد في سريره، ثم أدار وجهه للحائط، وغط في نوم عميق .. أما أنا، فبقيت جالساً على الكرسي قربه حتى الصباح.. 

عندما استيقظ صباح اليوم التالي، لم يبدُ أنه فوجئ بأني لم أذهب إلى بيتي، بل حتى أنه لم يهتم كثيراً، فألقى علي التحية، وقام فغسل وجهه، وسكب شاياً بارداً في القدح الذي كان على الطاولة من وقت سابق، و أشعل سيجارة، ولبس حذاءه على عجل، ووقف بالباب ينتظرني لأخرج ..

  خرجت و وقفت قربه انتظر أن يقول شيئاً لكنه أقفل الباب و مشى باستعجال .. فلحقت به و سألته عن وجهته ، فرد باقتضاب : لقد مسحت المنطقة كاملة و طرحت الفكرة على الناس و كان التجاوب ضئيلاً و اليوم سأبدأ في المناطق الأبعد فالأبعد .. إذا كنت ترغب بالمشاركة فانطلق تواً إلى تجمعات العمال في الساحات وفي  ورش البناء و المعامل و كل مكان .. وإذا كنت لا ترغب فدعني أمضي فليس لدي الكثير من الوقت  ..

فوجئت به، وبهمته وإصراره، وانطلقت حيث نصحني على الفور ..

 وصلت إلى إحدى الساحات، حيث يقف عشرات من السوريين بانتظار فرصة عمل .. فألقيت السلام على أول من التقيته منهم، و بدأت أمهد له للحديث عن مسيرتنا المزمعة، فتجمهر حولنا حشدٌ منهم، يستمعون إلينا، وهنا استغليت الفرصة، وتحدّثت عن الموضوع مباشرة، بصوت عالٍ يتيح للمتجمعين سماعه .. وما إن تلفظت بأولى الكلمات حول حقنا في العودة إلى الوطن، والخلاص من الذل الذي نعاني منه، حتى انفضّ الجمع من حولنا كما لو أنهم اكتشفوا أنني جسم مشبوه، قد ينفجر في أية لحظة .. فيما  بقي الشاب الذي التقيته ذاته لحظة وصولي، يستمع إلي حتى النهاية .. وانتقلت إلى تجمع آخر، وثالث و خامس وعاشر .. والنتائج متشابهة   .. فلا أحصد إلا الفشل تلو الفشل ..

 كنت أسأل أبا الخير كل يوم، عندما نلتقي ليلاً: كيف تسير الأمور؟  فيقول لا بأس، ولا يضيف عليها شيئًا  ..

ومع مرور الوقت، أصبحت حركتنا أكثر تنظيماً، إذ تشكلت لجنة تنظيمية من عشرين شخصاً، من ذوي الخبرة والكفاءة، يهتمون بالشؤون القانونية، والتنظيمية، والاعلامية .. إضافة لعشرات المتطوعين الذين يعملون  مع الناس مباشرة، يشرحون المشروع، و يحضّون الناس على المشاركة .. أما أنا فقد توقفت عن المحاولة، بعد أن وجدت أنني لا أصلح لهذه المهمة .. وأنشأت صفحة عامة على  فيسبوك تدعوا للمناسبة المرتقبة .. و فوجئت بالكم الهائل من المهتمين بصفحتي، والذين وصلت أعدادهم إلى الآلاف خلال أسبوعين فقط!!

  و  من ثم إلى مئات الآلاف خلال الشهر اللاحق !! .. مما اضطرني للاستعانة بعدد من الأصدقاء للتعامل مع مئات الرسائل، وأحياناً الآلاف منها، يُعرب أصحابها عن رغبتهم بالمشاركة .. لقد لاقت الفكرة رواجاً و استحساناً كبيرين في عالم الأشباح الأزرق .. ، كان تسونامي إلكتروني أطاح بالصفحات التي أُنشئت لغرض معارضة المشروع .. أهمها كانت تلك التي كان يديرها صديقي “زيدون”، والذي كان يشغل منصباً في إحدى المنظمات الإغاثية تحت مسمى “سوريون على طريق الجحيم” .. والأخرى التي كانت مدعومة من الشيخ “عبد الرحمن” الذي كان مسؤولاً عن عدد من الجمعيات الخيرية، وتحمل اسم “ولا تلقوا بأنفسكم في التهلكة ..”..

و لم أعد ألتقي أبا الخير إلا نادراً،  بعد أن أصبح محط اهتمام وسائل الإعلام، يُجري في اليوم عدة لقاءت، يشرح فيها عن “المقامرة الأخيرة “، كما كان يحب أن  يسمّيها ..

