نص جديد من سلسلة: رقصات طفولية – لاشيء مهم

**مذكرات ولدي “نور” في الأول من آب/ أغسطس الساخن جداً.

*الساعة السابعة مساءً من يوم الاثنين،  تباً، لقد عاد التيار الكهربائي للانقطاع، واستيائي ليس لأنني سأجلس بالظلام فأنا متأقلم معه، بل من صوت المولد الكهربائي عند جاري، والذي  سوف يبدأ الآن بالضجيج، فمع كل إنقطاع للتيار الكهربائي يُخرج جاري المولد الكهربائي ويديره برأسي تماماً، ليضمن عدم فساد المثلجات واللحوم في متجره، ولكنه لايقدّر مدى الإزعاج الذي يسببه للجيران بسبب صخب تلك الآلة العاهرة، ولا أعتقد حتى أن حاسة السمع لديه تعمل بالشكل الطبيعي، فهو لا يبالي بصوته أو حتى بأصواتنا.

في إحدى المرات قررت أن أخرج إليه، وألقنه درساً لاينساه، فأنا لست جبان لهذه الدرجة التي تجعلني أسكت عن أبسط حقوقي بالحصول على الراحة بمنزلي، وكنت كبركان ثائر والغضب يقضم رؤوس أصابعي، خرجت إليه وقلت له بصوت عالٍ وغاضب: ياجاري العزيز هل لك أن تطفئ هذا المولد العاهر، وأرحتنا من صوته المزعج، وإلا فسأكسره على رأسك الكبير، إن لم تفعل ذلك، فنظر إلي وكأنه يحاول أن يرى مصدر الصوت، أدار وجهه يميناً ومن ثم لليسار، ودخل إلى محله وجلب عصاً غليظة، وبدأ يضرب بها على راحة يده، وقال مستهزئاً : تفضل ياابن العاهرة وأعد أوامرك علي لأنفذها بالحال، وكانت يده تكفي لإنهاء الأمر، وأعتقد مفعولها أقوة من العصا، ولكنّه بكل حال أسلوب متبع لإيصال رسالة مباشرة.

فقلت له بغضب شديد أريد مثلجات باردة .. ألديك؟

بعض الأشواك تخترق جسدنا، ونظن أننا بمرور الزمن قد شفينا منها بعد أن التأم الجرح عليها، ولكن بالحقيقة إن الأشواك لاتزال بداخلنا، ولن نشعر بها، إلا إن صدف وضغط أحدهم على مكانها؛ هوالجرح ذاته هو تلك العنقاء.

لايزال ظلنا مصنوع من أعمدة الخيم، ومن مات منذ مئة عام، لن يتأقلم مع الحاضر إن أفاق اليوم، فكيف بمن هو بحالنا.

أخذنا من الغرب شعاراته، وألبسنا تاريخ الأجداد وأمثالهم السراويل الضيّقة، “ونسي الغراب مشيته وفشل بتعلم مشية الحمامة، وأصبح يتعثر مع كل خطوة” جلسنا بالمقاهي واضعين القبعات المسطحة، معلنين كذباً الحالة التقدمية التي وصلنا إليها، ولازلنا بانتظار المنقذ وناطحات السحاب، تم تحويلنا إلى شعوب اتكالية تتفنن بالهروب من مسؤولياتها، وبالتثائب عند كل صباح، وتحليل الوضع السياسي والاقتصادي العالمي على أرصفة الطرقات المتكسرة.

الاستبداد لدينا قائم على بناء تسلسلي، متماسك مهيب، من أعلى منصب بالدولة وصولاً لمنزل بغرفة وحمام أو حتى خيمة، وتاريخنا حافل بالأمثلة، والإنسان بطبعه يتقدم نحو الأمام، أما نحن وبعد أن نظرنا إلا اللانهاية بخط السير، قررنا رسمه بين أقدامنا، بعد أن سرقنا ريشة الرسام ولم نتعلم أصول الفن، تحنطنا على الخط بشكل تقليدي رديء، كإحدى تماثيل الآلهة القديمة في الشرق، ورحنا واضعين أيدينا حول أفواهنا ونصرخ للعالم هااي ..لقد سبقناكم أيها المساكين منذ زمن ووصلنا للنهاية.

أقامت البلدية مشكورة ونزولاً عند مطلب الجماهير الغفيرة، أقامت (دواراً) بنهاية حارتنا، ينظفه عصبة من الصبيان عند كل مناسبة وطنية، والهدف منه إنقاذ كل من تجرّأ بالتقدم نحو الأمام، وإعادته للصواب، فيقع بفخه ويعود إلينا لاهثاً يلاحق أنفاسه، ويحدّثنا عما شاهده بالحارات المجاورة من فسق، وفجور، وخلاعة – لعنهم الله – فنضحك عليهم ملء بطوننا وننتفخ بالريح الملوثة – والحمد لله الذي كفانا شر التعب – ونغفو ألف سنة أخرى، وعندما نصحو نرجو من الله أن يهدي القوم المتأخرين إلينا، وأن تبني لهم بلدياتهم دواراً كالذي نمتلكه، فنحن لانتمنى لهم إلا أن يتوقفوا عن فضح جهلنا.

*عدت للمنزل ورميت المثلجات من النافذة على رأس جارتنا العجوز، وبدأت أشتمه بعد تأكدي من أنه لن يسمعني.

قلت لنفسي إن سوء الخدمات تولّد حالة من الكراهية، وعدم الاحترام في المجتمع، فصاحب المحل ينظر لمصلحته ويعمل على عدم وقوع الخسارة، وهو هنا لا ذنب له بانقطاع التيار الكهربائي، وإن كنت أنا خسرت ثمن المثلجات وراحتي، فهو خسر راحته وثمن مولد الكهرباء الباهظ الثمن كذلك، ونحن الاثنان ضحية الخدمات السيئة والخوف، وأنا بكل حال سأحتقره سواء أكان سبباً بالإزعاج عن طريق صوت الآلة المرتفع، أو حتى إن أطفأه، وبعدها ذهبت إليه لطلب مثلجات باردة ولم أجدها.

 كل تقصير ومهما كان بسيطاً بالحقوق العامة، يجلب المزيد من البغض ضمن المجتمع الواحد، ويخلق حالات من العدائية المتبادلة، والمشاحنات والمشاجرات الدائمة، وهذه القضايا كلها ستكبر، وتتوسع تراكمياً باتجاه الأسوء، فانقطاع التيار الكهربائي، لايساعد فقط على انتشار الظلام الخارجي، بل يساعد أيضاً على انتشار الظلام الداخلي.

بعد أن يفقد الإنسان حقوقه، لايمكن إخضاعه، أو تقييمه ضمن (قواعد الأخلاق والسلوك الصحيح)، ومن الظلم والجور مطالبته بذلك، فسلبه لحقوقه، هو سلب لإنسانيته بشكل كامل، والحقوق مترابطة ببعضها، وكذلك مع قيمة الإنسان، وحين تبدأ تلك الحقوق بالسقوط، فإنّها ستنهار تباعاً، فمع كل استلاب منها، نفقد شيئاً من إنسانيتنا، ومع كل فقد، سنخسر شيئاً من مستحقاتنا، وهكذا يتم التلاعب بنا، والقضاء علينا بعد تحويلنا إلى وحوش أو حيوانات غير أليفة.

*محمود عبود.

*الأعمال الفنية للفنان العُماني “علي المحضار”.

Leave A Comment

You May Also Like