من سلسلة: رقصات طفولية – لاشيء مهم…

كتب ولدي قاسم:

يوم دراسيّ جديد – الذل بالصِغر يُنتج عبيداً بالكبر. التاريخ: قبل الميلاد بكثير.

قال لي مُدرّس مادة علم الأحياء إنّ العصا من الجنة، وهو يجلدني على راحة يديّ الناعمتين، لأنني سألته على ما لاأذكر مستفسراً: وما هو المهبل ياسيدي؟ صرخ بوجهي، وكاد لعابه أن يغرقني وقال بكل ثقة “اسأل أمك ياكلب”، قلت لنفسي إن المدرس يكذب، والمراجع التي يطرحها غير صحيحة، لأن أمي لم تدرس علم الأحياء، إنها كباقي النساء بحيينا يدرسن علم الأموات فقط، ولم يتوقف يومها المدرس عن جلدي إلى أن سقطت مغمياً عند باب الفصل التاسع من المسرحية. ولأني لم أكن كباقي الأطفال الأذكياء، سألت أمي بعد عودتي للمنزل، أمي.. لماذا لم تنجب أختي أطفالاً إلى الآن كما فعلت ابنة الجيران؟!

ووقفتُ سنةً مبتسماً بانتظار الإجابة، هربت أختي إلى المرحاض وفكّت الخرطوم وأحضرته لوالدتي، وبدأت الحفلة المعتادة في منزلنا. دفنت رأسي بين أقدامي وغفوت لثلاثة أيام متواصلة، وحين صحوت صرختُ ملئ صوتي إن الشعراء هم المرتزقة الأوائل، والمدرّسون يأكلون الأحلام والأطفال .

-قالت : أكاملةٌ أنا؟

قلت: لا أريدك كاملة، فالكمال هو الامتداد المتوقف، وأنتِ لاحدود لمدّك، الكمال صفةٌ سيئةٌ ياحبيبتي كدائرة مقفلة، فهل هناك حدّ للزيادة؟ لنعلن الجنون إذاً ولتغرقيني.

في السنة الثانية من عمري تعرفت على فتاة جميلة جداً، وفي أحد أيام الأربعاء اتصلت بي الفاتنة ودعتني لزيارتها بالمنزل، وقالت: سيكون يوماً لن تنساه بحياتك.

 قلت لنفسي أقسم على أنها ستقتلني، وتمدد الزمن قبل الموعد ككلب استيقظ لتوه. وفي صباح يوم الموعد صحوت باكراً جداً، نظرت لسقف الغرفة وقلت لنفسي إنها ستأكلني، ورغم ذلك قفزت من تحت السرير، وأصبت إصبع قدمي الصغير بحافة الباب كما يحدث بالعادة، ورحت أنظف أسناني بفرشاة الأسنان التي ورثتها عن أخي، بالماء الساخن والملح العام، فأنا لم أمسك بيد فتاة من قبل، وها أنا ذا على موعد مع الموت، وإني أسير نحو حتفي بكامل القناعة وبأسناني النظيفة.

 طرقتُ الباب بهدوء، فأجابت من الداخل بصوتها الناعم: تفضّل – وكنت قد تفضّلت قبل أن تكمل كلمتها، وقَفتْ أمامي مرتديةً ثوباً قصيراً جداً، ولا أذكر شيئاً عن لونه الأسود، طفولية الوجه ناطقة العينين وأطول من تاريخي بالكامل، شعرها الأشقر المجعّد يثير الجنون، وظهرها مكشوف كقطعةٍ سقطت من السماء الصافية أثناء ترميم الآلهة لها بأحد أيام الصيف الملتهب، وحين جَلست بجانبي تجمدت عيناي على صدرها، فقد كان النمش منتشراً عليه كمجرة لم تكتشف بعد، واكتمل تيهي أنا الباحث بدورة الحياة، وعلمت بعد أن أسرَّتني أن الآلهة اتفقت فيما بينها على أن الإله الذي يخطئ، عليه ليكفّر عن ذنبه أن ينقش نجمة، وكما يبدو أن الآلهة قد أخطأت كثيراً، وامتلأت صفحة السماء بالنجوم، فقالت مبتسمة: أيها الغر ماأصابك؟! هيا اخلع عقلك وتعرى بالجنون، ولنبدأ برسم أجمل لوحة كونية اكتشفها الإنسان، وبدأتُ أتساقط بلطف على الأرض، قطعةً قطعة، ومددت شفتاي كحلزون خرج لتوه من قوقعته في صباح مشمس بعد ليلة ماطرة، وسحبتها بقوة باتجاهي لأمحو أثر الآلهة.

صحوت فجأة على خمس أصابع طبعت على وجهي خريطة الواقع، وكانت هذه المخالب تعود لمدرّس الحساب، يصرخ كمولد الكهرباء الذي يمتلكه جاري، أجب على السؤال التالي أيها الحالم الغبي: 1+1 كم ستكون النتيجة؟

أفكر لدهر.. ثم أجيبه سيدي إن 1+1= 1  فيتزن وجهي بكفتيّ الألم، ويضحك عليّ كل الصف المتهالك.

-فكّر بشكل جيد أيها المختل.

حقيقةً ياسيدي لقد فاجأني سؤالك، فهل لي من توضيح بسيط؟

-ماهو؟

أتريد الإجابة قبل أن توقظني بصفعتك أم بعدها؟

-أجب قبل أن أكسر رأسك.

حسناً، إن كان قبل الصفعة فالجواب ولن أتراجع عنه حتى وإن ابتلعتني، وهو عن تجربتي السابقة 1+1=1، وإن كان بعد صفعتك فالجواب تغيّر بسبب الاختلال الوجودي الطارئ الذي حدث، وأقصد هنا الذي أنت أحدثته عندما أحلتني إلى معادلة صفرية، وسأجيبك بكل ثقة أنه 1+1=0.

فركلتني الآلهة على مؤخرتي مطروداً من المدرسة، ورأيت الكون يتساقط ضاحكاً بين أقدامي، وغفوت دهشةً من جديد.

*محمود عبود.

*الأعمال الفنية، للفنان التشكيلي العراقي حيد القسام.

Leave A Comment

You May Also Like