نص جديد من سلسلة: مذكرات طفولية .. لاشيء مهم

أعتقد أنه في حيّنا هناك مهرّج يتقن الألعاب السحرية، وألعاب الخفة والتنويم المغناطيسي، يتلاعب بالأطفال أثناء عودتهم من المدارس بين الحين والآخر، فيجمع المال منّا، والعقول ويرحل.

في طريق عودتي من المدرسة، قابلت جارنا الخرف، وكان يقلّب خريطة العالم، فقذفته بالسلام كما نفعل عادةً بحيّنا:
– عمت باللاوقت أيها العجوز الخرف.

 وأجابني كما العادة بحيّنا: دمت باللاشيء يا ابن العاهرة.

ولكنه صرخ عليّ قبل أن أبتعد، كما يفعل الشيوخ الخرفون عادةً، فأعود لأقف أمامه مبتسماً بكل نفاق.

قال: أريد أن أسألك سؤالاً يشغلني منذ فترة.

قلت: تفضّل. بكل فضول!

قال: هل نحن موجودون فعلاً؟!

أجبته متعاطفاً لحاله: نعم بالطبع ياسيدي الخرف.

ابتسم، وقلّب الخريطة بين يديه، وأضاف بعد أن أغلق فمه مشكوراً، إن الدجاجة يابني الوقح عندما تبيض تعلن بالصراخ عن منتجها، فنجري نحوها طالبين سلعتها، وهنا نعلم أن الدجاجة موجودة فعلاً أليس كذلك؟

  • نعم بالطبع.

ونحن ياصغيري ماهو نتاجنا؟

صراحةً- تذكرت كتاب التاريخ الذي نقرأه وقرأه أجدادنا من قَبل التاريخ، وقلت له بفخر، وبصوت ثابت: نحن نمتلك التاريخ، وكل ماتوصلوا إليه من علم بفضلنا، ونفخت صدري كإوزة منزل.

قال: أعرف شخصاً جاهلاً وتمسك بجهله إلى أن تحول إلى غبي مقيت، كان فاشلاً بكل شيء، لا أصدقاء، لامكانة، لاكلمة، لارأي، أتصدّق إن قلت لك أن هذا الغبي أصبح الآن صاحب الأمر والنهي، والكلمة المسموعة في حيّنا؟!

قلت: لعلّه أصلح من شأنه.

قال: كلا أبداً، بل إنه غيّر من ملابسه وشكله فقط.

قلت سعيداً: أتقصد أنه أصبح مهرجاً؟

يحك العجوز الخرف رأسه مرتين، ويقول: ممم تقريباً .. هل تعلم أن الناس تأتيه من كل حدب وصوب لتتبارك بلمسه واسمه! من كل الجنسيات وكل الطبقات، فمثلاً سمعت أحدهم يسأله أيها العالم الجليل أجبني من فضلك، هل يجوز الجماع من الدبر؟ وآخر قال أبانا الفاضل ماحكم المتبرجات اللواتي – يبتلع لعابه ويلحس شفتيه سبع مرات متتالية، وثالث أعرفه دكتور محاضر بجامعاتنا بعلم الجينات، يسأله يا من أوتيت مفاتيح العلم أجبني، هل فرشاة الأسنان تفطر الصائم؟ يجيب أن المرأة عورة ونجسة فاحذروها.

*صوت من بعيد – اتفووه

– قلت: تمزح؟!

أتشتّم تلك الرائحة العفنة التي انتشرت بالحي بشكل كبير؟

قلت: نعم بكل سرور.

إنها رائحة فكرهم العفن، الذي ينفثوه بوجوهنا كل يوم وكذلك في ..

فركضت بسرعة مبتعداً عنه قبل أن يكمل، وكان الصوت قد أصبح أوضح ، إني داعٍ فأمنوا.

-آمــين.

