سلوى… .. نص في حب فلسطين وثوارها

الكاتب زيدون”زياد” الجندي

صحيح تماماً ما تبادر إلى أذهان بعضكم، أو ربما  أغلبكم، هو اسم عشيقة من الذاكرة.. ..

وربما لو وصفتها بالمعشوقة أو المحبوبة، لكان التوصيف أدق، فهي حتى يومنا هذا لم تعلم أنني عشقتها، فأنا لو بحت بكوامن النفس في تلك الأيام، لغدوت أضحوكة بين من قد أبوح لهم بحبي، ليس لأنني كنت صغيراً على ذلك بمفهومنا نحن العوام، إذ لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري آتذاك، وليس لأنّها هي كانت كبيرة على قلبي وقد تجاوزتِ العشرين، بل لأنني لم أكن التقيتها أبداً، ولم يكن في تلك الأيام من وسيلة للتعارف، إلا رسالة ورقية خطت عليها يدي الصغيرة بضع عبارات ثورية، مع رسم سراج ذبالته أخذت شكل  خريطة فلسطين.

سلوى، الفلسطينية التي حدثتني عنها شقيقتي، كيف كانت تطلق بأعلى صوتها شعارات القضية والأغاني الثورية في كوريدوات مدرسة التمريض، حيث كانتا تدرسان هذا الاختصاص؛ حولت انتباهي من الأناشيد الثورية  المدرسية الباهتة، التي كنت أعاني في حفظها رضوخاً للواجب المدرسي، إلى قصائد محمود درويش و أهازيج أبو عرب، المطرب الشعبي الذي تلقيت منها أحد كاسيتاته كهدية؛ لتتشابك يدا سلوى بأيدي مناضلي المد اليساري في بيئتنا حولي، وتحملني عالياً ثم تلقي بي  في شباك حب الفتاة عبر أثير القضية.  

أما القبلة التي وصلتني منها بوساطة شفتي أختي بعد تلقيها رسالتي؛ فقد دفعتني لاتخاذ قراري في العمل الفدائي، حالما تمكنت من ذلك. 

عندما كنت ألجأ للتدثّر كلّما داهمني رعاش العشق، لم أكن أحلم بتقبيلها كما يحلم العشاق  فيما لو التقيتها يوماً، بل كل ما كنت أتخيله أن ألتقيها حاملاً بندقية رافعاً إشارة النصر، أو أن أقف أمامها مظهراً بقايا طرف فقدته في سبيل القضية، كوسام بطولة أو كشهادة حب ثورية، ولم يفتني أن أكتفي بدمعتين من عينيها على قبر يضم رفاتي، فيما لو أدركتني الشهادة قبل لقائنا، الذي كنت قد قررت أنه لن يكون إلا كما حلمت به، لكن كان لشقيقتي القول الفصل بأن ألتقي سلوى قبل أن أكبر كفاية، لأحقق ما كنت أصبو إليه؛ وذلك  عندما اصطحبتني معها ذات صيف إلى دمشق، وفرضت علي لقاء سلوى في أحد ممرات مدرسة التمريض، فأفسدت علي كل أحلامي، فسلوى الفتاة القصيرة، الممتلئة الجسد،  السمراء التي رسمت صورتها على جدار القلب معتمداً على وصف شقيقتي، بدت عملاقة أمامي مقارنة بضآلة جسدي أنذاك، ما أفسد علي أيضاً مزنة القبل التي دهتني بها طفلاً صغيراً، لا فدائياً يرفع إشارة النصر.

ثم لأبدأ بنزيف عاطفتي  تجاهها، عندما استضافتنا في بيت أسرتها في السيدة زينب، واختبرت قدرتها في رماية الشحاحيط على عناصر جيش أخوتها الأشقياء، وعناصر كتائب أطفال الجيران.

 أما إذا كان خصمها أحد أخوتها الكبار أو أحد والديها، فقد كانت تمتشق رغيف خبز، فتتأبطه، وتبدأ بتمزيقه و تناوله بسرعة تتناسب مع شدة غضبها. 

بعد سنوات وكنت قد بلغت الشباب، التقيتها مجدداً في مشفى المواساة في دمشق، وما كنت لأعرف تلك الكتلة الضخمة  المتدحرجة صوبي أنها سلوى، لولا صوتها الذي كنت ما أزال  أحفظه جيداً، ولا كنت قادراً على تمييز أجزاء جسدها المتكتل، لولا زخات القبل التي أتتني من ثقب يتوسط كتلة قوامها خدود حبلى بالشحوم. 

صدمت من هول المشهد فسألتها بدهشة: 

مالك يا سلوى !!! كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من كل هذه  البدانة ؟؟!!!

فقالت ضاحكة:

“ول يا خيا مو تجوزت بغل، وكل ما تهاوشنا آكل رغيف خبز، و عد ربطات خبز كل يوم ”

في ذلك اللقاء نزفت آخر قطرات حبي لسلوى، وللقضية في آن معاً.

لكن هيهات هيهات أن ينطق أبو تمام عن الهوى، حين قال:

“نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول ”

فاستعر حبي لسلوى الثائرة التي اختفت، وللقضية الفلسطينية مجدداً، مع أولى صرخات الثوار في سوريا، ولم ولن ينجح كل من وقف إلى صف جزار سوريا من الفلسطينين بانتزاع حب سلوى، وفلسطين من قلبي. 

سلام على الأسرى الستة أحراراً ومعتقلين، على أمل أن لا يصفعني أحدهم يوماً بتحية لقاتلي.

*زيدون “زياد الجندي”.

*الأعمال الفنية للفنان الراحل الشهيد ناجي العلي.

Leave A Comment

You May Also Like