رحلة من الذاكرة…

الكاتب السوري زياد “زيدون” الجندي

تكاد طاولة أبي أن تكون أولى المشاهد التي تفتّح وعيي عليها، كانت قصيرة القوائم لتتناسب مع جلوس مستخدمها على الأرض؛ تتوسطانها منفضتي سجائر من الألمنيوم؛ إحداهما للرماد، والأخرى للأعقاب، يليهما  كيس سيروم قُصّ و دوّر ليكون محفظةً للتبغ تحفظ رطوبته، إضافة لقداحةٍ عجوز من نوع “كليبر” بيضاء اللون.

من جهة الخلف، جهة التصاق الطاولة بالحائط ثمة ترمس (حافظ للحرارة )، مملوء دائماً بالقهوة العربية، يصطّف إلى جانبه  فنجانان، لكل منهما غطاء كرتوني يدوي الصنع.

 يتصدر الطاولة جهاز راديو أسود اللون كبير الحجم؛ له حمالة لتجعله على شكل حقيبة،  كان قد جلبه عمي لأبي من بغداد في خمسينيات  القرن الماضي.  

على زاوية الطاولة الخلفية اليسرى، صحنا سجائر من الستانليس ستيل؛ يعتلي أحدهما الآخر، معدّان لضيف مدخن لم يجد له مكاناً للجلوس قرب الطاولة، وقد كان هذان الصحنان الأصغر سناً بين كل ما تحمله الطاولة، فلايتحدث عنهما أبي عندما يفاخر بباقي الأشياء التي مضى على اقتنائه لها عقود من الزمن.

راديو أبي كان هو السبب الرئيسي في رسوخ مشهد الطاولة في ذهني، والسبب في ذلك هو الصمت الإجباري الذي كان يطبق على المكان، عندما كان يشغّله أبي ليستمع إلى آيات من الذكر الحكيم بصوت عبد الباسط، أو مصطفى اسماعيل، أو أبو العينين الشعيشع، و لم يكن يتردد في إسكات الراديو بحنق إذا لم يظفر بواحد من القراء الثلاثة؛  ليراقب الساعة المثبتة على رف من صنع يده على الحائط، حتى لا تفوته نشرة الأخبار عبر أثير إذاعة لندن أو مونتي كارلو. 

 فترة الصمت تلك، كنت أتشاغل خلالها بالتمعن في كل تفاصيل الأشياء التي على الطاولة، والتدقيق بملامح الحزن والقلق  على وجه أمي، وحركات رأسها الآسفة لما تسمعه من أخبار الاقتتال الداخلي في لبنان، وأخبار الاعتداءات الاسرائيلية، معبّرة بين الحين والأخر عمّا بداخلها، بدعاء بالسلامة لمن لا ذنب لهم، أو بشتيمة لإسرائيل، أو  بأنة حزن وسؤال متحشرج عمّا إذا كانت تلك المعارك قريبة من مكان تواجد أخي، حيث كان يؤدي خدمته الإلزامية على الأراضي اللبنانية آنذاك.  

مع مرور الوقت، بدأت أدرك ما كان يحصل في تلك البقعة من الأرض،  فحفظت أسماء الفصائل كلها، المتناحرة منها أو المقاومة، كما حفظت أسماء المناطق الساخنة:  (البيروتين، شرقية وغربية، إقليم  الخروب، إقليم  التفاح، البقاع الأوسط والبقاع الغربي.. ).

حتى أنني صرت أهوّن على أمي، فأخبرها همساً ألّا تخاف،  فالمعارك بعيدة عن البقاع الأوسط حيث يتواجد أخي.

راديو أبي، إنصاتي القسري لأخباره، وتفاعلات أمي معه، كل ذلك  شكّل لدي تعاطفاً مع قوم كنت سأحتك بهم، بعد عشرة أعوام من ذلك التاريخ. 

كنتُ في السادسة عشر من عمري، عندما تجاوزت الحدود اللبنانية – السورية باتجاه لبنان؛ مستقلاً سيارة الدودج الصفراء، عام ألف وتسع مئة وواحد وتسعين.

كنت أنظر إلى  ثقوب الرصاص في الجدران بألم، كما لو كانت ثقوباً في روحي، وإلى أجزاء البيوت المدّمرة، كما لو كانت أجزاء من كياني، بذات بالصمت ذاته الذي عايشته في ما مضى أثناء نشرات الأخبار، والتعاطف ذاته الذي زرعته أمي في قلبي.  

ودّدت يومها لو أنني أستطيع أن أواسي كل من ألتقيه من اللبنانيين في طريقي، وأن أهنئ كل جندي سوري على الحواجز التي نعبرها على سلامته، كما لو كان أخي الذي نجا من الموت بأعجوبة مرات ومرات.  

لم يلزم الأمر أكثر من بضعة أسابيع، لأعلم أن تعاطفي لم يكن يعني شيئًا لمن تعاطفتُ وتعاطفتْ أمي من قبلي معهم، ولم أكن بالنسبة إليهم أكثر من مجرد سوري، يمكنه أن يستقل سياراتهم الخاصة متى شاء عنوة بأمر من جندي سوري يتحكم بأنفاسهم؛ قلقت أمه يوماً على سلامته، بل ويمكنه إذا شاء أن يزلزل الأرض تحت أقدامهم، مستعيناً بجندي سوري جائع، نجا صدفة من جنون الحرب؛ متذرعاً بالقصص الكثيرة المتداولة بين السورين آنذاك، عن جنود استردوا حقوقهم من أشخاص عملوا لديهم قبل الاحتلال  السوري للبنان، وأكل أولئك الأشخاص حقوقهم.

على الرغم من أنني رفضت رفضاً قاطعاً أن أغتصب سياراتهم المدنية في تنقلاتي، كما كان يفعل الكثيرون من أبناء جلدتي وقتذاك، و على الرغم من أنني لم أستعن بجندي لحل خلاف لي مع أي منهم، إلا أن كل ذلك لم يشفع لي، ولا لكل من رفض استغلالهم مثلي، عندما غادرت القوات السورية لبنان مهزومة بعد مقتل الحريري، فقد عانيت أنا و كل من بقي مضطراً في لبنان، بعد رحيل القوات السورية الأمرّين، جرّاء الاعتداءات والعنصرية بشقيها؛ الناعم و الخشن،  وما زلنا نعاني منها  حتى يومنا هذا.  

وحدهم أولئك الذين داسوا كرامات اللبنانيين في تلك الأيام، يحظون اليوم بحسن المعاملة و الاحترام!

كابدت الشعور بالظلم لسنوات جرّاء كل ما سبق، إلى أن ترسّخت لدي القناعة الكاملة، أن لا شيء استثنائي في كل ما مررت به وعايشته، وأن القوة والثراء هو القانون السري الذي يحكم هذا الكوكب المتوحش، وأن كل المظلومين على ظهره بمن فيهم أنا، هم أناس تأخروا في إدراك تلك الحقيقة المرة.

فإن تلت جدتك على مسامعك ذلك القول المهزوم:

“طوبى لمن بات ليلته مظلوماً لا ظالماً”

أجبها بقول بن أبي سلمى:

“ومن لم يُذدْ عن حوضه بسلاحه……. يهدم ومن لا يَظلم الناس يُظلم”

فهو أكثر واقعية من قولها. 

*زيدون الجندي 6/9/2018

*الأعمال الفنية للفنان العالمي بيكاسو.

Leave A Comment

You May Also Like