  مما اضطره لتغيير مكان إقامته، حرصاً على أمنه الشخصي ..

  أخيراً، تم تحديد موعد انطلاق المسيرة في الخامس عشر من آذار، عام ألفين وخمسة عشر، من ساحة الشهداء في بيروت، وقد قدّر المنظمون أن يصل الموكب إلى دمشق في الثامن عشر من الشهر ذاته، وبذلك يكون قد تحققت رمزية الانطلاق والوصول ..

كان قد بقي على الموعد شهرين…

شهران لا يعني ذلك بمثل هذه الحال ستون يوماً  بالنسبة إلى المتحمسين أمثالي، بل كان يعني عمرين أو دهرين .. لم أخشَ الموت يوماً، كما خشيته في تلك الفترة.. كنت أخاف أن يدركني الموت، قبل قبل أن أشهد ذلك اليوم العظيم ..

  ومضى الوقت، والراغبون بالانضمام لتحركنا يتضاعفون .. حتى زيدون والشيخ عبد الرحمن، وكثير من أمثالهما تراجعوا عن مهاجمة تحركنا، وكانوا أول الواصلين إلى ساحة الشهداء في اليوم الموعود.. 

يومها وصلت تمام السابعة، فوجدت أبا الخير جالساً على حافة النصب التذكاري يدخن السجائر، وحوله عدد من المنظمين، و عدد من سيارات البث التلفزيوني التابعة للمحطات المهتمة بالحدث ..  فوقف و سلّم علي بحرارة، وضمني إلى صدره بحنان .. بدت حركة الواصلين خجولة والوقت يركض مسرعاً، باتجاه منتصف النهار .. وتوتري يزداد، فقد ظننت أن الساحة ستمتلئ عن آخرها منذ الصباح الباكر .. وكذلك المنظمين .. فاقترحوا على أبي الخير أن يوجه دعوة متلفزة للناس، لكنه رفض رفضاً قاطعاً، واعتبر أنه لا طائل من ذلك، وعندما سأله أحد الحاضرين ما إذا كان يرغب بالتراجع، أو بتأجيل الموعد قال بحسم: سأفعلها و لو منفرداً.. 

بحلول الثانية عشرة، لم يكن يتجاوز عدد الحاضرين الخمسة آلاف شخص ..

اعتلى أبو الخير مرتفعاً، وأمسك مكبر صوت، وقال: ستنطلق مسيرتنا خلال دقيقتين .. سننطلق سيراً على الأقدام  .. من شاء فلينطلق معنا، ومن شاء فليسبقنا، أو يلحق بنا بالسيارات .. و من شاء فليعد إلى بيته .. ثم وضع المكبر جانباً،  وانطاق على الفور تاركاً الجموع خلفه في جدال ونقاش .. و من ثم تبعه الراغبون بالذهاب مشياً .. كم كنت أتمنى لحظتها أن ترجأ المسيرة، أو حتى أن تلغَ من أساسها، بعد هذا الخذلان والإحباط ..

أين اختفى مئات الآلاف؟!

 كنت أفكر في ذلك، بينما أسير مع السائرين خلف أبي الخير ..

  كنا نعبر شوارع بيروت وحواريها، فيرش الناس علينا الأرز والورود حيناً، والأحذية و الحجارة حيناً ..

لكن أكثر ما أثار الطمأنينة في قلبي، هو كسر الجرار خلف الموكب ..

أبو الخير وحده كان يسير، ودخان سيجارته يعلو رأسه الأشيب، دون أن يلتفت إلى الخلف .. لم يكترث بتنبيهي لتناقص أعداد المشاة، ولم يكترث بأولئك الذين كانوا يلتقطون الصور بالقرب منه .. فقط كان يكشّهم كما يكشُّ الذباب، إذا أعاقوا حركته ..

أما زيدون والشيخ عبد الرحمن ومجموعتيهما، فقد ركبوا سياراتهم وسبقونا، ولم نلتقيهم إلا مساءً  في في منطقة عاليه، يتناولون عشاءهم في أحد المطاعم الفخمة ..

  و عندما وصلنا، و نحن نجر أرجلنا جراً لشدة التعب، تسابقوا لالتقاط الصور معنا، و تحديداً مع أبي الخير، ثم عادوا لمتابعة عشاءهم ….

كان التعب قد نال من الجميع، باستثناء أبا الخير .. لم يتوقف للحظة .. لم يقض حاجة، ولم يأكل شيئًا  .. فقط كان يجد بالسير و يدخن السجائر ..

