التناص والتناسل النصي والسلالات النصية …. نماذج من نثر “بورخيس”

التناص هو حضور نص سابق، أو مستويات متفاوتة من نصوص معينة سابقة في نص آخر، ووفقاً لعلم النص فإن التناص يعبّر عن تبادل النصوص – أشلاء نصوص- دارت أو تدور في فلك نص يعتبر مركزاً، وفي النهاية تتحد معه، وهذا واحد من سبل ذلك التفكك والانبناء: (كل نص هو تناص)، والنصوص الأخرى تتراءى فيه بمستويات متفاوتة، وبأشكال ليست عصيّة على الفهم بطريقة، أو بأخرى، إذ نتعرف إلى نصوص الثقافة السالفة والحالية، فكل نص ليس إلا نسيجاً جديداً من استشهادات سابقة، وتعرض موزعة في النص (قطع مدونات، صيغ، نماذج إيقاعية، ونبذ من الكلام الاجتماعي.. الخ)، لأن الكلام موجود قبل النص وحوله، فالتناصية قدر كل نص مهما كان جنسه، ولا تقتصر حتماً على قضية المنبع أو التأثير، فالتناص مجال عام للصيغ المجهولة التي يندر معرفة أصلها، استجلابات لا شعورية، عضوية مقدمة بلا مزدوجين، وكل نص يتعايش بطريقة من الطرق مع نصوص أخرى، وكما يقول “سوسير”: (كل نص إنتاج منتج)(7)، وهذه المقولة تتوافق مع رؤية “بورخيس” التي تقرّ بأنه اكتشف القصة ولم يخترعها، ويمكن لمن يريد أن يقرأ قصة (مكتبة بابل) مثلاً أن يجدها عند مؤلفين سابقين، ومثلما تشير الإشارات إلى إشارات أخرى عند السيمائيين (بارت، جينيت، كرستيفا، يفاتير)، يكتب الفنان ليس استناداً إلى الطبيعة، بل استناداً إلى طرائق أسلافه في (تنصيص) الطبيعة، وهكذا يكمن نص داخل نص آخر ليشكل معناه (8).

لو انطلقنا من المعطيات السابقة في قراءاتنا لنصوص بورخيس، لوجدنا أنها تتجلى بشكل واضح، وبصيغ مختلفة، وهي تعكس إلى حد كبير أيضاً ثقافته الكونية، وتأثره الكبير بعدد من الفلاسفة والمفكرين، المنتمين لحضارات وأزمنة متعددة (الحضارة العربية، اليونانية الأوربية, الأمريكية.. إلخ).

وتزودنا كتبه بأمثلة كثيرة لهذه الصيغ، ففي (كتاب الكائنات الخيالية)، يذكر طائر السيمرغ المستوحى من حكاية (منطق الطير) للشاعر الصوفي فريد الدين العطار، حيث تبحث الطيور الثلاثون عن طائر وهمي اسمه (السيمرغ) أو العنقاء، فتجوب العالم كله، وحين تفرش أجنحتها في طريق عودتها الخائبة، تنظر إلى نفسها فتجد أنها (السيمرغ)، ويتحدث عن هذا الطائر فيقول: (يرمي ملك الطيور، السيمرغ، ريشة، أجمل ريشة في مكان ما وسط الصين، وحين تعلم الطيور بذلك، تقرر أن تبحث عنه، وقد تعبت من الفوضى التي تعيش فيها، وهي تعرف أن اسم ملك الطيور (السيمرغ)، والذي يعني أيضاً (الثلاثين طائراً)، وتعلم أيضاً أن قلعته تقع على جبل قاف، جبل الجبال الذي يطوق الأرض)، كما يتجلى (منطق الطير) بصيغة مختلفة، عندما استخدمه بورخيس في نصه (البرهان الطيوري) من مجموعة الصانع.

يستلهم بورخيس أيضاً – في صيغة أخرى من صيغ التناص – الخصائص الفنية لفن الخبر العربي القديم عبر أشكاله المتمثلة بالحديث القصصي، الحكاية، النادرة، الطرفة، الملحة، المقامة.. الخ، وفي كتاباته التي يجمع فيها بين القصة والمقالة، والخبر، والتاريخ يتجلى الكثير مما نقرأه في كتاب (الأغاني) مثل (بحث ابن رشد) وقصصه عن الكائنات الخيالية، التي تتضمن خبر الحمار ذي الأرجل الثلاثة، وهي مأخوذة عن كتاب الطبري، وكذلك الخبر المتعلق بالجن المأخوذ من القرآن الكريم، وغيرها من الصيغ الكتابية التناصية مع القرآن الكريم مثل بداية (حكاية الحالِمَين) ونهايتها من مجموعة (المرايا والمتاهات)، فيقول في البداية: يروي المؤرخ العربي الإسحاقي هذه الواقعة: يحكي رجال ثقات [والله وحده العليم القدير الرحمان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم] ويختم الحكاية بقوله: (هكذا باركه الله وأجزاه وأثنى عليه، إن الله كريمٌ لا تدركه الأبصار)، وفي بحث ابن رشد في المجموعة المذكورة نفسها يستشهد بشعر عبد الرحمن الداخل، وبرؤية زهير ابن أبي سلمى للزمن، وهما من عصرين مختلفين تماماً في الحضارة العربية (الجاهلية، الإسلام)، وفي (الآخر) يستذكر تخييلاً لكولريدج (إذ رأى أحدهم في المنام نفسه وهو يعبر الفردوس فيعطي زهرة برهاناً على ذلك، وحينما استيقظ كانت الزهرة هناك)، وتسبق قصة (الأطلال الدائرية) عبارة من (عبر المرآة) للويس كارول تلخص الفكرة الأساسية للنص، وفي قصة (الخالد) يتقدم بورخيس على القارئ ليكشف عن مصادره الأدبية في الإشارة إلى (هوميروس)، وتتضح في هذا النص فكرة بورخيس عن تاريخ البشرية، فهو لا يرى فيه سوى مجموعة من الاستعارات، وهذه الفكرة استوحاها من (إمرسون)، وفي قصة (البرلمان) تسعى البداية الغامضة إلى محاكاة قصص (كافكا) كما ترتبط قصتا (الاقتراب من المعتصم)، و(دراسة لأعمال هربرت كوين)، بقراءات بورخيس وتأثره بكارلايل تأثراً جلياً إلى حد الاقتباس.. الخ.

