من سلسلة: (رقصات طفولية.. لاشيء مهم…)

(لعبة بازل)

إن أكثر ما يستفزني ياسيدي، تلك الدمعة التي أراها معلقة بالأعين تزامناً مع الموت، ولا أدري هل أن الوقت قد داهمها قبل إكمال مسيرتها، أو استجّد عليها أمرٌ ما جعلها تتراجع عن هذا القرار، ولكنّها تأخرت قليلاً، وبكل حال، هذا ليس من اهتماماتي، ولايهمني أبداً السبب، ولكن ما أعلمه ومتأكد منه، هو أن تعلّقها بحافة الكون بهذا الشكل، رهيب، ومخيف ومؤرق جداً لي، وهنا أجد أنه من واجبي الإنساني أن أنوِّه السادة المسؤولين عن صناعة الموت، للعمل الجاد والسريع لإيجاد طريقة حديثة للموت، تكون سريعةً وتترك البسمة على الوجوه قبل استعارة أرواحهم، فأقترح مثلاً ياسيّدي، أن يكون صوت الانفجار موسيقى هادئة، وأفضّلها إيطالية كلاسيكية، وأيضاً إن سمحتم لي سيدي، أن أطالب بتغيير أشكال الذخائر والقذائف، فتكون تشبه الشخصيّات الكرتونية ولا بأس إن كانت تحمل أسماءهم أيضاّ، فالأطفال يحبونهم كثيراً كما تعلم، فمثلاً يكون اسم المدمّرة العشوائية “هايدي الجميلة” لأني أحبها كثيراً، والصاروخ البعيد المدى “بسيط المحترم”، وأن تكون المفخخات باسم “سندريلا بياض الثلج” – مثلاً، وأن تخرج حمم النار، كتلك المفرقعات التي نستخدمها في احتفالات الأعياد الوطنية، ملونة وزاهية، اعذروني ياسيدي على همجيّتي وتطفلي على شؤونكم الخاصة، ولكنني لم أتجرأ إلا لعلمي بأخلاقكم، ونبلكم ورحمتكم، وأنكم تتقبلون النقد، إن كان في شؤون موتنا نحن ممتلكاتكم الخاصة.
أخيراً، أرجو أن يؤخذ كلامي على محمل الجد سيدي الصانع، فأنا لا أبالغ عندما أعبّر لكم عن مدى سخطي من هذا التكاسل واللامبالاة لمشاعرنا، فأرجو منكم أن تعملوا على تنفيذ مطالبنا بإظهار البسمة والسعادة على وجوهنا في لحظاتنا الأخيرة، لأننا لانعلم من سنقابل بعدها، وليس من اللائق أن نقابلهم بشكل رهيب، كما يحدث الآن، وربما لانروقهم ويتم طردنا، ونبقى معلّقين مابين الحياة والموت، وهذا أمرٌ مخيف، كدمعة طفل يضحك.

في أحد أيام الخميس، تماماً عند الساعة المتوقفة لدينا منذ زمن بعيد، كنا في جلسة عائلية – كما تفعل العائلات عادةً، يخبر أبي الحضور وهم خالي وزوجته وأولاده المئة والستون، بأنني سأصبح طياراً، فيرد خالي كما يفعل الأقرباء عادةً، وابني سيكون طياراً أفضل من ابنك، ويضحك مقهقهاً وشاربه يهتز بقوة أربع درجات على مقياس “ريختر”، ويتحول منزلنا إلى حلبة لصراع الديكة الشرقية، كما هي العادة لدينا.

وأختي ماستكون حين تكبر ياوالدي أقول متسائلاً!؟

-نظفي الزجاج المكسور- يصرخ

 وعرفت الجواب من الكأس الزجاجية التي أخطأت رأسي، فالبنات لاحلم لهن.

يفرح والدي عندما يبدأ زغب شاربي بالنمو، فتنزل يده كمطرقةِ إلهٍ من السماء على رقبتي، ويقول: “لقد أصبحت رجلاً ياعرص”، ويقهقه ضاحكاً، يضيف إن هؤولاء الأطفال حمقى، وأنا أبتسم فخراً، فقد أصبحت رجلاً عرص! ويعلن خالي غضبه على ابنه إن لم ينمو شاربه أكثر من شاربي، ويمسح بعدها شاربه، ويقول: أريده كهذا، وتمتد إصبعا يده السبابة والإبهام، مسافة ألف وخمسون ميل، على طول ضفتي فمه الجاف.
تبدأ ترتسم في مخيلتي كل هذه العبارات لتشكّل عندي الصور، فأكتشف علاقات سرية وخفايا خطيرة جداً، فأنطوي على نفسي وأبدأ بأكل أظافر أقدامي وأسجّل:
أولاً: إن اصبع الإبهام يستخدم لقياس حجم الشارب وتحديد الهوية، والهويةُ مرتبطة بالشارب والرجولة بعقد شرعي تماماً، فكلّما كان الشارب أكبر، كلّما كانت الرجولة أكثر!
ثانياً: هناك عالم الشارب، وهو عالم موازي لعالمنا، والذي يعتمد قوانيناً وموازيناً تختلف عن بقية العوالم.
ثالثاً: الفتيات لايمتلكن الأحلام، حتى تلك المسبَقة الصنع، وهي ممنوعة تماماً، وكل ماعليهن فعله هو تنظيف ما انكسره.