بعض المشاركين كانوا يجلسون على قارعة الطريق ليستريحوا، ثم يختفون .. و بعضهم يدخل المحلات التجارية لشراء بعض ما يحتاجون، ولا يخرجون أبدًا  .. وبعضهم الآخر يستقل سيارات الأجرة، ويسبقوننا إلى شتورة حسب زعمهم ..

في منطقة ضهر البيدر الجبلية، كنا قد أنهكنا تماماً، ونال منّا البرد القارس، وفكرنا في التوقف .. لكننا لم نجد سبيلاً غير الاستمرار في المشي، لمواجهة البرد الشديد…

  ضحى اليوم التالي، كنا قد وصلنا إلى مدينة شتورة، وعددنا يقل عن المئة شخص، و انصرفت عنّا آخر محطة تلفزيونية تغطي مسيرنا ….

 بالكاد نقوى على المشي، ونرجوا أبو الخير أن يتمهل قليلاً، بعد أن رفض رفضاً قاطعاً  أن يتوقف للاستراحة .. لكنه استمر قدماً، و دخان سجائره يعلو رأسه الأشيب، كقطارٍ بخاري لا سيطرة لأحد عليه .. وهنا تمهّل موكبا زيدون والشيخ عبد الرحمن، و سارا بمحاذاتنا، وصخبهم وضحكهم يملأ المكان ..  يتسابقون لالتقاط صور “السيلفي” مع أبي الخير ..

أخيراً وصلنا إلى نقطة المصنع الحدودية،، وتفاءلنا خيراً،  إذ لا بدّ أن نتوقف لإجراءت المغادرة .. لكن مشهد مرور أبي الخير من أمامهم دون أن يعترضه أحد، كان بمثابة صعقة لنا، أدّت إلى انهيار بعض مننا، وسقوطه أرضاً ….

 أردنا أن نعبر الحدود كما فعل أبو الخير، لكن عناصر الأمن العام، ومعهم عناصر مسلحة بزي مدني، منعونا، وأوقفونا جانباً للتدقيق بأوراقنا .. صرخت بأعلى صوتي منادياً:

 أبا الخير، لكنه لم يلتفت، وتابع السير حتى  توارى بعيداً..  أما نحن فقد أُمرنا بالعودة .. و بعد جدل وشجار مع العناصر الأمنية، حُشرْنا بسيارة كبيرة، معدة لنقل الأغنام، ونُقلْنا قسراً إلى بيروت ….

 كنا مرهقين تماماً،  لدرجة أن معظمنا غفا في صندوق الشاحنة، رغم برودة الهواء الناجم عن سرعة السيارة .. كانت توقظنا بين الحين والآخر،بواق سيارات موكب “زيدون” الذي يسير بمحاذاة الشاحنة، وأصوات الأغاني الثورية التي تنطلق منها،  وصخب المجموعة و ضحكاتها .. أو أبواق سيارات موكب الشيخ “عبد الرحمن” وأصوات الأناشيد الإسلامية، المترافقة مع رفع إشارات النصر التي تفقأ أعيننا المنهكة ..

وصلت الى البيت ولا زلت أعيش صدمة ما حصل،  وألف وسواس حول مصير أبي الخير يمنعني من النوم .. فشغلت التلفاز، ليطالعني خبر عاجل بالخط الأحمر، على شاشة صفراء يقول :

مقتل انتحاري على يد قوات الأمن السورية، قبل أن يتمكن من تفجير نفسه على نقطة المصنع السوري الحدودية .. و صورة أبي الخير مخضباً بدمائه، إلى جانبه حزام ناسف هي خلفية الشاشة .. فأطلقت ضحكة عالية مجنونة أقرب إلى العويل .. وسارعت إلى المربع الأزرق، لأجد صورة أبي الخير تملأ الصفحات .. هذا ينعيه، وهذا يبكيه، وذاك يحييه .. وذلك يفاخر بصورته التذكارية معه، بل حتى أن بعضهم ذهب لنسج القصص الخيالية حول علاقته بأبي الخير… !!

عندها فتحت صفحتي العامة “شهداء على الطريق “، وكتبت آخر بوست فيها :

(الكلام عليكم ولعنة الله ..

وعلينا الموت و الرحمة .. الله يفك أسرنا ..)

لم ينل هذا البوست إعجاب أي أحد من مئات آلاف المتابعين .. فأغلقت الصفحة، وأغلقت معها صفحة الحلم  إلى الأبد.

*الصور الداخلية من معرض  Infinity des Lumières ، دبي، موقع https://www.milleworld.com

1 Comment

  1. Mohamad Ebrahim

    نص رائع من ابداعات المفكر والقاص المبدع زيدون ونتمنى عليه المزيد من هذه الابداعات ..

Leave A Comment

You May Also Like