أشجار الصداقة… نحن والآخر

يقول الشاعر والفيلسوف البريطاني “كوليردج”: ( الصداقة فيء شجرة).

في الحقيقة، تعلمنا تجارب الحياة، أن الصداقة هي الشجرة ذاتها، وليست مجرد الفيء، والأصدقاء أشجار، هم أشكال وأصناف وأنماط، يتنوعون بتنوع شخصياتهم وطبائعهم، وأسلوب تربيتهم وبيئاتهم، وأنت “الطرف الآخر” بأي علاقة صداقة، ينطبق عليك ما ينطبق عليهم.

بعض الأشجار دائمة الخضرة، لا تغيّر من طبيعتها ظروف البيئة وتقلبات الطبيعة، وتقاوم كل العوامل القاسية، لتحتفظ بطبيعتها تلك، وتُصر على أن يبزغ الخضار حتى في العروق اليابسة، وكذا الأصدقاء، بعضهم يبقى محتفظاً بودّه وطيبه، ومهما قسّت الظروف وتغيرت أحوال حياته، يبقى الجدار الذي بإمكانك أن تستند إليه كلّما احتجت إلى سند.

في حين تتغير بعض الأشجار مع تغير الظروف، وتتبع في حفاظها على استمرارها، سِنة الفصول، فتخضّر في فصل، وتتعرى في فصلٍ آخر، وكذا بعض الأصدقاء الذين يميلون كيفما مالت الرياح، ويتلونون مع الفصول أيضاً، ويتعرون إن احتاج الأمر، فالأهم بالنسبة لهم هو الحفاظ على استمرار وجودهم، وأمثال هؤلاء لا يُمكن منحهم درجة الوثوقية الكاملة، كل ما يُمكن أن ترجوه منهم هو قضاء بعض الوقت بهدف التسلية أو تغطية الفراغ الذي يُمكن أن يلم بحياتك أحياناً، وعليك أن تُدرك بداخلك أنه مثل هؤلاء لا يُعوّل عليهم.

الأشجارة دائمة الخُضرة، هي ذاتها أصناف وأنواع، وكذا الأصدقاء، فبعض الأشجار لا يُزهر ولا يُثمر، ولكن بإمكان ظلالها أن تغمرك بهجة وحماية، وبعضها الآخر يُزهر ولا يُثمر، لكن رائحة أزهارها وأوراقها تملأ محيطها طيباُ عطراً لا يُمكن مقاومته، كالزيزفون مثلاً، في حين بعضها الآخر، تزهر وتثمر، وتمنحنا أطاييب الثمار، ومن ثم تعاود خلق الحياة من بذور تلك الثمار، وكذا الأصدقاء، بعضهم قادر على منحك البهجة وفتح دروب الحياة أمامك، وإعادة خلقها دائماً مهما كانت العوامل المحيطة قاسية، ولا يتخلى عنك ولا يغادرك مهما تغيرت أنت حتى، وهذا النوع من الأصدقاء هو الذي يٌعوّل عليه ك”سند” دائم في الحياة، وكأنه من بعض دمك أو بعض أهلك.

أن تنمو كشجرة بجوار جدار!

بعض الأشجار لا تنمو إلا بجوار أشجار أخرى، وتتطفل عليها، وتعتاش منها، وتسلبها مقومات عيشها إذا اقتضى الأمر، كاللبلاب مثلاً، والكثير من الأشجار المتعرّشة والطفيلية، وكذلك بعض الأصدقاء، فمنهم هؤلاء الذين لا يقتربون منك إلا ليأخذوا، وما إن يتوقف عطاءك حتى يجدوا لأنفسهم مهرباً منك، ومنهم من يتجرأ بالقضاء عليك نهائياً إذا اقتضت مصالحه ذلك.

كما الأشجار تحتاج الرعاية لتكبّر وتستمر، وتحتاج إلى توفّر الشروط اللازمة لإمكانية استمرارها بالوجود، فكذلك الصداقة، فهي تحتاج الرعاية والاهتمام المستمر، وإلا ذبلت وماتت كما تموت الأشجار، فأنت كالشجرة، تخضّر وتُزهر وتُثمر، حين بالإمكان لا حيث ترغب، ونادرة جداً تلك الأشجار التي بإمكنها أن تنمو بجوار الجدار !