*عندما أستَيقظَ لم يجد منه شيئاً، حاول أن يُلملِم بعضه، ولكنه فشل في ذلك عدة مرات، فقرر أن يتّبع الإسلوب القديم، ويبدأ بتجميع نفسه كما كان يفعل مع تلك الألعاب؛ فعندما كان طفلاً كان شقياً كما هي عادة الأطفال، كان يجري عند سماعه صوت الطائرة ملوّحاً لها بيده، منتظراً كيس الحلوة الذي سترميه له على سطح منزلهم كما أخبره والده، ولأن الوالدان يكذبون كثيراً على أطفالهم، أصابه اليأس، فلم يحصل من كل جريه إلا على قصاصات ورقية، كُتبت عليها عبارات غير مفهومة لطفل بعمره، وطعمها لم يكن حلواً بكل حال وصعبة الهضم، وقال حسناً لن أجري خلف الطائرة اللعينة مرة أخرى، ولكن حينما أصبح طياراً كما أخبرني والدي، سأمرُّ فوق سطحنا، وأرمي لنفسي الحلوى وأعود لأخذها.

فرش أجزاءه أمامه، وباعدهم ببطء عن بعض، وبدأ يقلّبهم وينفض عنهم الغبار بضربهم على رأس أخته الحزينة، أمسك بأمعائه الغليظة جداً، وبدأ يتأملها واضعاً يده على أنفه بسبب قذارتها، تعرّف عليها ورماها خلف ظهره بعد أن اشمأزها، وهذا؟ أعتقد أنه قفص طائري الذي حبسته لسنوات، ولكن أين قفصي وطائري؟ يتمتم -تلك الفتاة اللعينة أكلتني- ومايكون هذا ياترى؟ ينبض كالقلب، ولكني لا أعتقد أنه قلبي، لأنني أذكر مرة حين دخلت المرحاض وجدت ورقة رُسم عليها القلب بشكل مختلف، وكان هناك سهم يخترقه، يحمل برأسه اسم شاب، وفي نهايته من الأسفل الحرف الأول من اسم أختي، والمراحيض بيوت أسرارنا، يضحك ويقول لقد هدّدتها كثيراً بتلك الورقة، ولو كان هذا قلبي لما بقي ينبض إلى الآن، يرميه خلفه بعيداً بجانب أخته، وأما هذه فهي الأقدام أعرفها جيداً، ولكن ماحاجتي لها إن كان سينمو لي جناحين كما تقول أمي! وسأطير بالجنة، وأكون الرشوة الأولى بيد الله ليدخلهم إليها كذلك، وذاكرة السمك أقوى من ذاكرة الأطفال أحياناً، كما تعلم ياصديقي، سأرميهم فلا حاجة لي بهم، ولعلّ أحد ما يستخدمهم فتقودانه إلى نفس مصيري السيء، ثم أمسك لسانه ومسحه من التراب المتراكم عليه، وأمعن النظر به وابتسم، ثم ابتلعه دفعةً واحدة وإلى الأبد؛ يتملكه شعور غريب حين يمسك بوجهه ويبدأ بتقليبه وتفحصه، يتساءل: لمن يكون هذا الوجه؟ أيعقل أن يكون أحد وجوهي التي كنت أستعملها؟!

حسناً، سأخفيه بكيس الحلوى، ولا أريد لأحد أن يعرف ما أكون، فقليلون هم الذين يتقبلون الحقائق. يمسك بشيء مبهم لا ملامح تدل على ماهيته ولا شكل يحدد وصفه، ممزقاً مشوهاً لأبعد الحدود ولكنه يشبه لبّ الجوز، لم يتكلم ولكن عيناه لمعتا بشدة، فأمسكه باشمئزاز ورماه بقوة وغضب، وصرخ ماحاجة لي بمثل هذا طالما أني أعيش هنا! سأرمي كل شيء، فلا فائدة من هذه الأجزاء التالفة المشوهة، بالإضافة إلى أن تركيبها صعب، وأنا ليس لديّ الوقت لأضيّعه، وعلى كل حال هذه الأجزاء مختلطة بآخرين، ولا أعتقد أن كلها تعود لي، فهذه الأفكار ليست لي فلماذا أحملها! ولكني قد أحتاج للإصبع الأوسط  فقط، وإن مرّ الطيار فوق منزلنا مرة أخرى، وقرر أن يرمي بكيس الحلوى، سألوّح له بها ساخراً، فمنزلنا لم يعد له سطح، وأبي لن يؤنبني أو يضربني على فعلتي، فقد رحل مع زيارة الطيارة الأخيرة لنا.

*الأول من آب/أغسطس، واقفاً عند قبر والدي، والشمس تقضم برأسي، لقد كبرت جداً، وأصبح لديّ شارب غليظ ولكنني  لست رجلاً، وجسدي ممتلئ بالثقوب، فأنا فارغ من كل شيء ووحيد تماماً؛ أتعلم أن ابن خالي أصبح لديه مطارٌ خاص، وطائرات كثيرة! لقد أصبح “كشاش حمام”، وأنا لا أملك شيئاً، ولازلت غبياً بشاربٍ غليظ، فهل أنت سعيد ياوالدي؟ أضع رأسي على شاهدة القبر، فأسمع صوت خالي من القبر المجاور يصرخ: (سيكون ولدي غبي أكثر من ولدك عندما يكبر)، أقضم بدوري قطعة من القبر، وأرحل بسن مكسورة، وشارب ينمو باستمرار.

*محمود عبود.

*الأعمال الفنية، للفنانة اللبنانية “ناديا صفي الدين”.

Leave A Comment

You May Also Like