وبقي أن نذكر أنه قد لا يخلو نص – نثري – من نصوص بورخيس من نسب ما، أو موروث ما فلسفي فكري أو أدبي، أو أسطوري، ويعتبر بعض النقّاد هذا الأسلوب من أبرز ابتكارات الحداثة، لأنه لا يقوم على إيهام القارئ بإمكانية الحدوث، وإنما يقنعه عن طريق رواية القصة بأنها حدثت فعلاً، وهذا ما يتقاطع أيضاً مع حديث “بارت” عن موت المؤلف حين قال: (إن المؤلف الأكبر والأهم للنص هو الموروث الأدبي الذي يشكل سياقاً مصدرياً ومرجعياً للنص، مثلما يشكل أساساً لفهم النص وتفسيره بعد أن كان مصدراً لإنتاجه وحدوثه، وهذا لا يلغي المؤلف ولا يقلل من دوره،  ولكنه يوجه الانتباه إلى علاقات التبادل والتقاطع ما بين النص كإبداع ذاتي، والموروث كعطاء ماثل ذي وجه سابق على النص، ولاحق به، ومحيط بكل تحولاته)(9).

التناسل النصي والسلالات النصية

يرى السيميائيون أن النص يولد من جملة واحدة، تُشكل نواته التي تتناسل ليولد نص من آخر، وكثيرة هي النصوص المتناسلة في المجموعات التي أصدرها بورخيس، وتتناسل بعض النصوص في نفس المجموعة، أو تتشابك وتتداخل – أو تكون عبارة عن تتمة – مع نصوص أخرى كان قد كتبها في مجموعات سابقة، وقد أطلق “جيرار جنيت” على هذه الحالات اسم (التعالي النصي)، وهو كل ما يجعل نصاً يتعالق مع نصوص أخرى بشكل مباشر أو ضمني، وهو بهذا المفهوم يستوعب التناص ويتجاوزه، وقد حدده في خمسة أنواع، ما يتوافق منها مع الحالة التي نحن بصددها يطلق عليه اسم (النص اللاحق)، وهو يكمن في العلاقة التي تجمع النص (ب) كنص لاحق بالنص (أ) كنص سابق (13)، وفي أعمال بورخيس نجد أمثلة عديدة من النصوص المتناسلة، إن كان في المجموعة الواحدة، أو ظهور نصوص لاحقة، لها سلالاتها الممتدة في نصوص سابقة على شكل مقالات، أو قصص وغيرها، ويمكن أن نذكر هنا بعضها:

مقال (المكتبة الكاملة) تحول إلى عنوان (مكتبة بابل)، بشكل تتشابك فيه الأفكار والجمل، وترتبط فيما بينها، كما يمكن لبعض فقرات من مقالات بورخيس الأدبية، أن تكون شروحاً وحواشي لبعض قصصه، وأحياناً تتمم قصة منفصلة فصلاً ناقصاً في قصة أخرى (مثل قصة “الملكان والمتاهتان” المتممة لقصة “ابن حاقان البخاري المتوفي في  متاهته)، وقد يتناول الموضوع نفسه من وجهتي نظر مختلفتين، مستخدماً طريقة المعالجة نفسها أو عكسها، في مجموعة (تقرير برودي)، توجد علاقة خفية بين حكايتي “خوان مورانا” و”اللقاء”، والفكرة التي تربط القصة بالأخرى هي أنه بإمكان السلاح مع الوقت أن يحوز على حياته السرية الخاصة، ففي قصة “خوان مورانا” لدينا فكرة رجل يصبح بعد موته، شيئاً – فكرة رجل يستعمل الخنجر ويصبح هو ذاته الخنجر، ومن المجموعة نفسها – وكما يشير الكاتب نفسه – فإن حكاية (روزندو خواريز)، هي موجز أمين لما جرى في الواقع – أو كان ممكن أن يجري – في أحد أعمال بورخيس المبكرة وهي بعنوان (رجل زاوية الجدار الزهري) مع بعض التعديلات، وفي قصتي (المبارزة) و(المبارزة الأخرى) – من تقرير برودي أيضاً- إضافة إلى تناسل العنوان فإنهما تعبران عن فكرة واحدة وبمعالجة فكرية وفنية مختلفة، والفكرة هي حول (العنف) الذي يراه بورخيس بمستواه الرمزي (المعنوي) المتجسد في القصة الأولى، لا يقل أهمية وتأثيراً عن مستواه الجسدي المادي المتجسد في القصة الثانية، كما يترابط نص (الآخر) مع نص (بورخيس وأنا) ومع قصة (بيت آستريون)، في التعبير عن أفكار بورخيس حول الذات والآنا والآخر، فالآخر هو الذات، والكاتب يعيش آخره (مضاعفة) يجعله حقيقياً قابلاً للتصديق، وفي معظم كتابته يعمل بورخيس على تقليص المتعدد إلى المضاعف ثم في النهاية إلى الواحد.

** من كتاب ( الحلم والذاكرة في نثر بورخيس)، خولة حسن الحديد، دار الطليعة، دمشق، 2006م.

Leave A Comment

You May Also Like