المقصلة….. نص جديد في سلسلة”رقصات طفولية – لا شيء مهم”

في السابع عشر من أبريل/نيسان .. أعتقد أن البدايات السخيفة تبدأ بهذا الشكل، وبكل حال فالتأريخ ضروري لإبعاد الشبهات حول كذبنا، فإذا سُئلنا عن أمر ما من قِبل أطفالنا، سنقسم على أننا نقول الحقيقة، وإن لم تصدقوا فانظروا كيف أن كل شيء مؤرخ لدينا بالتفصيل الممل جداً.

في السابع عشر من إبريل/نيسان – مابعد الثانية عشرة ليلاٌ، أدخل غرفة ولدي “ماك” الذي يبلغ من العمر اثنا عشر عاماً ولحظة، وهو الآن في المدرسة كما تعلم ياصديقي في السنة الخمسون من دراسته البدائية، وهو مجد جداً وذكي، يكتب يومياته على ورقات بيضاء لاتحمل سطوراً، فتجد كلماته تترنح مائلة بين الورقات كفراشة راقصة شقّت شرنقتها للتوّ، أو كرجل مخمور تحمل وزنه الملائكة ليرسم خط سير العالم بمزاجه المنشرح، ولكن واجهته بعض السطور في بحثه، والتي أخلّت بتوازنه و ببعض الحركات الحيوية لديه، فأجبرته على أن يصبح نمطياً أو غبياً في بعض الأحيان، لأن المدرّس المسؤول عن تسليم شهادة حسن السلوك أخبره أن علامته النهائية ستكون صفراً إن لم يتحول لببغاء مُجتهد، إلا أنه لم يقبل بأن يكون سلعةً غير صالحة للاستخدام وتمرد، فقرر أن يجلس بباب الفصل وحيداً نوعاً ما، ليشاهد المسرحية كاملةً بفصولها السوداء، محافظاً على حيويته وخصوصيته وحزنه.

– في السابع عشر من نيسان / أبريل توفي ابني “سامر”، وحيداً بعد أربع سنين من الحياة الحقيقية التي عاشها متفرجاً على الأبواب المتهالكة بصحبة حبيبته، وآخر ماقرأه كان ما كتبته حبيبته الغالية جداً، لشخص آخر تعرّفت عليه منذ إثنا عشر يوماً فقط، كتبت في منشور على الفيس بوك في تاريخ السابع والعشرون من يناير/كانون الثاني “أخيراً لقد وجدت حبّي الحقيقي”،
وبعدها باسبوع مات ولدي “عادل” ومعه كل شيء، فوجد نفسه بحياة مختلفة تماماً، فكتب بأول يوم من ولادته الجديدة:

أريدها أن تهمس بـأحبّك ليزداد وهج الشمس، فتنتصب سنابل القمح ممتلئة  ويتحرر عبّادها، أو أن تصرخ بها فتسمعها “عشتار” فتغار من لحن صوتها وتحاول أن تدّس السّم لها، فأكشفها، وأصارحها كيف كشفت مكر الآلهة، إنني عشت دهراً أخفي دمعة أعلقها كتميمة تكشف السمَّ ومايخفى.

فتجيبني: ياطفلي الشقيّ، سأقصُّ عليكَ قصة طويلة …

“كان هناك طفلٌ في أرضِ أخرى، في عالم آخر، في كونِ آخر، خياله واسع، مات صريعاً بضربة شمس أو حبّ – مثلا، فهطلت الأمطار هنا ونزل علينا ممزقاً متمسكاً بقطرة “.

 وهنا كانت القبضة الأولى التي أمسكت قلبه وبدأت بعصر الحقيقة، فلا مفر لك مما خططته بيديك، فالخطوة الأولى، الصرخة الأولى كانت يوم ولادته في السابع عشر من إبريل/نيسان، حين بدأ النحات العمل على تجهيز شاهدة قبره بنقش ثلاث خطوط مستقيمة جداً، يكتب بالخط الأوسط ” إن أباك يشعر بالعار والخجل بسبب أفعالك وأفكارك “، وفي الخط الأخير ” لترقد روحه بالجحيم فلن تزعج أحدهم إن لم تكن مشهوراً”،

ولهذا قتلت ولدي بتلك السطور، ودفنته تحت هامش السطر الأول، وسأقص عليك الحكاية:

رجلٌ في زنزانتين، الأولى كانت حكم صدر منهم والأخرى بحكم إرادته، اللقاء الأخير ليس كالوداع، وبذور الحب لاتنبت على ضفاف نهر من دم.

عندما زارتني تكلمنا عن أحلامنا ومستقبلنا، وقفتُ أمام نفسي ملقياً خطابي الأخير، أقرأه متقطّعاً من حائط الحيّ المهدم، ثلاثون سنة وأنا أكتب هذه الأسطر الثلاث، لقد اكتشفت أن الإنسان كآلة إعادة التدوير، يأخذ من نفايات المجتمع القذر ويخرجها كلاماً ساذجاً، والأمر لايحتاج إلا للتصفيق وسنين طويلة لإكمال العملية.

تتشابه الأسماء وتعدم المعاني على مقصلة التاريخ، فكلها سمات صادرتها الكثبان الرملية وشوهت ملامحها في وضح النهار، فتحولت إلى تماثيل سيئة الصنع، ولكننا مجتمع يخاف الإعتراف، فمن عُصرت عقولهم من أفكارهم وبيعت في الأسواق السوداء، سترافقهم المخاوف البدائية إلى النهاية، وهناك كانت الجريمة الكبرى والتي أحيل بها المجرمون إلى عرش المجد والقدسية، وكل الفضائح والجرائم جُمعت في الصحف ودسّت في درج الآلهة، وإننا خائفون.

 تُرجم كل الشياطين التي تحاول الوصول إلى الحقائق، ويلقى بها بالجحيم، هي لعنة لن تفارقنا وستصيب كل من يمر بنا، ولن نفلح إلا بالجنون.

ياشارد الفكر قد استباحوا عقلك ولن يعيدوه لك إلا بعد خرابه، السراب في الصحراء حقيقي وستقسم على ذلك برأس ابنك الوحيد، وحينها لن تصحو إلا وأنت تحتضنه كإيفان الرهيب، حينها ستجده قد تلوث بالدماء ولن يغسله، إلا الاعتراف والبحث المستمر عن المعرفة والحقيقة.

**محمود عبود.

**الأعمال الفنية للفنان العراقي الراحل: حميد العطار.

Leave A Comment

You May Also Like