رقصات طفولية – لاشيء مهم

_ ولادة من عين العدم

منذ ثلاثة آلاف عام، أي يوم كنت طفلاً، أذكر حينها كيف أمسكتُ الطبشورة بأصابع يدي الخمسة، ورحت أجرها على السبّورة، محاولاً رسم فتاة الأحلام بالتفصيل الدقيق الممل، وبعد أن انتهيت، تراجعت خطوتين للخلف ونظرت إلى تلك اللوحة فأذهلني أن رأيت وجهي، أغلقت عينيّ براحة يدي اليمنى، ورحت هارباً من نفسي يلاحقني ظلّي، أجري بلا هدف، أصطدم بأسوار المدارس أو المقابر ولافرق، أسقط وأقف، أتعثر وأمشي، أستند على جدارٍ لزج في حيٍّ غارق منذ زمن بعيد بالوحل ورائحة الدمِ والندم والرطوبة، فأغرق وأتنفس بصعوبة بالغة وألهث، أمسح وجهي على طحالبٍ نَمت على جذع شجرة عتيقة، وأحتضنها فتقذفني بخشونتها وأنا الطريّ الذي يبحث عن متكئٍ أو ظل شجرة، أغفو على رصيفٍ متآكل اختفت ملامح رصفه ودربه، وِجْهته إلى كل مكان، إلى اللامكان، رصيفٌ يشبهني تماماً.

منذ ألفي عام أمسكت القلم وضحكت على مارسمت بطفولتي، فأنا الآن أمتلك نضجاً وبضعٌ من تجربة، ورحت أدوِّن ماأتمناه بها، وبدأت بـ (ستكون) وأكملت غرس الصفات على الورقة، إلى أن اخضرّت حقول تسعة صفحات مع هوامشها، وبعدها أسندت ظهري مطمئناً على صخرة تلتحفها الشمس من خمس جهات، أدخن بشراهة محاولاً خلقها بخيالي ونحن نرقص”البوليرو” في صالة مغلقة، ولاحضور سوانا.

في هذه الأثناء كان النمل قد شقّ طريقه الوعرة، من مطاحن البيرو صانعاً جسراً فوق قدمي اليمنى متجهاً إلى روسيا، وماهي إلا دقائق وكان النمل قد أكل صفحاتي التسعة، وتبرزها نقاطاً بلا جُمل على الحدود الروسية الشرقية تماماً. وحينها انتهت الحصة المخصصة للخيال في ذلك الوقت، ولاوجود للصدف.

صحوت على صوتٍ قريب بعض الشيء، كان يهمس بهدوء إلى الفراغ، أصغيت جيداً وبدأت أحكّ أذناي “لأرى” هل هو صوت جنيّة الحقل المخادعة، أم أنه صوتٌ نابعٌ من حقيقة الوجود والعدم، وهنا تحديداً لافرق بينهما، شعرت وكأن هذا الصوت الخافت يهزّ العالم بغضب، تساءلت هل تراها تناديني؟ ألست أنا هو اللاأحد وأنا اللاشيء؟ شعرت بالبرد يتسلل لجسدي وبدأت أرتعش.

 حاولت أن أذهب إليها بدايةً ولكنّي لا أزال مخموراً، ولا أزال منهكاً مستنزفاً لاطاقة لي ولاجهد، وإن صدقتُ القول فأنا كنت حينها لاأزال خائفاً؛ استمر الهمس متكرراً في رأسي المثقوب فتأكدت من الحقيقة، إذاً هل يجب أن أستمر بفلسفتي؟

مددت يديَ للنار مترنحاً أخطو نحوها بحذر، استللت اصبع السبابة أُسندها على الإبهام وجعلتها نحوها، وضعتها على جبهتها وعدت مسرعاً خطوتين للخلف، ونسيت إصبعي في عيني اليمنى، حين لمستُها أيقنت أنها كذلك وليدة اللامكان، عدت إليها تسبقني راحة يدي فأنا لاأمتلك ماأخشى خسارته، إلا أن أندم على حياة لم أعشها.

قلت: مرحبا. هل قرأتِ قصة الخلق؟ اسمعيني أنا لست هنا لأستعرض، أو لأعيد تكرار المستهلك، ولكن هل نظرتِ مرة للسماء فلوّحت لكِ يد الله؟ هل قابلكِ كلبٌ شرس يخيف الجميع، وحين هاجمك خانتك قدماك وقواك من شدّة الهلع، فهرب الكلب لأنه لم يقابل شيئاً كهذا من قبل، فهتف الحضور لشدّتكِ وجرأتك، ومن يومها لم تتمكني إلا أن تعيشي دور الشجرة أو الحائط؟ صدقيني أنا تماماً أسوء مَن قابلتِهم، واسمعيني جيداً، صحيح أني أتلعثم كثيراً ولكن هذا لايعني أني خائف، فأنا هو من ابتلع رأس الكلب، أتذكرين؟

لم تكن كما رسمتها بطفولتي، ولا كما كتبتُها بمراهقتي، كانت كما لو أنها (هي) بكل بساطة، وبكل مافيها ملتهبة لاتشبه إلا نفسها. أوَتشبه نفسها؟

سألتها أتقرئينَ شعر “رياض صالح الحسين”؟ أراه مجموعة قصائد غير مكتملة، فهو يشبهنا وهو الآن في حضن الأرض تماماً.

فأمسكت أمها “رياض” وقذفته بوجهي، وتمتمت ارحل من هنا ياكلب.

وبدأت أتحسس وجهي، فلمست وجه رياض ووجه الكلب وكأني تحولت لتنين صيني معاق برقبة واحدة.

لم تكن كباقي الفتيات مدعيات المثالية، ولا كحوريات الجنة الماجنات، ولم تكن تأبه بالجحيم.

سألتها أقرأتِ الجحيم لدان براون، وكيف أن البروفيسور حاول أن يخصي الإنسان المقهور؟

فهل بدأت هنا بالاستعراض؟ حسناً.

أطفأت سيجارتها بعيني اليُسرى واختبأت، وهمست قبل أن ترحل هل سبق أن زرت إحدى الدول الاسكندنافية؟

لحست شفاهي وابتلعت لعابي وقلت لعلها لاتتقن فن الغزل، أو ربما أن النساء يمتلكن أنواع من الغزل لايفهمها من هو مثلي، ولكن هل ستتمكن من الغزل ياصديقي حين تواجه “الكراكن”؟ إذاً حاول أن تتنفس إن استطعت، وهنا تماماً ابتلعت ظلّي.

كانت قوية ولديها فائض من الجنون، فبإمكانها أن تتعرى تحت المطر، وأن تراهن على أنها ستنتصر على أرنب بريّ في سباق الألف متر، كانت جريحة تشرب نخب الموت وتهمسُ ملحة للحياة، فعِشتُها.

**محمود عبود

**الأعمال الفنية للفنانة السعودية حوراء المرهون.

Leave A Comment

You May Also Like