فهل بإمكان الإنسان الاستمرار باستزاف طاقاته، في مقاومة الجدران؟

علينا ألا نقسو على أصدقائنا، فالحياة بكل تنويعاتها، ومظاهرها، وتجلياتها، تنطبق عليكم تماماً، وتصنعهم، وتُشكل شخصياتهم، وكل ما عليك أن تُدرك حدود أي علاقة، والمسافة اللازمة التي ينبغي أن توجد بينك وبين الآخر وفقاً لكل الفروق المذكورة بين الأشجار، فمن تُسميهم أنت “أصدقاء” هم جزء من تنويعات الحياة تلك، وكثر منهم لا تنطبق عليهم تصوراتك الذاتية عنهم، فالفارق كبير جداً بين ما نبنيه من رؤى وتصورات عن الآخر، وبين ما هو عليه واقعياً، وما إن ندرك ذلك الواقع، إلا ونُصدم، لكن وطأة الصدمة دائمة أخف، إذا استطعنا رؤية الواقع كما هو عليه، دون تعليق الآمال الكبيرة، والتعويل على الآخرين.

روح الأشجار وأرواحنا أيضاً…

كل علاقة إنسانية، تقوم على الأخذ والعطاء، بدءاً من المشاعر وحتى أكثر الأمور مادية، وكل علاقة يختل ميزانها عندما يأخذ طرف فيها أكثر مما يُعطي، وعندما يُعطي طرف بدون حساب بدوافع المحبة والحفاظ على استمرار العلاقة، يتحول الأمر مع الزمن بالنسبة للطرف الآخر وكأن ما يأخذه هو “استحقاق” له، لأن الإنسان بطبعه أناني، ويحب ذاته، ويسعى وراء الكسب حتى دون أن يعِ ذلك أحياناً، وإذا لم يشعر الطرفان باختلال موازين العلاقة، ويضعان حد لهذا الخلل، سيعيش أحدهما مستلباً للآخر، وهذا النمط من العلاقات لا بدّ أن تتوقف في لحظة ما، وغالباً ما تتوقف بانفجار كبير يُدمر كل شيء، حيث لا عودة.

بعضنا لا يتوقف عن هفوات الأصدقاء، ولو فعلنا ذلك، لما تبقَ لنا صديق واحد، لكن الهفوات والأخطاء البسيطة، أمر مختلف عما يتم الحديث عنه هنا، فالجميع يُخطىء، والجميع يتجاوز، وبعضهم يتجاوزون حتى الإساءة والإهانة، ويبررونها مرات ومرات لألا يفقدوا صديق ما، لأن الحياة صعبة وقاسية، ولا يخفف من وطأتها إلا العلاقات الإنسانية الحميمة، وكلّنا بحاجة لأصدقاء صدوقين، يحملون معنى الصداقة وكنهها الحقيقي الآتي من كلمة” الصدق”، ولكن الأمر كما يقول الإمام الشافعي:

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً

فلا خيرَ في ودٍّ يجيءُ تكلُّفا

ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ

ويلقاهُ من بعدِ المودَّةِ بالجفا

وَيُنْكِرُ عَيْشًا قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ

وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا

سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا

صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا

الأشجار أرواحٌ أيضاً، وروح الشجرة لا تفارقنا، ولطالما كانت رمزية الأشجار حاضرة في وجداننا ك”بشر”، وأرواح البشر هي أرواح الأشجار أيضاً، يتشابهون في طبيعة الحياة، وسياقاتها، وتنويعاتها، وفي النهايات والمآلات أيضاً.

*المزيد حول “الصداقة”، من وجهة نظر علم النفس والعلوم الاجتماعية، يُتبع في مقالات قادمة.

**من كتاب ( استراتيجيات التواصل الفعّال في العلاقات الشخصية)، من مقدمة “باب الصداقة”، خولة حسن الحديد، قيد الطباعة.

*الأعمال الفنية للفنان التشكيلي المصري “صلاح المليجي”.

Leave A Comment

You May Also Like