التناسل النصي والسلالات النصية نثر بورخيس نموذجاً”

يرى السيميائيون أن النص يولد من جملة واحدة، تُشكل نواته التي تتناسل ليولد نص من آخر، وكثيرة هي النصوص المتناسلة في المجموعات التي أصدرها بورخيس، وتتناسل بعض النصوص في نفس المجموعة، أو تتشابك وتتداخل – أو تكون عبارة عن تتمة – مع نصوص أخرى كان قد كتبها في مجموعات سابقة، وقد أطلق “جيرار جنيت” على هذه الحالات اسم (التعالي النصي)، وهو كل ما يجعل نصاً يتعالق مع نصوص أخرى بشكل مباشر أو ضمني، وهو بهذا المفهوم يستوعب التناص ويتجاوزه، وقد حدده في خمسة أنواع، ما يتوافق منها مع الحالة التي نحن بصددها يطلق عليه اسم (النص اللاحق)، وهو يكمن في العلاقة التي تجمع النص (ب) كنص لاحق بالنص (أ) كنص سابق (13)، وفي أعمال بورخيس نجد أمثلة عديدة من النصوص المتناسلة، إن كان في المجموعة الواحدة، أو ظهور نصوص لاحقة، لها سلالاتها الممتدة في نصوص سابقة على شكل مقالات، أو قصص وغيرها، ويمكن أن نذكر هنا بعضها:

مقال (المكتبة الكاملة) تحول إلى عنوان (مكتبة بابل)، بشكل تتشابك فيه الأفكار والجمل، وترتبط فيما بينها، كما يمكن لبعض فقرات من مقالات بورخيس الأدبية، أن تكون شروحاً وحواشي لبعض قصصه، وأحياناً تتمم قصة منفصلة فصلاً ناقصاً في قصة أخرى (مثل قصة “الملكان والمتاهتان” المتممة لقصة “ابن حاقان البخاري المتوفي في  متاهته)، وقد يتناول الموضوع نفسه من وجهتي نظر مختلفتين، مستخدماً طريقة المعالجة نفسها أو عكسها، في مجموعة (تقرير برودي)، توجد علاقة خفية بين حكايتي “خوان مورانا” و”اللقاء”، والفكرة التي تربط القصة بالأخرى هي أنه بإمكان السلاح مع الوقت أن يحوز على حياته السرية الخاصة، ففي قصة “خوان مورانا” لدينا فكرة رجل يصبح بعد موته، شيئاً – فكرة رجل يستعمل الخنجر ويصبح هو ذاته الخنجر، ومن المجموعة نفسها – وكما يشير الكاتب نفسه – فإن حكاية (روزندو خواريز)، هي موجز أمين لما جرى في الواقع – أو كان ممكن أن يجري – في أحد أعمال بورخيس المبكرة وهي بعنوان (رجل زاوية الجدار الزهري) مع بعض التعديلات، وفي قصتي (المبارزة) و(المبارزة الأخرى) – من تقرير برودي أيضاً- إضافة إلى تناسل العنوان فإنهما تعبران عن فكرة واحدة وبمعالجة فكرية وفنية مختلفة، والفكرة هي حول (العنف) الذي يراه بورخيس بمستواه الرمزي (المعنوي) المتجسد في القصة الأولى، لا يقل أهمية وتأثيراً عن مستواه الجسدي المادي المتجسد في القصة الثانية، كما يترابط نص (الآخر) مع نص (بورخيس وأنا) ومع قصة (بيت آستريون)، في التعبير عن أفكار بورخيس حول الذات والآنا والآخر، فالآخر هو الذات، والكاتب يعيش آخره (مضاعفة) يجعله حقيقياً قابلاً للتصديق، وفي معظم كتابته يعمل بورخيس على تقليص المتعدد إلى المضاعف ثم في النهاية إلى الواحد.

Leave A Comment

You May Also Like