السر أن أكون لغتي… ولغتي أنا

مها دعاس: كاتبة سورية مقيمة في ألمانيا، تربوية ( معلمة)، لها العديد من النصوص الشعرية والنثرية المنشورة في المواقع الإلكترونية والصحف الأدبية.

ليس الشعر مهنةً، ولا لقباً، ولاقماشةً للحياكة، ولا سوقاً لبيع الوهم، هو أن تزرع وردةً بين جرحين، وأن تسقيها فتنبت فوق غيمة، وأن ترعاها فتمطر سرب فراشات زاهية، دون أن يلتفت المارة لنقش الدم بين بتلات الورد، ولا لنزيز الحرق في أجنحة الفراشات.

لم أقترب يوماً من القصيدة، ولا من فضاء الشعر والشعراء، لكنّي أردت تخليد الوقت، عندما كانت السماء تمطر ياسميناً في إحدى المساءات المقمرة، التي ألقت سحرها بين أصابعي، التي حولتها إلى بخورٍ يشتعل حروفاً بلا انتهاء، بعد أن لمست بقلبي ضوء القمر، فراقصت النهر، حتى آخر اللغة….. وغنيت مع ينبوع الضوء، حتى فاضت روحي بمفرداتٍ يعجز فيها الكلام عن الكلام…..

لم أكتب يوماً قصيدة عصماء، ولا ملحمةً، أو معلقة، ولم أبتكر مفردات معقّدة، أو عبارات عصية على الفهم، تُثير شهية التساؤل، ولم أُخلق في بيئة تولد فيها الكلمات بسلاسة،  لكّني أعيش بين سطوري.

قد تقتلني كلمة، وقد تحييني كلمة، والسر أن أكون لغتي… ولغتي أنا.

لم أركض مثل غزالة مجنّحة  في السهول والحقول بين الرياحين، ولم يكن بيتنا يطلُّ على الغابة، ولم يكن النهر رفيق طفولتي، ولا البحر صديق أحلامي.

لكنّ الكلمات حملتني مثل ريشة، من حقل زنبق إلى سنديان الغابات المُطلّة على النهر، وذرتني الرمال على الجبال، حتى وصلت للبحر.

لم أبحث عن لؤلؤةٍ في قلب صدفة، لكنّي أصغيت لأسرار الموج في همسة قطرة ماء، عَلَقت بعد رحلة شاقة في داخلها.

لم تكن دمشق أكثر رأفةً من أي مدينة أخرى، ولم تكن سوى مطحنةً لنا، نحن أبناء القرى الذين ابتلعنا ألسنتنا في أزقتها التي عشقناها، حتى أصبحت ليلى ونحن مجانينها.

كان البحر أكثر حناناً من البلاد، وأكثر رحابةً من شوارعها، وكانت أمواجه وفيةً لرغبتنا بالحياة، حتى أنه حملنا كما تحمل الملائكة الرحمة على كفوف الراحة للشاطىء.

لا سمك في البحر

لا حوريات

لا جنيات

لا زرقة

ولا رفرفة لنورسٍ

وحدهم السوريون فرادى وجماعات، سكنوا قاعه الأبدية العميقة، كمقبرة جماعية.

بينما يرفرف العلم السوري في ساحة الأمويين، خلف الساحة تواطأ القناص مع الرصاصة، وتسابقا إلى جسد الفل والجوري، أجنحة العصافير ورؤوس النسور، ولم يلتفت أحد لقلب العلم الممزق.

كان الله الرحمن الرحيم جميلا ًجداً ، يتجلى بأسمائه الحُسنى، ويبسط رحمته، وسعة قدرته، وعجائب قوته، ليمنحنا حياة بعد كل موت.

كم كان الموتُ الذي كان يسطو على كل تفاصيل الحياة…. وشيكاً، وكم كنتُ بين مخالبه… فريسةً، ضئيلةً جداً.

لم يُبهرني برج إيفل، كما كان يفعل قوس النصر العظيم، ولم تُبهرني شوارع العالم المزدّحمة بالجمال، والأناقة والرقي، كما كانت تفعل زيتونة ونخلة، ولا روائح العطر الشهيرة، مقارنة مع رائحة زيزفونةٍ، استيقظت مع أول نسمة للفجر.

لم تسكنني موسيقا مهما عظمت، كما أبهرتني موسيقا، كما سكنتني صرخات الحرية.

كان الحلم قاب قذيفتين وسلاح بلا نهاية، لكنّه كان على مسافة مضرب عصاً من الجرزان والذئاب…. …

*مها دعاس.

2 thoughts on “السر أن أكون لغتي… ولغتي أنا

  1. Nabil

    جميل هذا البوح, لكن استوقفتني عبارة “خلف الساحة تواطأ القناص مع الرصاصة، وتسابقا إلى جسد الفل..”, لم استطع أن أقرأ المغزى أو الصورة الشعرية الكامنة خلف هذه العبارة, هل القناص ورصاصته شيئان منفصلان , شاءت الأقدار أن يجتمعا على هدف واحد؟

  2. Maha Daas

    قد تكون العلاقة إشكالية بالنسبة لي وغير منطقية تلك التي تجمع بين القناص ورصاصته ،فهي أشبه بالتواطىء المعلن ولكنها في العمق كانت لتكون علاقة نفور ورفض لو كان هذا القناص ” الإنسان ” أولا في ظروف أخرى لم تشوهه لدرجة أن تحوله لمجرم ،في ظروف عادلة كان من الممكن جدا أن يكون انسان آخر أكثر سوية وانسانية

Leave A Comment

You May Also Like