تمرٌّ الأيام، وتكبر ابنة الجيران والحكايا معها، وأنا لا أزال طفلاً أبكي بزاوية الغرف المظلمة، بجانب العناكب فيأكلني الغبار، وقد توصلت إلى أن هناك علاقة مابين العاهرات والكهنة، علاقة مصالح متبادلة، فالكهنة كما تعلم ياصديقي كالقحبة، يقيمون العلاقات مع الجميع وبكل مكان، مع السياسيين، مع الحكام، مع الشيطان، مع الأصدقاء والأعداء، واشتعلت المضاربة بسوق الطلب بين العاهرات والقحاب، وأقصد هنا الكهنة تماماً، فاتفقوا من غير اتفاق على أن يقوم الكهنة بمنع ومحاربة ممارسة الحب، وقالوا للمشاهدين بصوتهم الرقيق:

أحباءنا الأعزاء هذا ليس من عندنا، بل إنه أمر جاءنا من الإله ذاته، ونحن سنعمل ليل نهار في خدمة الآلهة ومصالحكم؛ وعليك أن تكون حذراً جداً ياصديقي من الديبلوماسيين والمترجمين ولسانك، فالأفكار كما الأفراد ملغومة، وإن مررنا بجانب إحداها، علينا الحفاظ على هدوئنا ونكون كالأشباح، كي لا نوقظ الشيطان اللعين، نمشي بهدوء على أصابع رؤوسنا، حذرين من أن لاتنفجر بوجوهنا.

 وحين ستصاب باليأس من الوصول إلى الحب المستحيل، ستلجأ “للعاهرات”، وتفرغ جيبك على بابهم، وتبصق بوجههم وتخرج منهكاً من كل شيء، وحين تموت العاهرات يبني لهم الكهنة مزارات وأضرحة مزينة بالورود، وأنت لاتزال منهكاً، ولاتعلم كيف سارت الأمور بغيابك، وتصرخ الكهنة: بشراك بالجحيم أيها المخطئ اللعين، لكنك تعلم الجحيم جيداً بكل حال، ولكن رغم ذلك سيأكلك خوفك.
وحين تعود إلى وكرك المظلم، وتستلقي على ظهرك متأملاً سقف أحلامك المتهالكة أمامك، ستعلن توبتك، وتستيقظ بالصباح الباكر، وتذهب إلى ضريح العاهرات اللواتي نمت معهن الليلة الماضية، وعليّ أن أنبهك هنا ياصديقي، إن العاهرات بعد الموت تختلف أسماؤهن، وستدخل الضريح متضرعاً، وتثقب جيبك من جديد، فالتكفير عن الذنوب بحيينا ياصديقي لايختلف عن تسيير أي معاملة عادية وبسيطة، أو عن زيارة قحبة في وكرها، وستجدني أجلس على حافة الطريق أمدُّ يدي طلباً للمغفرة، وستضحك علي ملء بطنك، وستجدني أنبح عليكم محاولاً لفت انتباهكم من عملية السطو الحاصلة بعقولكم، وستضحك عليَ ملء بطنك من جديد، وتخرج من الضريح متدحرجاً كخنفساء على كومة روث، خالياً من الذنوب والأموال والعقل، وتعود إلى وكرك القذر، وتستلقي تحت سنبلة قمح فارغة، موهماً نفسك أن الظل خير من الجحيم، ولكني أؤكد لك ياصديقي العزيز، على أنك وبعد يومين كحد أقصى، ستعود إليك أفعى الليل في تمام الحادية عشر ليلاً، وتزور العاهرات من جديد، ويمارسن معك ألعاب الخفة، وتفرغ جيوبك وعقلك، وفي الثانية عشر تماماً سيدخل عليك الكاهن ومعه البخور، وسيصرخ بوجهك “مصيرك الجحيم”، وستكرر بيع عقلك له إلى النهاية، وستضحك علي ملء بطنك كلما سمعتني أنبح بالجوار، وحين سيجدون بعد ألف عام جمجمة رأسك الفارغ مفتوحة الفكين، لن يعلموا السبب، وسينهشوا رؤسهم تسع مرات، وهم يتساءلون عن سبب فتحك لفمك، وهل كنت تصرخ حينها أم تضح.!؟

**محمود عبود.

*لوحة الغلاف واللوحة الواردة بالنص: للفنان السوري عمران يونس.

*اللوحة الأخيرة: لوحة (رقصة الموت) للألماني ميكائيل فولغيمون.

Leave A Comment

You May Also Like