من سلسلسة “رقصات طفولية -لاشيء مهم”


“رقصة طفولية”

إنني ألاحظ ياصديقتي أن هذا الجدار العازل يزداد يوماً بعد يوم حولي، وأنتِ تعلمين كذلك أنني لست من يعمل على زيادته بشكل مستمر بكل حال، فهناك أيد أخرى  تعمل على إنشائه أكثر مني بدراية أو بغيرها، وأنا لست على مايرام، فبين الحين والآخر أحتاج للعودة إلى قوقعتي، والدخول بنفسي منطوياً كجنين ضاغطاً على نفسي بكل ما أحمل، معطلاً بشكل كامل حواسي التي تربطني بالخارج، فأحياناً كثيرة لا أجد نفسي إلا كمدينة مهجورة تحمل إشعاعاً كيمائياً فيهجرني الجميع، وأنا ياصديقتي لست وحيداً، ولست متأكد أيضاً إن كنت أمتلك الخيار، ولكن وعلى كل حال فأنا لا أتوقف عن التفكير بذلك، ولازلت أنتظر، أكملت عمري وأنا أنتظر ياصديقتي، أنتظرك أنتِ، وأنتظر الحلم، وأنتظر النور، وأنتظر الحياة التي أريدها، وفي هذه الفترة الطويلة، علمت أن الانتظار هو أصعب ماقد يمر به الإنسان، فهو يعطينا وقتاً أكثر من اللازم لدراسة أصغر الاحتمالات والخيارات الممكنة، ويكون الوقت طويلاً جداً وقاسياً، مما يجعلنا نشك أنه منتمي لمكان وجودنا أو حتى بوجودنا ذاته، ولقد عملت الفلسفة كثيراً على هذا الأمر، وشكّك الفلاسفة بوجودهم، ولكنهم لم يبحثوا عن أنفسهم بالشكل الصحيح.

اعذريني ياصديقتي لأني لم أجب على رسالتك الأخيرة، والتي كانت خاتمتها: (لقد أشرقتَ على حياتي كالشمس بنورها)، فقد نسيتك نهائياً، ورحت أفكر لماذا تصرين على أن الشمس هي التي تشرق، وأنت تعلمين جيداً أن الأرض هي التي تدور حولها، ورحت أفكر بالأمر كثيراً، وتوصلت على أننا بزمن اللامعنى، فهل يمكنني إذاً أن أغير المسميات؟

 لامعنى للأسماء المسلوبة ياصديقتي، واعذريني ياحبيبتي إن تأخرت بالجواب، فكان علي أن أقتل “جاليليو” من جديد، وأنت تعلمين أني أحبك ولكني بليد جداً في فهم الغزل والإشارات، لهذا أعود وأنطوي على نفسي كالقنفذ، وأرفع أشواكي خوفاً من ضيف خفي يوقظني من غفوتي، محاولاً إعادة الأمل لي، وأقصد هنا تماماً الألم، لقد حاولت كثيراً تخطي فكرة الوجود، وحاولت أن أقتنع بما كتبه الفلاسفة ولكني لم أفعل، كنتِ تتمنين أن أكتب لك رواية أو قصة عن الحب، ولكن يا حبيبتي الغالية مافائدة الحب المعلّب أو الحب المستهلك،  لذلك قررت أن أكتب لك من داخل القذارة التي نحيا بها، من داخل الواقع المهشّم، من داخل الجحيم، واحترت بما أكتبه فأنا لا أحب القوالب والأطلال كما تعلمين، فسرقت الراء من الرواية وأضفتها للقصة اليومية، وأعلنت بدايةً جديدة بحلة جديدة، وبسذاجتي الطفولية أسميتها رقصة، هل لي بيدك ياعزيزتي، رقصتي ليست صعبة أو معقدة كما الرقصات الجميلة، فبكل بساطة ستكون ساحتنا الجحيم الذي نعيش به، وبعد كل خطوة أو خطوتين نمارس الحب، ونغفوا كثيراً كي لاتكشفنا الجنية، ونعيد الرقص بشكل ارتجالي لنكتشف مع كل مرة نوع جديد من الخطوات والسقطات، نوع جديد من الحب، ونوع جديد من الألم، فهل أنتِ موافقة؟ هات يدك ياحبيبتي ودعي عنك الخجل، فما سرق من حياتي شيء كما فعل الخجل، هاتي يدك، ولتبدأ الموسيقى الصامتة، فإننا سنرقص إلى أن “تشرق الشمس”، ودعينا نسخر قليلاً من الحضور.

*محمود عبود

*الأعمال الفنية للفنان النرويجي إدواد مونك/ مونش.

Leave A Comment

You May Also Like